عادت قضية الاستخدام العشوائي لـ"تقنيات التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة" لتثير حالة من الجدل بشأن تأثيراتها السلبية على أدمغة الأطفال. فقد شدد فريق من الباحثين في جامعة "جورج تاون" الأمريكية على ضرورة وضع قوانين تحد من الاستخدام العشوائي لتقنيات "التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة"، والتي باتت تُباع بشكل مباشر للمستهلك.

وأشار الباحثون، في دراسة نشرتها دورية "كرياتيفيتي ريسيرش جورنال" (Creativity Research Journal)، إلى أنه "بالرغم من أن هذه التقنيات قد تحفز أنسجة المخ، مما قد يكون له تأثير إيجابي في بعض الأحيان، إلا أن استخدام هذه الآلات يزيد أيضًا من القضايا الأخلاقية والقانونية والاجتماعية التي يجب معالجتها الآن".

وأوضحوا أن "استخدام هذه التقنيات دون ضوابط قد يجلب أشكالًا عديدة من الضرر"، وذلك بالرغم من قدراتها على تعزيز قدرات الأفراد الذهنية؛ إذ تمكِّنهم من أداء مهمات مختلفة عبر تدعيم القدرات الإبداعية لديهم بهدف تحسين جودة الحياة، وقد تُستخدم أيضًا كعامل مساعد في علاج بعض الأمراض والاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والقلق، وقد يكون لها تأثير إيجابي في معالجة مرض الشلل الرعاش، فضلًا عن أنها تساعد على زيادة الانتباه وتعزيز التعلُّم، وتقوية الذاكرة والطلاقة اللفظية".

ما دعا باحثي الدراسة إلى التحذير من استخدام هذه التقنيات في المنزل من قِبَل أفراد غير مؤهلين، مشيرين إلى أنه "من الممكن أن تقدم هذه الأدوات المستخدمة ذاتيًّا كميات غير آمنة من التيار الكهربي، فضلًا عن أن هؤلاء المستخدمين قد يجهلون، أو يتجاهلون، بعض معايير السلامة".

وأوضحت نتائج الدراسة أن استخدام تطبيقات وتقنيات التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة (tES) لتحسين أشكال مختلفة من الإدراك المعرفي يمثل إشكاليةً مهمة، بصفة خاصة عند استخدامه مع الأطفال، مشددين على ضرورة أن يعكف مَن يعملون على تسويقها والقائمون على استخدامها في العلاج السريري على دراسة الآثار المترتبة على استخدامها، وأن يأخذوا بعين الاعتبار -وفي أقرب وقت- تنظيم عمليات استخدامها.

يقول "آدم جرين" -الأستاذ في قسم علم النفس والبرنامج متعدد التخصصات في علم الأعصاب بجامعة جورج تاون، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "رغم وجود مخاوف محتملة من استخدام تقنية التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة بشكل ذاتي، لكننا لا يمكن أن ننكر أن تطبيقاتها أصبحت حتمية"، وفق رأيه.

ويضيف: هذا ما قد تحمله التكنولوجيا لنا -أحيانًا- من أضرار، لذا، قد يكون من الأفضل في الوقت الحالي أن يستهدف النهج العلمي نشر الوعي حول طرق استهلاك هذه التقنيات وإتاحة الأدوات الأكثر أمانًا.

إلا أنه يعود ويشدد على أن "الخطر الحقيقي في استخدام هذه التطبيقات -ومع ذلك- يكمن في احتمالية استخدام الأطفال لها، وهو ما يعني تجريبها على أدمغة ما زالت بعد في طور التكوين، خاصة أنه ليس من الواضح حتى الآن حجم تأثيراتها على الأدمغة النامية لصغار السن".

ويوضح "جرين": من المفترض أن تكون هناك خريطة لحجم الحقول الكهربائية التي يمكن استخدامها لتحديد كثافة التيار وتدفقه ووضع القطب (أي ترتيب القطبين السالب والموجب على فروة الرأس) لتحفيز المنطقة المرجوة من الدماغ على النحو الأمثل بطريقة آمنة وفعالة وموثوق بها، مضيفًا: "عندما وضعنا القطب الموجب فوق القشرة الأمامية اليسرى للجزء الأمامي للدماغ، وهي المسؤولة عن العديد من العمليات بما في ذلك مهمات التفكير والذاكرة، وجدنا أن الأشخاص الذين كانوا أكثر قدرةً على زيادة أنشطتهم في منطقة تقع في مقدمة الدماغ، تسمى القشرة الأمامية، كانوا أكثر إبداعًا، ويبدو أن زيادة نشاط قشرة الدماغ الأمامية تدعم التفكير الإبداعي، وتوقعنا أن أنشطة التحفيز في هذه المنطقة من الدماغ تسهل هذا التعزيز، مما يسمح للناس بالوصول إلى مستويات ابتكارية أعلى.

من جهتها، تشدد "إيمان جابر" -استشاري الطب النفسي بوزارة الصحة المصرية- في تصريحات لـ"للعلم" على أن "هناك جدلًا واسعًا يدور حاليًّا حول الأطر العلمية والأخلاقية والقانونية والاجتماعية المرتبطة باستخدام تقنيات التحفيز عبر الجمجمة، وهو ما حدث بالفعل منذ عقود عندما بدأ استخدام العلاج بالصدمة".

قشرة الدماغ

وأثارت قضية استخدام "تقنيات التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة" حالةً من الجدل العلمي طوال السنوات القليلة الماضية، خاصةً أن فكرة عمل "التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة تعتمد على استخدام نبضاتٍ كهربائيةٍ لتنشيط الخلايا العصبية في الدماغ، مما يؤدي إلى تحسين قدرات الفرد على التعلم بصورة أفضل وأسرع، بحيث يقوم الدماغ بإنشاء دوائر عصبية جديدة أكثر كفاءةً وتجعل اتصال الأعصاب أكثر سهولة.

فمن جهة، تشير دراسة سابقة أجراها "جرين" بالتعاون مع "بيتر تورلتوب" -الباحث في المركز الطبي لجامعة جورج تاون- في عام 2017، إلى أن "التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة لمناطق معينة من الدماغ يمكن أن يحسِّن الأشكال المختلفة من الإدراك الإبداعي بنجاح".

وتشير دراسة أخرى أجراها فريق بحثي من جامعة "كوين ماري" في لندن عام 2017، إلى أن الحصول على دفعة كهربائية قد يطلق العنان للدماغ. إذ وجد الباحثون أن التحكم في نشاط "قشرة الفص الجبهي الظهري الأيسر" -وهي منطقة من الدماغ تشارك في معظم العمليات المرتبطة بالتفكير والاستدلال المنطقي- يمكن أن يعزِّز قدرة الأفراد على "التفكير خارج الصندوق".

وفي المقابل، حذرت ورقة صادرة عن جامعة "أكسفورد"، من فتح الباب على مصراعيه أمام استخدام تلك التقنيات، مشددةً على ضرورة خضوع "عمليات التسوق" الخاصة بهذه التقنيات لقواعد دولية لتنظيمها، وضمان خضوع هذه التقنيات -التي تتنامى سوقها بصورة متواصلة- لضوابط تحكمها".

جدل واسع

يضيف "جرين" أن "البعض يخلط بين العلاج بالصدمة (ECT) وتقنيات التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة (tES)، لكنهما في الواقع مختلفان تمامًا. فالتيار المستخدم في تقنيات التحفيز عبر الجمجمة -حتى تلك المستخدمة بأجهزة الأبحاث والتجارب الإكلينيكية- أقل بكثير (لا يتعدى فرق الجهد بها 9 volt) من التيار المستخدم في العلاج بالصدمة، كما أن تلك الأدوات التي تستهدف الأفراد بغية الاستخدام الذاتي تكون قوة التيار بها أضعف أيضًا من تلك المستخدمة من قِبَل المتخصصين".

من جانبها، تقول "جابر" إن "هناك استخدامات عديدة لتقنيات التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة، مثل "التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة" (TMS)، و"تحفيز التيار المتناوب عبر الجمجمة" (tACS) ، و"التحفيز العميق للدماغ" (DBS)، والموجات فوق الصوتية المركزة، وهي استخدامات تفتح آفاقًا رحبة أمام علم النفس، لكنها تحتاج إلى نوع من التقنين والتنظيم؛ لأن آثارها ما زالت مجهولة وكل الاحتمالات ما زالت مفتوحة تمامًا، مثل العقار الذي قد يسبب أعراضًا جانبية بعد تعاطيه".

وتتحفظ "جابر" على تداول استخدام هذه التقنيات الحديثة بين الأفراد، لا سيما مع غياب المعلومات عن تداعياتها، مضيفةً أنه "يفضل استخدامها من قِبَل الطاقم الطبي والمتخصصين؛ لأنهم قد يكونون أقدر على تحديد الحالات التي قد يكون من الأفضل حصولها على هذا التحفيز، وقوة التيار وتردد الموجات وعدد المرات التي تستخدم فيها بشكل أسبوعي، وغير ذلك من التفاصيل التي تحتاج إلى رأي طبيب متخصص".