"لا تحسب نفسك جرمًا صغيرًا.. فبداخلك العالم بأسره قد انطوى"؛ هل تذكر متى سمعت فيها هذه العبارة المؤثرة البليغة للمرة الأولى؟!

لم تكن الصحفية الأمريكية الشابة "سوزانا كالاهان" -التي لم تتجاوز الرابعة والعشرين من عمرها يوم ذاك- تعرف أن حكمة الجدود تلك تسري في خلايا عقلها إلى الحد الذي يجعلها تمر بوادي الجنون لنحو شهر، مرورًا يحملها إلى مغامرة شرسة في متاهات قاسية، تعود بعدها إلى العقل بمداد من دماء تخط به حكايتها في كتاب بعنوان "الدماغ المشتعل/ رحلتي خلال شهر من الجنون".

تصدَّر الكتاب الذي ينتمي إلى حقل السيرة الذاتية، قائمة أكثر مبيعات الكتب لناشره، وتم استلهامه كمادة لسيناريو فيلم "الدماغ المشتعل" في زمن قياسي.

يعرف معلم فنيات الكتابة الدرامية أن "التجربة الذاتية" أحد أهم مصادر الإلهام الإبداعي لكثير من الكُتَّاب عبر تاريخ الدراما الممتد. وكثيرًا ما تتفجر أسئلة مهمة ما إن يتم ولوج المنجم الذي تستقر فيه المادة الخام لذاك المصدر المثير، البعض يتساءل مهما كانت تلك التجربة الذاتية ثرية هل تكفي بذاتها أن تكفل للعمل الإبداعي رصيدًا يجعله شيئًا ذا قيمة؟! والبعض يتساءل كيف لتجربة خاصة وذاتية وعابرة أن تصلح أن توضع في متحف الإبداع إن كان الفن المستحق للانضمام لهذا المتحف هو الفن الصالح لكل زمان ومكان!؟

بقول آخر كيف للذاتي الزائل العابر الاستثنائي أن يكون موضوعيًّا وخالدًا وأصيلًا ونافعًا للجموع أو للجميع؟! والبعض يتساءل حول تفرُّد تجربة كل إنسان وانعكاساتها على عالمه الداخلي ووقعها عليه الذي لا يشترط أن تعني لآخر أو آخرين تفاهمًا أو تشاركًا أو تماسًّا.

الأسئلة السابقة وشكوك أخرى أكثر، تظلِّل سماء أرضية "التجربة الذاتية" بوصفها مصدر الاستلهام الدرامي والإبداعي، لكن سؤالًا أنكى سيردده -في رصانة- ذوو الميول العلمية، حول فارق جوهري بين فردية العمل الإبداعي، والاتفاقية والتفاهم -حتى بين مختلفين- حول ظاهرة يسمحان بتعميم يُكسبها ثوب العلمية، ليكون الفني والإبداعي هو هذا الذي لا يتطلب اتفاقًا، ويكون العلمي هو المتفق عليه مهما اختلف مجربوه، يشرع هذا المقال في تأمُّل تجربة ذاتية مرت بها مؤلفة الكتاب من جانب، لكن خصوصيتها كتجربة أنها تنفتح على قضية علمية إشكالية ما زالت أبخرة تلك التجربة وتبعاتها تتردد أصداؤها في المعامل والمختبرات، ربما أكثر من المكتبات ودور العرض السينمائي، بعد أن منحتها عدة ممارسات إبداعية مجالًا أوفر للبقاء والمناهدة.

هجوم مناعي

تجربة "كالاهان" الشخصية التي روتها على صفحات الجرائد الأمريكية، وكتابها الذي احتل مكانة بارزة في قوائم الأكثر مبيعًا، وفيلمها الذي شق طريقه بين شاشات العرض في 2017، عادت لتفرض نفسها بقوة من خلال دراسة نشرتها دورية "ساينس ترانسليشنال ميديسن" (Science Transelationa Medicine) يوليو  الحالي.

تشير الدراسة إلى نجاح فريق من الباحثين في جامعة "أوريجون" في التوصل إلى تقنية لتشخيص وعلاج للمرض الذي أصيبت به "كالاهان"؛ فالمرأة الشابة ليست مجنونة، بل تعاني من التهاب دماغي ناتج عن هجوم الأجسام المضادة التي ينتجها جهاز المناعة، على مستقبِلات الـNMDA في الدماغ، وهو هجوم مناعي ضارٍ غير مسوَّغ، يحدث عندما يكون المريض مصابًا باختلال في آليات المناعة الذاتية.

ينتشر الناقل العصبي في مواضع عديدة في الدماغ وليس له موضع محدد، وتلك إحدى الصعوبات في المواجهة، فإذا ما أضيفت صعوبة أخرى تتعلق بندرة الأنسجة البشرية المصابة والمتوافرة للبحث نظرًا لندرة حدوث المرض ذاته، ثم اقترانه الدائم بداء ألزهايمر أو فقدان الذاكرة أو خلافه، تتضح أهمية ما وصل إليه فريق البحث؛ فتجربتهم تسمح بتوافر تقنية جديدة ويجري تجريبها الآن بالفعل في نطاق حيوانات التجارب، وتفسح المجال لتطوير صورة ثلاثية الأبعاد لكيفية قيام الجهاز المناعي بمهاجمة مستقبِلات الناقل العصبي الرئيسي NMDA، ومن خلال توافر هذه المعلومات في وقت مبكر، يمكن للباحثين حجب رد الفعل المناعي –الزائد عن الحاجة- على وجه التحديد، واختبار إستراتيجيات علاجية جديدة باستخدام نموذجهم المطوَّر.

أما بطل اكتشاف المرض ذاته فهو السوري "سهيل نجار" -أستاذ علم الأعصاب في مستشفى جامعة نيويورك- والذي شخص المرض على أنه "التهاب دماغ مناعي" تطلَّب استئصال جزء من الفص القفوي لتعود "كالاهان" بعد ذلك إلى طبيعتها بعد أن كادت تفقد حياتها. ويقع الفص القفوي في مؤخرة الدماغ ويضم القشرة البصرية الرئيسية عند الإنسان، وهو مسؤول عن قدرتنا على الرؤية. ولكن ماذا عن بطلة الحدث ذاته، وهل يمكن أن تصف لنا ماذا رأت؟ وبماذا كانت تشعر؟

كوابيس دامية

تحكي راوية الأحداث أنها صحت من أرق ليلة من ليالي مارس، رأت في كوابيسها حشرات للفراش تمتص من دمائها بغير حساب، لكن حتى الصحو لم يسعفها؛ فقد فتحت عينيها دون أن يغادرها الشعور بأن عملية الالتهام تلك قد انقضت، فالعملية ما زالت مستمرة، لمحت هي فوق جلدها تبعات عملية الامتصاص الضاري، استعانت بأحد الجيران لمساعدتها في التخلص من هذا الذي تمر به، ففوجئت به متعجبًا من كونه لا يرى أي أثر لذلك الذي تدَّعيه هي، مر الموقف لكنها لم تشعر بالارتياح، بل شعرت بالارتياب من طريقة تعامل هذا الجار المتواطئ على إزعاجها، غادرت البناية التي تسكن فيها، لتسير في طريقها اليومي المعتاد عبر حي التايمز، والذي تقطعه يوميًّا مرتين منذ ما يزيد قليلًا على ستة أشهر.

لم يزعجها -إلا اليوم- البريق المتصاعد من الإعلانات الضخمة على جانبي الطريق، مع أن سطوع النهار لا يسوِّغ بريقًا ضوئيًّا يصدر عن مثل تلك الإعلانات المزعجة التي تبدو كلما خطت "كالاهان" خطوةً كما لو أنها تريد أن تبتلع حواسها، فلا تكتفي الإعلانات بأن تُلمح فحسب، حاولت تجاهل ما يحدث، لكنها بدأت تشعر بفقدان توازن غير اعتيادي، ومتى اعتاد أحد فقدان توازن؟! تماسكت خاصة بعدما لاح لها مبنى الـ"وشنطن بوست" الذي تعمل فيه مراسِلةً ومحررة على بُعد خطوات، أكملت المسير لكنها التفتت عدة مرات بعد أن سمعت بعض الأصوات التي تناديها.

التفتت "كالاهان" فلم تجد أحدًا يناديها، لكن النداءات ظلت، والمحادثات استمرت مسموعةً من طرفها أو بالأحرى داخلها، وهنا قل عدد الملايين الذين يشاركون الصحفية تجربتها؛ فغالبًا لن يصل عدد البشر الذين يستمعون لأمثال تلك الأصوات إلى نفس أعداد البشر الذين ينادي عليهم أحد فيلتفتون ليجدوا المنادي هنا أو هناك على أبعد تقدير.

نوارب الباب قليلًا فيقول أحدهم: إن تلك الأصوات قد تكون نداءات روحية لا يسمعها إلا المتصلون بالسماء.

ندفع الباب أكثر فيقول آخر: هلوسة سمعية، حري بها أن تشارك طبيبًا نفسيًّا التجربة ليعينها على مواجهتها.

ينفتح الباب على وسعه فيقول غيرهما: عرفت البشرية ظواهر مثل هذه، وعن مثلها تولدت الحاجة إلى وجود الباراسيكولوجي يا رفاق. لعل أحدنا سيقول: التجربة الآن تصلح أكثر للتناول الإبداعي، لكن مئات التجارب في تاريخ الفنون قد تعرضت وستتعرض لهذا الأمر من قبل ومن بعد.

هستيريا وراء أخرى

حاولت "كالاهان" تجاهل ما يحدث، لكن عوارض أخرى توافدت بجانب الأصوات، مثل عودة ملامسة الحشرات مصاصة الدماء، وقد استشعرتها فوق جلدها في المكتب مثل السرير، بل وأكثر، تحكي هي باقي الحكاية قائلة:

توهج الكمبيوتر في وجهي، مشرقًا وغاضبًا. نظرت إلى صديقتي "أنجيلا" لمعرفة ما إذا كانت ترى ذلك أيضًا، لكنها كانت مشغولةً ببريدها الإلكتروني".

"لا أستطيع أن أفعل هذا!" صرخت.

"سوزانا، سوزانا". تساءلت "أنجيلا" باستغراب من غضبي المفاجئ. ردة فعلها لم تكن لتخطر لي آنذاك، والآن انضم آخرون، لقد كان الجميع يحدق بي، شعرت بالمهانة وبأنني مادة للفرجة، وبدأت الدموع الحارة تتدفق حيث شاءت. 

"لماذا تبكين؟"

حتى السؤال تجاهلته، امتلكني الخجل من الخوض في تفاصيل لا أفهمها.

"هل تريدين الخروج للمشي؟! أو لشرب شيء من القهوة؟"

"لا لا. أنا لا أعرف ما هو الخطأ معي. أننا جميعًا أسوياء ونمارس الجنس. لكنني أبكي الآن بلا سبب".

عندها كانت نوبة البكاء قد استولت على جسدي كله، أصبحت أسيرة لها. الأشياء تمتلكني بالكامل، وكلما قلت ذلك لنفسي، أصبح الإحساس أكثر قوة. ما الذي تسبب في هستيريا وراء أخرى؟ 

أي شيء أو أي فكرة بمجرد مرورها على ذهني تمتلكني في ثوانٍ، تخترقني، تفاصيل حياتي الآن تعبر بعقلي، كل شيء يبدو فيها غير مؤكد. أنا غير ناجحة في عملي، بل فاشلة وسيئة. "ستيفن" لا يحبني. أنا لست إلا مفلسة. أنا مجنونة. أنا غبية. 

كان العديد من زملائي يعودون الآن إلى المكتب، يرتدون ملابس سوداء عائدين من جنازة زميل، لم أحضرها لأن مشاعري كانت مستهلكة للغاية. هل كان هذا هو سبب بكائي؟ بالكاد عرفت الرجل. هل أبكي عليه أم على نفسي؟ أو على احتمال أن أكون أنا التالية؟    

استدار مراسل آخر، جلس مباشرة بجوار "أنجيلا" قائلًا: سوزانا، هل أنتِ بخير؟

مَن طالبه بمثل هذا الاهتمام؟! أنا أكره مَن ينتبه لي الآن، أنا أطلق النار من عيني، طلقة ساخرة، قذيفة ثقيلة مع خالص الكراهية. 

"ومثلما بدأ ذلك فجأة توقف فجأة".

استمرت الدموع أسفل وجهي، لكنني فوجئت بأنني أدرك على الفور أنني لم أعد حزينة. كنت بخير. ليست هذه سعادة، لست سعيدة، لكنني سامية محلقة، شعور من أفضل ما شعرت به في حياتي كلها. استمرت الدموع قادمة، لكن الآن كنت أضحك. نبضة من الدفء تعبر العمود الفقري كله. أو بالأحرى رعشة نشوة، كنت أرغب في الرقص أو الغناء، فعل شيء ما، أي شيء ما عدا الجلوس هنا والاستسلام لبؤس وهمي. ركضت إلى الحمام لرش بعض الماء على وجهي. وبينما كان الماء البارد يتدفق، بدا لي الحمام فجأًة شيئًا غير محتمل. 

تعكس سطورها السابقة الحالات الوجدانية التي كانت تمر بها، وتعطينا انطباعًا واضحًا عن آلية مرور الأفكار بذهنها حتى قرار احتجازها في المستشفى.

الأعراض التي تنازعت الرغبة في ضم المريضة إلى العنابر التي تحوي مرضاها قد تشابهت واشتبهت، هستيريا، وسواس قهري، بارانويا، فقدان ذاكرة، حزمة هلوسة حسية وبصرية وسمعية، لكن كل خارطة بقوائم أعراض الأمراض سالفة التجهيز كان يعجزها الوصول إلى تفسير لـ"عطب فوق المعتاد"، واعتلالًا لا يعرف إسنادًا، تنحنح أحدهم بعد حين، واقترح الاستعانة بالطبيب السوري الأصل "سهيل نجار".

رسم الساعة

لم يقابَل الاقتراح باستنكار ممن سبق لهم معرفة هذا الطبيب على الأقل، جاء الطبيب، واستمع للمريضة جيدًا، وأمسك بورقة وقلم وطالبها بأن ترسم ساعة، وتأمل هو ما فعلته المريضة؛ إذ وجد أن أرقام الساعة قد تراصت على أحد الوجهين، الوجه الأيمن فقط على وجه التحديد، شخَّص الأمر بعطب في أحد فصوص المخ، وأن تبعات هذا العطب هي إطلاق نار داخلي على كل مَن لا يشارك في تجربة العطب، قل إن حريق الغابات كان يريد أن يلتهم ما تبقى من المخ، كان ما يقوله الطبيب يطابق المشاهدات لكنه يخالف ما اعتادت خانات الدفاتر والجداول المطالبة بمحددات قطعية الثبوت والدلالة.

عبارة بسيطة ربما لخصت حالة "كالاهان"، وهي أن "الشيء متى زاد عن حده انقلب إلى ضده"؛ إذ إن القدرة التفسيرية التي تملكها تلك الحكمة قد تبسط لنا حقيقة ما حدث للصحفية الشابة؛ إذ يفرز الجسم البشري العشرات من أسلحة الدفاع والمقاومة ضد كثير من مخاطر قد تهاجم هذا الجسم إلى الحد الذي جعل موثوقية مفهوم مثل "جهاز المناعة" مفهومًا قابلًا للفهم والاستيعاب والتخصص الدقيق، كان تشخيص الطبيب أن ثمة ما يفرز عن جهاز المناعة تلك في المخ البشري ليصفي عدوانًا معتادًا، غير أن العدوان لم يمارس ومع ذلك انطلقت نيران المجابهة تأكل الأخضر واليابس من عقل "كالاهان".

أجرى الطبيب جراحةً نزعت من "كالاهان" أسباب التدمير الداخلي الذي كاد يودي بها. وسط اعتراض وتعجب من التشخيص والفعل، غير أن تجربة الجنون المؤقت قد انتهت باستيقاظ المريضة بعد زوال المخدر.

كان القرار الجريء الذي اتخذه "سهيل" هو تقييد النيران، وأثبت الحكيم فعليًّا صحة تقديره للموقف، هل انتبه القارئ إلى أن لفظة الطبيب حلت محلها "الحكيم"، وهي لفظة ظلت لوقت غير بعيد تُستخدم في الأقاليم للتعبير عن بعض مَن يزاول الطب، ولعلها لا تعدم قرابةً بين الحكيم/الفيلسوف وأكثرهم في بواكير المهنة كان طبيبًا، أما لقب الفيلسوف فاشتق من محب الحكمة أو الحكيم.

أما الضلع الفني والنقدي فهو الذي يحاول تحليل تجربة الفيلم الذي حمل نفس اسم الكتاب "الدماغ المشتعل" وأُنتج عام 2017 من تأليف وإخراج المخرج الأيرلندي جيرارد باريت، ومن إنتاج تشارلز ثيرون، وقامت الممثلة كلو جريس مورتيز فيه بدور سوزانا "كالاهان".

كان التحدي الأكبر الذي واجه صناع الفيلم هو وجود أرضية واقعية للمادة الفنية، فقد يقارن أحدهم بين أداء الممثل مثلًا والشخصية الفعلية المعروفة سوزانا كالاهان، أو بين المصاب بهذا المرض وأسلوب تعامله والطريقة التي يقدم بها في الفيلم، ولم يخلُ التناول النقدي من مأخذ من هذا النوع، البعض ارتفع بالفيلم لاعتباره علامة فارقة في التعامل مع وحش مجهول هو المرض ذاته، وإن يكن بعضهم قد رشحه لجوائز مهمة، نال منها بالفعل الأوسكار، فإن البعض الآخر قد رشحه لجائزة التوتة الذهبية جائزة Razzies، وهي جائزة يقام حفلها قبل حفل الأكاديمية لجوائز الأوسكار بليلة واحدة، وتتنافس فيها الأفلام التنافس المناقض للأوسكار، مثل جائزة أسوأ ممثل، جائزة أسوأ سيناريو.

أهم النقاط الخلافية نقديًّا كانت في طريقة بناء السيناريو الذي بدا وكأنه تعمد إرباك المشاهد، فضلًا عن عدم تقديم تسلسل هندسي بنائي قادر على تحقيق حالة استيعاب كامل لموضوع بالغ الخطورة، لكن وجهة نظر أخرى ترى أن المطلوب أكثر في مواجهة مجهول يخلخل التصورات النمطية، أن يعكس البناء الفني هذه الحقائق بنفس الكيفية لتلك الحالة.

الضلع المتمم هو الضلع الفلسفي والفكري الذي يختم دائرة التأملات نستدعي فيه واحدًا من أهم رجال الفكر والفلسفة في النصف الثاني من القرن العشرين، الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، الذي يستعير في كتابه "ما الذي حدث في "حدث" 11سبتمبر؟" المفهوم البيولوجي نفسه الذي يدور حوله المقال، وهو مبدأ "المناعة الذاتية" للجسم ليفكك به الحدث والخطاب الإعلامي حول الذي حدث في 11 سبتمبر، كان دريدا سبَّاقًا حين رأى أن محاولة الولايات المتحدة تحصين نفسها ضد عدوان محتمل من الاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة أنتجت عددًا لا نهائيًّا من إفرازات التحصين والمناعة، منها خلايا منذ حرب أفغانستان، لكن تلك الخلايا لم تقم بمحاربة العدو بقدر ما ارتدت على الجسم ذاته.

ألم نقل في البداية: لا تحسب نفسك جرمًا صغيرًا.. فبداخلك العالم بأسره قد انطوى.