ثمة عوامل عديدة قد تُسهم في انهيار نظامٍ بيئي على مدار آلاف السنين، وقد كشفت عملية البحث الشاملة التي أجرتها فاليسكا ديكر -من جامعة بون- بالتعاون مع زملائها عن الدور الذي أدته التغيرات المناخية في تدمير النظام البيئي الذي ازدهر يومًا ما على طول الساحل الشمالي الشرقي لعُمان.

قبل ألف عامٍ من اليوم، كانت هذه المنطقة معمورةً وتكسوها المروج الخضراء، تقول ديكر: "تُظهِر الأدلة الرسوبية والجيوكيميائية وجود بحيرات صغيرة تحاوطها أشجار المنغروف سَكَنَ البشرُ بالقرب منها في بعض مواسم العام"، إلا أن هذه المنطقة تحولت بصورة كبيرة إلى صحراء في فترة ما خلال الستة آلاف عام الماضية.

لا تزال الأسباب الكامنة وراء هذا التحول يشوبها الغموض، وقد أخذت ديكر على عاتقها مهمة إماطة اللثام عن هذا اللغز في إطار تحضيرها لرسالة الدكتوراة بالتعاون مع د. جوستا هوفمان، المشرف على الرسالة؛ إذ سلَّطا اهتمامهما على ثلاثة عوامل ربما كان لها هذا التأثير الهائل على النظام البيئي الساحلي بتلك المنطقة، ألا وهي: تغيُّر مستويات البحر، والتأثير البشري، والتغيرات المناخية. ++

أشجار المانغروف موطن للنباتات التي تزدهر في المياه الساحلية قليلة الملوحة، إلا أن التحولات في مستويات البحر قد تقضي عليها؛ إذ إنها تُحدث تغييرات كبيرة للغاية في مستوى ملوحة التربة، لكن الباحثين استبعدوا هذا الاحتمال بعد إجراء قياس دقيق للتوزيع المكاني للمخلفات الجيولوجية لأشجار المانغروف القديمة، وأظهرت النتائج التي توصلوا إليها أن هذه الطبقات من المانغروف كانت موجودةً في ظل المستويات القديمة من المد والجزر في هذه المنطقة الساحلية، وأن أعلى مستويات وصل إليها المد والجزر لم تشهد تغيرات ملحوظة على مدار سبعة آلاف عام.

وقد اعتادت جماعات البشر ممن اعتمدوا على الصيد وجمع الثمار الترددَ على مناطق أشجار المانغروف هذه من حين إلى آخر طوال هذه الفترة، إلا أن البيانات الأثرية أشارت إلى أن وجود هذه الجماعات البشرية لم يكن له تأثيرٌ تدميري كبير على هذه البيئة، تقول ديكر: "لقد استغلوا النظم البيئية لأشجار المانغروف في التزوُّد بالطعام والأخشاب من أجل الطهي، ربما يكون هذا قد أثر سلبًا على تلك النظم البيئية، إلا أنه لم يقضِ عليها بالكليَّة".

وفي طرحٍ بديل، أشارت أبحاثهم إلى العواقب المناخية الناجمة عن الحركة الحادثة في منطقةٍ بالغلاف الجوي تُسمى "منطقة التقارب بين المداري"، وهي عبارة عن نظام ضغط منخفض يطوِّقُ الأرض بالقرب من خط الاستواء، وتندر فيه الرياح نسبيًّا، وقد أشارت عدة دراسات إلى أن منطقة التقارب بين المداري تزحزحت بقدر ملحوظ نحو الجنوب في وقت قريب من الحقبة الزمنية نفسها التي شهدت فَناء أشجار المانغروف من ساحل عمان، ربما كانت هذه الإزاحة مسؤولةً عن الانخفاض الهائل في معدل هطول الأمطار على مدار الزمن، وتفترض ديكر أن ما أعقب ذلك من تفشِّي التقحُّل تخطى في نهاية الأمر حدًّا لم يعد بإمكان هذا النظام البيئي أن يحيا بعده.

وتلفت ديكر النظر إلى أن هذا التفسير لا يزال مجرد فرضية، إذ تقول: "إن بعض الباحثين يرون أن منطقة التقارب بين المداري لم تشهد أي تغير على الإطلاق"، ولذلك، تعمل ديكر بالتعاون مع زملائها على توسيع دائرة أبحاثهم لتغطي المناطق المحيطة بالساحل العُماني للتحقق بشكل أكبر مما توصلوا إليه من نتائج، سعيًا للوصول إلى إعادة تكوين تاريخ مفصَّل لتلك الأنظمة البيئية الساحلية.