تمكَّن باحثون أمريكيون من استعادة وظيفة التحكم في التنفس لفئران مُصابة في عمودها الفقري، عبر استخدام طريقة جديدة للعلاج، تعتمد على حَقْن إنزيم بالقرب من مكان الإصابة، وفق دراسة نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications).

ويُعد ضعف التنفس السببَ الرئيسيَّ للوفاة والعجز بعد إصابات الحبل الشوكي؛ إذ ينجم عن تلك الإصابات، في كثير من الأحيان، قطع الألياف العصبية التي تتحكم في عضلات التنفس، ويُحاول الجسم تعويض ذلك القطع بتشكيل أنسجة حول الأعصاب المقطوعة، إلا أن ذلك الأمر ينتج عنه إعاقة محاولات الاتصال.

وكان العلماء يعتقدون، في السابق، أن الأعصاب تموت بسرعة إذا لم يتم إعادة ربطها بعد فترة وجيزة من الإصابة، إلا أن تلك الدراسة تؤكد أن هذا الاعتقاد غير صحيح؛ فقد تَمكَّن الباحثون من استعادة تحكُّم الفئران في عملية التنفس بعد عام ونصف من قطع تلك الأعصاب، بعد أن تَعمَّد العلماء إصابتها داخل المختبرات.

وحقن الباحثون فئران التجارب أسفل أماكن الإصابة بإنزيم قادر على إصلاح الجهاز العصبي المركزي يُسمي "كوندرويتيناز إيه بي سي" (Chondroitinase ABC)، ويعمل ذلك الإنزيم على إزالة الأنسجة المتكونة حول الأعصاب التالفة، كما أن لديه قدرةً على بناء البروتينات المُجددة للجهاز العصبي.

واستخدم الباحثون كميةً صغيرةً من الإنزيم، حقنوها مرةً واحدة أسفل الإصابة في الحبل الشوكي للفئران، وتحديدًا في الخلايا العصبية الحركية الموجودة في النخاع، التي تقوم بإرسال الإشارات العصبية من الحبل الشوكي إلى الحجاب الحاجز وعضلات التنفس الأخرى؛ إذ قام الإنزيم بتكسير الجزيئات المُثبطة للإشارات المسماة بـ"البروتيوجليكان".

من جهته، يقول "جيري سيلفر" -عالِم الأعصاب في جامعة "كيس ويسترن ريسيرف" الأمريكية، والمؤلف الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "اكتشفت منذ 28 عامًا أن زيادة تلك الجزيئات تمنع تجديد الأعصاب التالفة، وتؤدي إلى خلل حاد في الألياف العصبية المحيطة بأماكن الإصابة؛ والمفاجأة الكبرى في دراستنا الجديدة استجابة الخلايا العصبية للإنزيم بعد فترة الإصابة الطويلة".

يضيف "سيلفر" أن "حَقن ذلك الإنزيم عقب الإصابة مباشرةً يجعل فاعليته محدودةً للغاية، مقارنةً بحقنه بعد فترة طويلة من الإصابة؛ إذ إنه كلما طالت فترة ما بعد الإصابة، كانت احتمالية الشفاء أسرع وأفضل".

وبمتابعة الفئران، وجد الباحثون أنها استعادت قدرتها على التنفس بشكل طبيعي ودون الحاجة إلى أجهزة مساعدة، وهو اختراق طبي كبير، يأمل "سيلفر" أن يُعطي البشرَ الذين يُعانون من إصابات العمود الفقري المثبطة للتنفس أملًا جديدًا للحياة.

البشر كالفئران، قد ينجم عن إصابة أعمدتهم الفقرية حدوث شللٍ في التنفس، تُعرف تلك الحالة باسم متلازمة "براون سيكوارد"، وهي نوع من الاضطرابات النخاعية التى تؤدي إلى تلف الخلايا العصبية دون انقطاع الحبل الشوكي، ويحتاج المريض في الغالب إلى أجهزة تنفس مُساعدة، وإلى الآن، لا يُعرف لتلك المشكلة علاج، لكن ذلك التكنيك قد يضع حلًّا جذريًّا لتلك المتلازمة، وفق "سيلفر".

فعلى مدى أكثر من 30 عامًا، عمل "سيلفر" وفريقه البحثي لحل مشكلة الأعصاب التالفة في النخاع الشوكي، والتى ينجم عنها شلل العضلات، وقد استغرق الفريق البحثي 8 سنوات كاملة لكتابة تلك الورقة العلمية، التى تمثل خطوةً كبيرةً في طريق شفاء المصابين بالشلل التنفسي من البشر عبر استخدام إستراتيجية بسيطة لتعزيز الانتعاش الكامل والسريع لبعض الوظائف الحركية، وهو ما يعطي الأمل للملايين الذين يُعانون من إصابات النخاع الشوكي المزمن في جميع أنحاء العالم.

ويؤكد "سيلفر" أن الخطوة التالية تستهدف تحسين إستراتيجية العلاج؛ كي لا تشمل استعادة وظائف التنفس فحسب، بل لاستعادة حركة الأطراف المشلولة –وبخاصة الذراعين- من جَرَّاء إصابة العمود الفقري، من خلال استهداف مستقبلات البروتينات الموجودة على الخلايا العصبية، والتي تُعزِّز من نمو الأنسجة الضارة.