تحتل منطقة "وادي بعبع" في جنوب سيناء مكانةً تاريخيةً وتراثيةً بارزةً بفضل كنوزها الأثرية التي تنتمي إلى حضارات متنوعة مثل الفرعونية والمسيحية والإسلامية، فضلًا عن النقوش الصخرية التي ترصد معالم حضارة "الأنباط"، تلك المملكة العربية القديمة التي قامت في صحراء الأردن وسيناء والنقب، وامتد وجودها في الفترة من 169 قبل الميلاد وحتى 106 ميلادية.

وتضم منطقة "وادي بعبع" آلافًا من النقوش الأثرية وأحجار الـ"مالاكيت" الكريمة التي يعود تاريخها إلى عصر المملكة المصرية القديمة (2686 ق.م-2181 ق.م)، والمشتهرة باسم "عصر بناة الأهرامات".

رصد الأخطار

وعلى الرغم من أن منطقة وادي بعبع تقع في نطاق مناخي جاف إلى شبه قاحل، إلا أنها تتعرض للسيول بشكل متقطع بسبب العواصف المطيرة، ما يهدد مواقعها التراثية بشكل كبير؛ إذ تشهد المنطقة سيولًا وأمطارًا مفاجئة غزيرة وقصيرة الأمد.

وتقدر خسائر مصر من السيول والأمطار المفاجئة الغزيرة وقصيرة الأمد بـ19.2 مليون يورو في الفترة من عام 1999 وحتى 2006، وفق دراسة نشرتها دورية "ساستينابيليتي" (Sustainability)، وتوضح الدراسة التي أجراها فريق بحثي مصري أنه "بالنظر إلى صعوبة السيطرة على السيول والفيضانات، فإن وجود خرائط موثوقة للمناطق المعرضة لتلك الكوارث الطبيعية يُعد أمرًا بالغ الأهمية لإدارتها، فضلًا عن ضرورة الاستعانة بتطبيقات الاستشعار عن بُعد في رصد أخطار السيول على المواقع الأثرية في جنوب سيناء"؛ حيث يمكن لصور الأقمار الاصطناعية والرادارية توفير معلومات مفيدة من أجل تقييم حالة التراث المعرض للخطر، واستخدام تقنيات نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد على نطاق واسع لتقييم مخاطر التهديدات الطبيعية للمواقع الأثرية في مناطق واسعة يتعذر الوصول إليها.

بالإضافة إلى الاعتماد على تكنولوجيا الفضاء بشكل عام للإسهام في مختلِف جوانب إدارة كوارث الفيضانات، مثل اتخاذ إجراءات الوقاية والتأهُّب والإغاثة.

وتوفر بيانات الأقمار الصناعية الرادارية رسم خرائط في الوقت الحقيقي لوقوع الفيضان، والحصول على البيانات بسرعة في أثناء حدوثه، إضافةً إلى قدرتها على تسهيل كلٍّ من المراقبة المستمرة والمنتظمة لحجم الفيضانات، ورسم خرائط تحدد مناطق الخطر.

ويُرجع وائل عطية -خبير نظم المعلومات الجغرافية بالهيئة القومية للاستشعار من البُعد، والباحث الرئيسي في الدراسة- اهتمامَه بآثار سيناء إلى "ندرة الأبحاث المتاحة بشأن الآثار في سيناء بسبب فترة الاحتلال الإسرائيلي لها، وما تبعها من فجوة بحثية امتدت إلى ثمانينيات القرن الماضي"، وفق تصريحاته لـ"للعلم".

أهمية وادي بعبع

يقول "عطية": تتمتع منطقة وادي بعبع بوجود مواقع أثرية مهمة، مثل معبد حتحور الذى شيده الملك سنوسرت الأول على جبل سرابيط الخادم في وسط سيناء لعبادة الإلهة حتحور، ويبلغ مجموع النقوش التى عُثر عليها فيه 387 نقشًا من الدولتين الوسطى والحديثة، وهو المعبد الوحيد في التاريخ المصري الذي يقع في الجبال وفي أعماق الصحراء؛ إذ اعتاد المصري القديم إقامة المعابد في مناطق معمورة، إلا أن معبد حتحور يقع في منطقة جبلية يبلغ ارتفاعها 755 مترًا.

وائل عطية خبير نظم المعلومات الجغرافية بالهيئة القومية للاستشعار من البُعد

ويوجد في "وادي بعبع" أيضًا موقع لصهر النحاس، وميناء سهل المرخا جنوب مدينة أبو زنيم. و"سهل المرخا" عبارة عن رقعة أرضية بالقطاع الأوسط من غربي شبه جزيرة سيناء، وتمتد طوليًّا فيما بين واديي وردان شمالًا وفيران جنوبًا، وعرضيًّا بين خط الساحل على خليج السويس غربًا وخط تقسيم المياه الرئيسي.

وما زالت أطلال الميناء تشهد على النهضة الصناعية التي حدثت فى عهد الملك "أمنمحات الثالث"، الذي نشطت في عهده جهود البحث عن الخامات فى الصحراء الشرقية، وأدت إلى اكتشاف مواقع لاستخراج الذهب والنحاس والمنجنيز والفيروز، إضافةً إلى تشييد ميناء من أجل نقل الخامات، وأفران لصهر المعادن عكست ذكاء المصرى القديم في اختيار أماكن أفران الصهر التي تحتاج إلى درجة حرارة فوق الألف درجة، ما استوجب دراسة حركة التيارات الهوائية والمصايد الهوائية من أجل معرفة أعلى مكان يتوافر فيه تدفُّق التيارات الهوائية لاستغلالها فى الاشتعال والصهر.

يقول "عطية": الوصول إلى الخامات أيضًا يكشف قدرة المصري القديم على معرفة بيئته؛ إذ توصل إلى الفيروز الذى يوجد فى مغارات على ارتفاع 700 متر.

بيانات الاستشعار عن بُعد

لتقييم كمية الأمطار المتوقعة وتأثيراتها على المواقع التراثية، استخدم الباحثون استخدام بيانات القمر الصناعي (Sentinel-1)، وبيانات المهمة الفضائية من أجل قياس هطول الأمطار المدارية (TRMM)، وهي مهمة فضائية مشتركة بين وكالة ناسا والوكالة اليابانية لاستكشاف الفضاء الجوي، وتستهدف رصد هطول الأمطار الاستوائية ودراسته.

في الدراسة التقليدية يعتمد على بيانات المحطة التي تعطي قيمًا حقيقيةً عن الأمطار في موضع المحطة، توجد المحطة في مدينة أبو زنيمة التي تتأثر في مناخها بتأثير خليج السويس، وهو ما يختلف كثيرًا عن الظروف المناخية داخل منطقة الدراسة الجبلية، ويؤدي ذلك إلى اختلاف وتفاوُت في كمية الأمطار الساقطة.

لذا، اعتمد الباحثون على الصور التي توفرها مهمة قياس هطول الأمطار المدارية، والتي تساعد في الكشف عن الكميات الحقيقية الساقطة من الأمطار في كل جزء من منطقة الدراسة، وليس موضع المحطة المناخية فقط.

يقول "عطية": نهتم برصد المخاطر الطبيعية على الآثار في جنوب سيناء باستخدام نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد، واستخدمنا صور الرادارات التي تُظهر الأشياء غير المرئية في الأودية المغطاة بالرمال وتكشف المباني القريبة من السطح، كما استخدمنا الصور التي تتيحها مهمة قياس هطول الأمطار المدارية.

ويتابع: تستطيع المرئيات الرادارية كشف بعض الظواهر التي لا يمكن رؤيتها في المرئيات الفضائية التقليدية التي تعتمد على الجزء المرئي من الطيف الكهرومغناطيسي، مثل روافد الأودية والأنهار المدفونة أسفل الرمال، وتحديد البيئات الرطبة، إضافةً إلى قدرتها على إنتاج مرئيات واضحة حتى مع وجود سحب وأمطار، خلافًا للمرئيات التي تعتمد على تصوير الطيف المرئي والأشعة تحت الحمراء القريبة فقط، كما يمكن للمرئيات الرادارية أيضًا اختراق سطح التربة، بما يفيد التطبيقات المتعلقة بعلوم الأرض.

وتعرض البحث أيضًا للجوانب البيئية والجغرافية والمناخية لـ"وادي بعبع"، وذلك باستخدام الخرائط الطبوغرافية والمرئيات الفضائية للمنطقة فى الفترة من 2019 وحتى 2021، للوقوف على طبيعة المنطقة المتفردة والمميزة والتضاريس المختلفة ومعرفة كيفية استخدام المصري القديم لهذا التفرُّد وكيفية تعايُشه معه، وكيفية استخراجه خامات الفيروز والنحاس والمنجنيز، وفهمه الدقيق للطبيعة والبيئة، واستغلال كل ذلك فى اختيار مواضع صهر النحاس والمجنيز، وربط ذلك بميناء سهل المرخا.

يبلغ مجموع النقوش التى عُثر عليها 387 نقشًا من الدولتين الوسطى والحديثة

بيانات مفصلة

عرض البحث بالتفصيل –من خلال بيانات "مهمة قياس الأمطار المدارية" والمرئيات الردارية- حجم الأمطار التى تتعرض لها المنطقة، وحجم المياه التي تصرف داخل حوض تصريف "وادي بعبع" باستخدام بيانات القمر الصناعي (Sentinel-1) المتاحة في الفترة من 2017 وحتى 2020، وذلك بعد دراسة بيئة حوض الوادي وجغرافيته واستخراج المعاملات الهيدرولوجية باستخدام الطرق المناسبة لطبيعة المنطقة الجافة بالتكامل مع المرئيات الفضائية والخرائط.

وساعدت تلك التقنيات الباحثين في تحديد مواضع تجمُّع مياه الأمطار بدقة، واستكشاف تأثير مياه الأمطار على المواقع الأثرية من خلال تتبُّع الأيام التى سقطت فيها؛ فعلى سبيل المثال، بلغت كمية التصريف من جرَّاء العاصفة المطيرة التي تعرَّض لها الوادي في 17 يناير 2010 نحو 23 مليون متر مكعب، ونتج عنها خسائر في المباني والمزارع، وتضررت المواقع الأثرية ومنها سرابيط الخادم والطريق المؤدي إلى معبد حتحور، كما توصل الباحثون إلى أن ذروة تصريف مياه الوادي في أثناء السيل بلغت 142.4 مترًا مكعبًا في الثانية.

استخدم الباحثون صور الرادارات التي تُظهر الأشياء غير المرئية في الأودية المغطاة بالرمال

وانتهى الباحثون إلى ضرورة "إنشاء 4 سدود لحماية المناطق الأثرية من الآثار المحتملة للسيول الفجائية، في أربعة مواقع هي وادي البدع ووادي اللحيان ووادي الشلال ووادي الخريج".

يقول "عطية": كشفت الصور تأثُّر الآثار الموجودة في المنطقة بهطول الأمطار، ما أدى إلى انهيار كامل للسلم المؤدي إلى معبد حتحور بسرابيط الخادم، ودمرت المياه الجزء الأمامي من المبنى الإداري للمعبد، إضافةً إلى تأثيرها على النقوش بسبب تفاعُلها مع الأحجار الجيرية في سهل المرخا.

وشدد على أن منطقة الدراسة معرضة لخطر الفيضانات التي تهدد هذه المواقع التراثية بشكل كبير، وبناءً على ذلك، تم وضع إستراتيجيات التخفيف من تأثير مخاطر الفيضانات حول المناطق الأثرية، وتستهدف السدود حماية الآثار والتجمعات العمرانية المحيطة بها.

مخاطر كثيرة

من جهتها، تقول روزا لاسابوتارا، أستاذ الموجات القصيرة بكلية الهندسة بجامعة بازيليكاتا الإيطالية، والمشاركة في الدراسة: إن العديد من المواقع الأثرية حول العالم تواجه مخاطر تهدد بقاءها، وأوضحت في تصريحات لـ"للعلم": رصد الباحثون أخطار السيول على مواقع الآثار بمنطقة سيناء عن طريق الدمج بين بيانات الأقمار الصناعية المرئية والرادارية، وتحليل هذه البيانات عن طريق برامج متطورة قادرة على استخراج بيانات بنسبة دقة تتراوح بين 85% و95%، مشددةً على أن بيانات الاستشعار عن بُعد وأدوات نظم المعلومات الجغرافية أدت مؤخرًا دورًا مهمًّا في رصد كميات الأمطار وتحديد المواقع الأثرية المهددة في حالة زيادة كثافتها وتحوُّلها إلى فيضانات.

وأضافت: ساعد التقدُّم في مجال الفضاء ودخول أنظمة أقمار صناعية قادرة على رصد تلك الظواهر والمخاطر في مناطق كانت مستحيلة الرصد سابقًا، مثل المحيطين المتجمدين الشمالي والجنوبي، كما ساعد على تصوير تلك المناطق في أثناء الليل وفي أثناء وقوع الأعاصير وتكوُّن السحب الكثيفة وخلال الأمطار الغزيرة، وأصبحت هناك إمكانية لتحديد كميات الأمطار وأماكن تجمُّعها.

محاولات لحماية المنشآت الأثرية من العوامل الجوية ومعالجة الأملاح التي تترسب عليها

جهود مستمرة

بدوره، يصف مصطفى نور الدين –خبير الآثار ومدير مركز تدريب جنوب سيناء والبحر الأحمر بسرابيط الخادم- الدراسة بأنها "مهمة جدًّا"، مضيفًا: رغم قلة الأمطار بوجه عام في منطقة الدراسة، إلا أنها تشهد كل بضع سنوات سيولًا قويةً تؤثر على النقوش والكتابات القديمة الموجودة في المواقع الأثرية؛ حيث يؤدي تشبُّع الحجر بماء المطر إلى خروج الأملاح وترسُّبها على النقوش، ويؤثر على تركيب الأحجار الأثرية، مما يؤدي إلى تفتيتها وتأثُّر نقوشها.

يقول "نور الدين" في تصريحات لـ"للعلم": لا تقتصر تطبيقات الاستشعار عن بُعد على رصد المخاطر التي تتعرض لها الآثار بسبب الظروف المناخية؛ إذ إن لها تطبيقات أخرى فى مجال التنقيب والاكتشافات، وسبق أن أجرى فريق بحثي من جامعة أكسفورد دراسة لاكتشاف الآثار فى جبل عتاقة بالسويس دون أن يزور مصر أو يعاين جبل عتاقة، بل اكتفى باستخدام تطبيقات تقنيات الاستشعار عن بُعد.

وعن الجهود المبذولة لحماية آثار جنوب سيناء، يقول "نور الدين": توجد أعمال صيانة دورية من أجل حماية المنشآت الأثرية من العوامل الجوية ومعالجة الأملاح التي تترسب عليها، خاصةً في مناطق مثل سرابيط الخادم وعيون موسى ووادي غرندل ووادي المغارة وغيرها.

وردًّا على ما ذكره "نور الدين" من أن المنشآت الأثرية في جنوب غرب سيناء في مأمن من أثر السيول؛ نظرًا لفطنة المصري القديم ومعرفته بجغرافية المكان وبيئته، يقول "عطية": لا أشكك فى فطنة المصري القديم الذي أقام المنشآت الأثرية في أكثر المواقع مناسَبةً، فعندما أقام ميناء سهل المرخا أقامه في منطقة عمق المياه فيها أكبر، رغم أنه لم يكن الأقرب إلى مواقع الخامات، وعندما أقام المعبد أقامه على قمة جبلية أعلى من ارتفاع الهرم، ولكن اختياره للأماكن كان في حدود المتاح لديه من معلومات بيئية وجغرافية، ولم يكن يدور بخلَد أحد حجم التغيرات المناخية التي حدثت خلال الخمسين عامًا الماضية، وما رصده البحث يؤكد أن هناك تأثيرًا سلبيًّا للسيول، ولذا هناك بالفعل مشروع تتبناه الدولة في سيناء لإقامة سدود، ليس فقط لحماية المناطق الأثرية، بل لحماية التجمعات السكنية أيضًا، وقد بدأت الدولة إنشاء سدود في الأودية الضخمة مثل وادي سهل القاع.