تعطي أول زيارة، على الإطلاق، يجري رصدها لجسم بيننجمي interstellar object إلى نظامنا الشمسي، منظورًا جديدًا على كيفية نشأة أنظمة الكواكب وتطورها.

الزائر السماوي المسمى "أومواموا" Oumuamua، ومعناه بلغة سكان جزر هاواي، "الرسول الذي يأتي أولًا"، أثار جدلًا كبيرًا بين العلماء عن حقيقة تطور الأنظمة النجمية، وذلك عقب نشر دراسة حديثة تقترح تصورًا عن أصوله، هل هو مذنب أم كويكب؟

تناولت الأبحاث -التي أُجريت في مركز جودارد لرحلات الفضاء، التابع لوكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا) بولاية ماريلاند الأمريكية، ونُشرت نتائجها في مجلة نيتشر أسترونومي، ديسمبر 2017- أصل "أومواموا" وطبيعة تكوينه.

وقد فرضت هذه الزيارة على الباحثين العديد من الأسئلة المُلحَّة والضرورية: مثل هل الحركة السريعة جدًّا لهذا الجسم والمقدرة بـ(315400 كم/ الساعة) وطبيعته ونشأته تتناسب مع ما نعرفه عن كيفية تشكُّل الكواكب والكويكبات والمذنبات؟

ومنذ سنوات عديدة، طرح العلماء نظريات عن وجود أجسام تتحرك بين النجوم وتمر عبر مجموعتنا الشمسية، حتى جرى اكتشاف هذا الزائر النادر والفريد ورصده، عند مروره بالمجموعة، بواسطة تليسكوب المسح البانورامي، الموجود بجزر هاواي، والمعروف اختصارًا بـPan-STARRS1، في 19 أكتوبر الماضي.

الزائر ذو اللون الأحمر

أومواموا –وفقًا لبيانات الرصد- قادم من خارج مجموعتنا الشمسية، من فضاء ما بين النجوم البعيد جدًّا، حيث جرى تكوينه في نظام نجمي آخر هناك، ويمتاز بلونه الأحمر الغامق، وبشكل طولي غريب لا يشبه الشكل المعتاد للمذنبات أو الكويكبات.

وما ولَّد حالةً من الاندهاش والتعجب لدى الباحثين هو أن الضوء القادم من هذا الجسم يعطي وميضًا في لمعانه بزيادة عن المتوقع تُقدَّر بـ10 أضعاف كل 7.3 ساعات (هي مدة دورانه حول محوره)، ما يشير إلى أنه يدور حول نفسه بسرعة كبيرة، وأنه أطول بـ10 مرات عن مقدار عرضه.

اقترب أومواموا من مجموعتنا الشمسية قادمًا من الأعلى، عموديًّا على مستوى معظم الكواكب التي تدور حول الشمس، حتى اقترب من الأرض، ثم ما لبث أن خرج، إذ مكَّنته سرعته ومداره ذو القطع الزائد -معامل تفلطح 1.2- من الهروب من جاذبية الشمس.

واحتار العلماء في أمره؛ لأن الجسم الذي يسير بسرعة مماثلة، يكون –عادةً- مذنَّبًا يسقط في اتجاه الشمس، قادمًا من النظام النجمي الخارجي.

 والمذنبات أجسام جليدية تتخلص من مكوناتها من الغاز والغبار عند اقترابها من الشمس أو أية نجوم أخرى، أو حتى من المناطق الساخنة في الكون، وهذا ما لم يحدث مع أومواموا؛ إذ كان له سطح جاف أشبه بالكويكب، لذلك اهتمت الدراسة محل البحث بعمل العديد من عمليات المحاكاة بواسطة الكمبيوتر لمعرفة أصوله.

الانفصال وعدم العودة

وحول دور عمليات المحاكاة الرقمية في اكتشاف ما حدث لـ"أومواموا"، يقول "شون ريمون"، عالِم الفيزياء الفلكية بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي وجامعة بوردو، في تصريحات لـ"للعلم" إنه نشر دراستين حوله، مرتكزًا على 10000 عملية محاكاة لمعرفة كيف تلتحم الكواكب العملاقة مع الكويكبات الصغيرة.

وأوضح أن عمليات المحاكاة استغرقت ما يقرب من 20 مليون ساعة على الكمبيوتر، لافتًا إلى أنهم "حصلوا على نتائج غيرت مفهومهم عن تطور الأنظمة الكوكبية".

وأضاف أن الدراسة أتاحت فهمًا أفضل للملوِّثات التي تُحدثها الأنظمة الكوكبية في فضاء ما بين النجوم، بمعنى أنه بعد ولادة الكواكب يتكوَّن بعض الحطام، جزءٌ منه يتلاحم مع بعض الكواكب العملاقة الغازية بفعل قوى الجاذبية التي تُحدِث اضطرابًا في الحركة المدارية لتلك الأجسام، وبعض المواد تحصل على بعض الطاقة، بما يمكِّنها من الانفصال وعدم العودة.

وطرحت الدراسة تصورًا لأصول هذا الكويكب قبل أن يتم قذفه إلى الفضاء البينجمي. ذكر ريمون لـ"للعلم" أن اقتراب كويكب صغير من مدار كوكب عملاق كفيل بتمزيق هذا الكويكب إلى أجزاء صغيرة وطرده بفعل قوة الجاذبية، وهذا ما قد يفسِّر الشكل الطولي غير المعتاد والغريب لـ"أومواموا"، تمامًا مثلما حدث سابقًا في مذنب "شوميكر- ليفي 9" حينما اقترب جدًّا من كوكب المشترى عام 1992، مخلِّفًا العشرات من الشظايا والأجزاء المنفصلة.

وتعليقًا على نتائج الدراسة، يوضح "محمد صالح النواوي"، أستاذ الفيزياء الفلكية وعلوم الفضاء بكلية العلوم في جامعة القاهرة، أن هذه أول مرة نرصد فيها جسمًا يأتي كرسالة من خارج المجموعة الشمسية إلى داخلها، وهذا الاكتشاف دفع الباحثين الفلكيين المتخصصين في دراسة الكواكب ونشأتها وتطورها، إلى البحث من خلال هذا الجسم الزائر عن المواصفات المحتملة للمادة الكوكبية، والطرق المحتملة لتطوُّرها، ومدى النسبة المحتملة لهروب مادة كوكبية من داخل نظام نجمي إلى خارجه، وإمكانية فهم بعض مراحل تطوُّر كوكبنا الأرضي، ومن ثَم فَهْم بعض مفاتيح عمليات تشكُّل المادة الكوكبية التي نشأت منها الكواكب والكويكبات والمذنَّبات.

كويكب أم مذنب؟

وفي هذا الإطار، يوضح النوواي أنه بالقرب من كل نجم وعلى بُعد ثلاثة أضعاف المسافة بين الشمس والأرض تتكون نقطة خط الثلج Snow Line، وفي حدود منطقة خط الثلج تتكون في المناطق الأقرب في اتجاه نجومها أجسام صغيرة ساخنة جدًّا ذات سطح صلب مستقر، نُطلق عليها كويكبات.

أما مادة ما بين النجوم، وفق النوواي، فهي مادة من الغازات والغبار تنتشر بين النجوم، فيما يُعرف بالسدم أو سحب الغاز والغبار، وداخل هذه السحب تتشكل الأرحام التي تولد منها وبداخلها النجوم الحديثة، وتنتشر سحب مادة ما بين النجوم في أذرع مجرتنا وفي المجرات، حيث تكون الأماكن التي تولد داخلها النجوم، وما يتبعها من كواكب وأقمار وكويكبات ومذنبات، ويضيف: "في الغالب أومواموا كويكب؛ لأنه لا تصاحبه الغازات التى تصاحب المذنبات، قد يكون في الأصل مذنبًا ولكنه أصبح صلبًا بحيث أصبح يُعَد من الكويكبات".

ووفقًا للدراسة فإن "أومواموا" قد يكون كويكبًا صغيرًا جرى تمزيقه لأجزاء صغيرة، أو هو مذنب لكنه من دون سطح غازي، غير أن ريمون لديه تصوره الخاص؛ إذ يقول: "أرى أن الشكل وزاوية الدوران الغريبين له علامتان على أنه كويكب تمزَّق إلى شظايا، بعد تعرُّضه للقذف خارج نظامه النجمي إلى مجموعتنا الشمسية".

ويرى ريمون أن هناك المئات والآلاف من زوار بين النجوم تمر عبر مجموعتنا الشمسية، لكنها صغيرة جدًّا، لذلك لا يتم رصدها، ويتوقع أن نشهد طفرة في رصدها خلال الفترة القادمة بواسطة تلسكوب المسح الشامل الكبير LSST الذي يقع في تشيلي بأمريكا الجنوبية، والذي تم بناؤه بالتعاون مع 23 دولة. 

معامل فضائية

ويشتبه العلماء في أن معظم الأجسام المتطايرة إلى الخارج تأتي من أنظمة فيها كواكب غازية عملاقة ذات مدارات غير مستقرة، حيث تكون قوة جاذبية هذه الكواكب قادرةً على سحب هذه الأجسام إلى خارج نظامها، وقذفها إلى فضاء ما بين النجوم، وفق "كامل جاد الله"، أستاذ مساعد بقسم الفلك، كلية العلوم بجامعة الأزهر.

وأشار إلى أن هذه الدراسة قد تساعد علماء الفيزياء الفلكية على وضع منظور جديد لتطوُّر أنظمة تكوين الكواكب، قائلًا: "لكي نفهم كيف تتكون الكواكب بشكل صحيح، يجب أن تكون الأجسام المقذوفة مثل أومواموا أجسامًا ثلجية في الغالب، أما إذا كانت صخرية، فإنها تخبرنا بأن لدينا خللًا في نماذجنا".

ويذكر جاد الله أن الفضاء البعيد وسط ما بين النجوم interstellar تحدث فيه عمليات فيزيائية وكيميائية ودينامكية، قد لا تتوافر الظروف المتاحة لحدوثها فى المعامل العادية على الأرض، لذا تُعَدُّ هذه الظواهر معملًا فضائيًّا وفرصةً لدراسة هذه الظواهر.