خلال العقد الماضي، ذهب كثيرٌ من الدراسات العلمية إلى وجود علاقة بين سلوك الأسماك التي تعيش في الشعاب المرجانية ودرجة تحمُّض المحيطات نتيجة زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الأنشطة البشرية، بحيث تؤثر حمضية المحيطات بالسلب على سلوك هذه الأسماك، ما يدفعها للتصرُّف بشكل غريب والانجذاب إلى رائحة الحيوانات المفترسة في المياه المحمضة.

لكن دراسة جديدة نشرتها مجلة "نيتشر" (Nature) اليوم "الأربعاء"، 8 يناير، أفادت بخلاف هذا الاعتقاد؛ إذ تقول الدراسة -التي أجراها باحثون ينتمون إلى جامعات كندية وأسترالية وسويدية ونرويجية- إن "سلوك الأسماك لا يتأثر على الإطلاق بدرجة حمضية المحيطات".

يقول "تيموثي كلارك" -أستاذ علوم البيئة المشارك في جامعة "ديكن" الأسترالية، والباحث الرئيسي في الدراسة- إن النتائج التي توصل إليها هو وفريقه -متعدد الجنسيات والتخصصات- مهمة؛ لأنها تُظهر خلافًا لما تم نشره في دراسات سابقة.

يضيف "كلارك"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن "سلوك أسماك الشعاب المرجانية لا يتأثر بتحمُّض المحيطات، كما أنها تدعم فكرة أنه ليس بالضرورة أن يكون ما يوافق عليه الجميع صحيحًا، مثل تأثير تغيُّر المناخ على الحياة البحرية، وتوضح الدراسة على وجه التحديد أن ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون لا يؤثر في اتجاه حركة الأسماك، كما أنه لا يغير استجابة الأسماك للإشارات الكيميائية الصادرة عن الحيوانات المفترسة".

ورغم ذلك، لم تنفِ الدراسة وجود آثار سلبية لتغيُّر المناخ على البيئة البحرية، ويتوقع الباحثون أن تتجاوز درجة تحمُّض المحيطات ما شهده الكوكب خلال الثلاثين مليون عام الماضية، وهو ما يشكل خطرًا على البيئة البحرية. وتتمثل الآثار السلبية لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون والاحتباس الحراري على النظم الإيكولوجية للشعاب المرجانية في التسبُّب في عملية التبييض التي تصيب الشعاب المرجانية في أثناء موجات الحرارة، بالإضافة إلى تسبُّب المزيد من العواصف المتكررة في تدمير موائل الأسماك.

استغرق إعداد الدراسة ثلاثة أعوام، اختبر خلالها الباحثون نتائج الدراسات السابقة عن تحمُّض المحيطات بإجراء دراسات تجريبية على ٩٠٠ فرد ينتمون إلى ستة أنواع مختلفة من الأسماك في كلٍّ من المناطق البرية والخزانات الصناعية. 

يقول "كلارك": لقد أجرينا دراسات تجريبية، ونظرنا في تجنُّب الأسماك الإشارات الكيميائية الصادرة من المفترس، ونشاط السباحة، واتجاه الدوران، وسجلنا مقاطع فيديو لتوثيق معظم تجاربنا، واستخدمنا برامج لتتبُّع البيانات التي توصلنا إليها وتحليلها بطريقة غير متحيزة، كما أجرى الفريق البحثي أيضًا عمليات محاكاة للبيانات التي حصلوا عليها؛ لفهم الاحتمال الإحصائي للنتائج السابقة المنشورة في هذا المجال على نحوٍ أفضل".

يضيف الباحث الرئيسي في الدراسة أن تحمُّض المحيطات لا يشكل تهديدًا مباشرًا لأسماك الشعاب المرجانية، مما يعني أنه يمكن للمجتمع العلمي توجيه جهوده نحو دراسة الضغوطات البيئية التي تشكل تهديدًا أكبر على الأسماك، مثل الاحتباس الحراري، وتدمير الموائل، والتلوث، وفق قوله.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" بشأن إمكانية نقد نتائج الدراسة على أساس أنها اتبعت نهجًا مختلفًا عن الدراسات السابقة أو أُجريت في أوقات وظروف بيئية مغايرة، يقول "كلارك": لقد حرصنا بشدة على مطابقة الأنواع ومراحل الحياة والمواقع والمواسم والتقنيات المستخدمة سابقًا. لقد استنفدنا جميع السبل المنهجية التي قد تفسر نتائجنا المختلفة مقارنةً بالدراسات السابقة".