قدم باحثون أدلة جديدة على وظيفة غير معروفة سلفًا لنوع من الخلايا العصبية في الدماغ يتعلق بشكل أساسي بالقدرة على نسيان الذكريات غير المهمة.

وقال الباحثون في ورقة علمية نشرتها دورية "ساينس" (Science) إن مسارًا عصبيًّا في منطقة "تحت المهاد الدماغية" –وهي منطقة تُنتج الهرمونات- ينشط بشكل خاص في أثناء مرحلة من مراحل النوم، تُسمى نوم حركة العين السريعة، للمساعدة على نسيان الذكريات غير المهمة.

وأشار البحث إلى أن تثبيط ذلك المسار العصبي في أثناء نوم حركة العين السريعة أدى إلى تحسين قدرات الذاكرة لدى فئران التجارب، في الوقت الذي أدى فيه تنشيطها إلى إضعاف القدرة على التذكر عند الفئران.

تُظهر الأبحاث السابقة أن النوم يُنشط الذاكرة؛ إذ ينصح الخبراء الطلاب بالحصول على قسط وافر من النوم لتثبيت المعلومات الدراسية بعد الاستذكار، ولإعداد أدمغتهم للتعلُّم مرةً أخرى في اليوم التالي، كما تُظهر دراسات أخرى أن النوم يؤدي دورًا مهمًّا في إزالة البروتينات السامة التي تتراكم في الدماغ. إلا أن تلك الدراسة تُعد الأولى من نوعها التي تُلقي بالضوء على وظيفة جديدة للنوم، ألا وهي مساعدة الدماغ على نسيان الذكريات غير المهمة.

وتُقدم تلك الدراسة نظرةً ثاقبةً على الآليات غير المعروفة وراء تنظيم الذاكرة، كما تكشف عن مسار عصبي جديد كُلِّيًّا وظيفته تنظيم عملية التذكر، موضحةً أن "ذلك المسار يتعلق بالخلايا العصبية المنتجة لهرمون الميلانين والموجودة في منطقة تحت المهاد، والتي يُعتقد أيضًا أنها مركز لتنظيم النوم والاستيقاظ في الدماغ البشري".

في البداية، استخدم الباحثون الفئران المعدلة وراثيًّا، التي يُمكن تنشيط خلاياها العصبية أو تثبيطها عن طريق حقنها بمجموعة من المواد الكيميائية في أثناء نوم حركة العين السريعة.

عمل العلماء في تلك الدراسة على اختبار أثر تنشيط  المسار العصبي على مجموعة من الفئران، وتثبيطه على مجموعة أخرى. ثم أجروا مجموعة من الاختبارات الخاصة بالقدرة على التذكر. وسجلت الفئران التي نُشطت خلاياها العصبية في أثناء نوم حركة العين السريعة نتائج "أسوأ بكثير" في اختبارات التذكر، مُقارنةً بالفئران التي تم تثبيط المسار نفسه لديها في أثناء المرحلة نفسها من النوم. وهذا يعني أن تلك الخلايا تُسهم إلى حدٍّ كبير في عملية النسيان في أثناء النوم، الذي يقسمه العلماء إلى مرحلتين أساسيتين: أولاهما هي نوم حركة العين غير السريعة، وثانيتهما نوم حركة العين السريعة.

يقول العلماء إن ذلك المسار لا يكون نشطًا في الظروف الطبيعية في أثناء مرحلة نوم حركة العين غير السريعة، وينشط فقط في مرحلة نوم حركة العين السريعة، وبالتالي فإن عملية النسيان تعتمد على عاملين أساسيين، هما نشاط المسار، ونوم حركة العين السريعة.

يقول "أكيهيرو ياماناكا" –الباحث بمعهد بحوث الطب البيئي بجامعة "ناجويا" اليابانية، ومؤلف الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النسيان عملية مهمة للتذكر؛ فالنسيان يحفظ منطقة الذاكرة المحدودة في الدماغ، إذ إن قدرة الدماغ على التذكر تظل محدودةً حتى وإن لم نستطع قياسها إلى الآن، لكن تخيل أنك لا تنسى طفولتك المبكرة، أو أحزانك المتكررة، أو حتى عود ثقاب أشعلته وألقيت به في سلة المهملات.. أعتقد أن ذلك الأمر كفيل بتخريب الدماغ، لذا يستبعد الدماغ الذكريات غير المهمة، ويقوم ذلك المسار العصبي بالتخلص منها".

من جهته، يقول "توماس كيلدوف"، عالِم الأعصاب الأمريكي، والباحث المُشارك في الدراسة: "إن الدافع وراء إجراء تلك الدراسة أربعة أسباب: أولها الاهتمام المجتمعي بأمراض التنكس العصبي كمرض ألزهايمر، وثانيها الاهتمام البحثي الخاص بالأسس العصبية للتعلم والتذكر، أما الثالث فهو الجدل البحثي حول دور النوم في التعلم والتذكر، وعلى وجه التحديد ما إذا كان نوم حركة العين السريعة أو النوم البطيء أو كلاهما يُشكلان عوامل مؤثرة على عملية التذكر. أما الدافع الرابع فيكمن في نتائج الأبحاث الحديثة التي تُشير إلى أن اضطرابات النوم قد تُسرع من ظهور لويحات الأميلويد في المخ، وهي السمة المميزة لظهور مرض ألزهايمر".

يضيف "كيلدوف" في تصريحات لـ"للعلم" أن "الدراسة تساعد على تحديد الأسس العصبية لعمليتي التذكر والنسيان، كما يُمكن أيضًا أن تُسهم في فهم أفضل لعملية دمج المعلومات والذكريات في أثناء النوم، وحتى في فهم الأسباب الكامنة وراء نسيان الأحلام. وهو الأمر الذي قد يُساعد مستقبلًا على علاج اضطرابات ما بعد الصدمة، عن طريق المُساعدة على نسيان الذكريات غير السارة".

ويشير "كيلدوف" إلى أنه تم دعم ذلك البحث وتمويله من قِبَل الحكومتين اليابانية والأمريكية، مضيفًا: "لن أنسى ذلك الدعم، بغض النظر عن نشاط خلاياه في أثناء نوم حركة العين السريعة!".

وعن الكيفية التي يُمكن للدماغ أن يُفرق بها بين الذكريات غير المهمة والمهمة يقول "ياماناكا": إن الدراسة لم تفحص ذلك الأمر، إلا أنه يتوقع أن الدماغ يُقسم الذكريات وفقًا للطريقة التي نُفكر بها في تلك الذكريات، "أو علاقتنا العاطفية بتلك الذكريات".

تتشكل الذكريات مع مُدخَلات عاطفية أخرى تأتي من منطقة اللوزة الدماغية، عبر إجراء مجموعة من الاتصالات بين مناطق المخ المختلفة. يُمكن أن ترتبط الذكريات بمراكز الإحساس الأخرى، كالشم واللمس والرؤية وحتى التذوق.

يقول "ياماناكا": تلك الذكريات تضع مجموعةً من العلامات على خلايانا العصبية؛ لـ"تحفر المواقف المتعددة". ثم يقوم بعد ذلك الدماغ بفرزها، وتصنيفها، فيحتفظ بما هو جدير بالتذكُّر، ويُلقي بالباقي في "سلة المهملات".

مؤلف الدراسة التي استغرقت 5  سنوات كاملة، يُشبِّه عملية مسح الذكريات غير المهمة بـ" تنظيف المنزل"، قائلًا: "لكي يُحافظ السكان على بيتهم نظيفًا وصحيًّا، عليهم التخلص من النفايات باستمرار، وهذا ما يفعله نوم حركة العين السريعة، ومن دون تلك العملية ستنخفض قدرتنا على التذكُّر إلى الحد الأدنى؛ إذ إن جوهر عملية النسيان وهدفها الأصلي المساعدة على تذكر أمورنا المهمة".