عندما ضغطت على رابط هذا الموضوع لقراءته، أجرى حاسوبك/هاتفك المهمة بناءً على تعليمات مسجلة في شفراته البرمجية، تحكم شفرات أخرى آلية عمل برامج حماية حاسوبك، والألعاب الرقمية التي تلهيك عن إتمام مهماتك الشخصية.

مثل حاسوبك، تعتمد خلايانا على مجموعة من الشفرات المسجلة في مادتنا الوراثية من أجل تنظيم مهماتها الحيوية، بعض الشفرات الأخرى أشبه بأنظمة الحماية، إذ قد تفعِّل آليات إصلاح الأعطاب التي لحقت بالخلية، أو تدفع الخلية المعطوبة إلى قتل نفسها لتمنعها من التحول إلى كتلة من الورم.

لسوء الحظ، فإن أنظمة الحماية في خلايانا هي نفسها عرضة للأعطاب، فمع تقدمنا في العمر تتراكم الأخطاء في شفراتنا الجينية، بعضها لا يُحدث ضررًا يذكر، والآخر قد يعطل الآليات المسؤولة عن ضبط نشاط الخلية وانقسامها، مما قد يؤدي إلى تحولها إلى ورم سرطاني.

رغم أن تلك الأعطاب الجينية يصعب إصلاحها، فإن قدرتنا على قراءتها وتحديد آلية تأثيرها تحسِّن سبل اختيار الإستراتيجيات العلاجية الموائمة لكل مريض.

في دراسة حديثة نُشرت في دورية كارنت إشوز إن موليكولار بيولوجي " Current issues in molecular biology"، عمد فريق بحثي من جامعة القاهرة وجامعة عين شمس والمركز القومي للأورام بالقاهرة إلى قراءة الطفرات الجينية المرتبطة بسرطان القولون و المستقيم في مراحله المختلفة لدى عينة من المرضى المصريين، ويأمل الفريق أن تُسهم نتائجهم في فهم طبيعة المرض وآليات علاجه لدى المصريين.

نمط غير متكرر بالضرورة 

توفي قرابة مليون إنسان خلال عام 2020 نتيجة إصابتهم بسرطان القولون أو المستقيم، في حين يحتل المرض المركز الثاني في الوفيات المرتبطة بالسرطان على مستوى العالم، وفي مصر والعديد من دول المنطقة العربية يصنف باعتباره أحد أكثر السرطانات شيوعًا. 

بالنسبة لأغلب المرضى، يندر أن يكون سرطان القولون شائعًا في عائلاتهم، ذلك لأن التقديرات تشير إلى أن قرابة 75% من الحالات تظهر لدى أفراد ليس لديهم استعداد وراثي للمرض، بل اكتسبوه نتيجة الطفرات التي تتراكم في خلايا الأغشية المخاطية للقولون خلال مدة حياتهم.

تُعرف تلك الطفرات التي نكتسبها خلال حياتنا ولا يتم توريثها للأجيال اللاحقة بالطفرات الجسدية، ومن خلال دراستها -خاصة لدى مرضى السرطان- يمكن للعلماء تصميم علاجات خاصة لكل مريض، تستهدف المسارات الحيوية المعطوبة بناءً على طبيعة الطفرات لديه وأنماط توزيعها، فقد تختلف أنماط توزيع الطفرات الجسدية المرتبطة بالسرطانات بين مريضٍ و آخر، بل بين إثنية وأخرى أيضًا، على سبيل المثال، أظهرت الدراسات اختلافًا بين أنماط الطفرات لدى مرضى سرطان القولون من الصينيين، مقارنةً بذوي الأصول الأوروبية، كما انتهت دراسة شملت مرضى من دول عربية (الكويت، السعودية) إلى نتائج مشابهة. 

يوضح عبد الرحمن ذكري -أستاذ علم الفيروسات والمناعة بجامعة القاهرة، والباحث الرئيسي للدراسة- أن أحد أهداف الدراسة هو تحديد ما إذا كان لدى مرضى سرطان القولون المصريين النمط ذاته من الطفرات الجسدية، كتلك الموجودة لدى المرضى في سائر العالم، ما يمكن له أن يسهم في تحديد أي السبل العلاجية قد تكون أكثر فاعلية.

للإجابة عن سؤالهم، تحصل "ذكري" وفريقه على 120 خزعةً من أنسجة القولون أُخذت من مرضى بمراحل مختلفة من المرض؛ إذ عانى 20 منهم من داء الأمعاء الالتهابي، وهو التهابٌ مزمنٌ للجهاز الهضمي يزيد من احتمال تطور ورم في القولون، بينما أُخذت 38 عينة ممن عانوا من سلائل القولون، و هي كتل تنشأ في بطانة القولون بلا ضرر يُذكر في العادة، لكنها قد تتحول إلى ورم سرطاني مع مرور الوقت، وجُمعت قرابة نصف العينات من مرضى يعانون من سرطان القولون أو المستقيم. 

قام الفريق بعزل المادة الوراثية من العينات، ثم قراءة التتابُع الوراثي لقرابة مئة جين مرتبطة بسرطان القولون والمستقيم، بحثًا عن الطفرات الجسدية المميزة لمرضى السرطان، يقول "ذكري" في حديثه لـ"للعلم": "أردنا أن نركز على مجموعة من الجينات هي الأكثر ارتباطًا بالمرض، وتوصلنا إلى اختيارتنا بعد البحث في المصادر والأبحاث السابقة". 

أظهرت النتائج وجود طفرة واحدة على الأقل لدى قرابة 70% من العينات، وكان متوسط عدد الطفرات لعينات السرطان هو الأكبر، تلتها مجموعة عينات سلائل القولون ثم التي جُمعت من مرضى داء الأمعاء الالتهابي، وبمقارنة الطفرات بقاعدة البيانات العالمية COSMIC التي تحوي بيانات للطفرات الجسدية الخاصة بالسرطان، تبيَّن وجود 10 طفرات فريدة، لم يُبلَغ عنها من قبل في أي قاعدة بيانات جينية، وأغلب تلك الطفرات وُجدت لدى العينات السرطانية، وتُعد قاعدة "كوزميك" أكبر قواعد البيانات العالمية للطفرات الجسدية وتأثيرها في أمراض السرطان.

ترجمة المعرفة إلى علاج 
بينما تكمل قراءة الموضوع، انظر حولك واختر الأفراد الأكثر اختلافًا عنك في الملامح الجسدية، قد تفاجأ عندما تعرف أن مقدار التشابه بين حمضكما النووي يقارب 99.9%، ومع ذلك يمكن لهذا الاختلاف العشري البسيط أن يكون له هذا القدر من التأثير، الآن: حاول أن تتخيل تأثير تلك الاختلافات الجينية الدقيقة جدًّا بين الأفراد على مدى استجابتهم للعقاقير.

يُعرف الفرع العلمي الذي يقوم على دراسة تأثير الفروق الجينية على الاستجابة للعقاقير بـ"علم الأدوية الجينومي"، وقد أكدت الأبحاث المتوالية في هذا المجال أنه "لا عقار يناسب جميع المرضى"، خاصةً مرضى السرطانات؛ بسبب مدى تعقيدها وتنوعها، لذلك فإن الاتجاه الحديث يقوم على تصميم عقارات موجهة وفق الطفرات المُمْرضة في كل فئة من المرضى، فيما يُعرف بالطب الدقيق.

لكن معرفة الطفرات المُمْرضة ليست كافيةً لدعم هذا الاتجاه الطبي؛ إذ يجب أن تلحقها تجارب معملية وسريرية تضمن ترجمة تلك المعرفة إلى عقاقير فعالة، يقول "ذكري": "إن قرابة 18% من مرضى سرطان القولون والمستقيم -في دراسته- كان لديهم جينات قد تؤدي إلى مقاومة العلاج بمضادات "مستقبل عامل نمو البشرة - EGFR inhibitor"، مما يعني أنه قد يكون فعالًا لدى 80% من المرضى".

وتقوم مضادات مستقبِل عامل نمو البشرة بتثبيط بروتين يوجد بكثرة على بعض الخلايا السرطانية ويؤدي دورًا مهمًّا في سرعة تكاثرها، ولذلك تُستخدم في علاج العديد من السرطانات، من أبرزها سرطان القولون.

يعتبر "ذكري" تلك النتائج بمنزلة نظرة أولية إلى جينات سرطان القولون لدى المصريين؛ إذ يشير إلى أن معرفتنا بالطفرات الجسدية المرتبطة بالمرض ما زالت محدودة، كما أن نقص التكنولوجيات المطلوبة ومحدودية الدراسات تمثل تحديًا أمام تضمين الطب الدقيق في الرعاية الطبية الروتينية.

رغم التحديات، يحدو إيمان العطار -أستاذ مساعد بمعهد البحوث الطبية التابع لجامعة الإسكندرية- التفاؤل تجاه الخطوات التدريجية نحو تضمين العلوم الجينية في نظم الرعاية الصحية في مصر.

وكانت "العطار" قد كشفت مع زملائها في مقالة مراجعة نُشرت حديثًا في دورية "فرونتيرز إن جينتكس" (Frontiers in genetics) أنه إلى جانب إطلاق مشروع قومي لدراسة جينات المصريين، أطلقت وزارة الصحة المصرية العام الماضي مبادرةً للكشف المبكر عن العلل الوراثية لدى حديثي الولادة، كما ازداد الإنفاق الحكومي على بحوث علم الوراثة الطبية وعلوم الجينوم.

تشيد "العطار" بدراسة "ذكري" و فريقه، وتؤكد في حديثها لـ"للعلم" أهمية إنشاء هيئة مكونة من خبراء متعددي التخصصات؛ للعمل على حل تحديات ترجمة علوم الجينوم إلى تطبيقات سريرية.

من ناحيته يشير "ذكري" إلى أن خطواته القادمة ستركز على زيادة حجم العينات لتأكيد النتائج التي تحصل عليها، كما يأمل أن يتمكن من تطوير اختبار للكشف المبكر عن سرطان القولون، بناءً على الطفرات التي توصل إليها مع فريقه.