السكتة الدماغية حالة طبية خطيرة وقاتلة، إذ تنطوي على معدل خطورة عالية للوفاة، وغالبًا ما يعاني الناجون منها عجزًا يصيب أحد أعضاء الجسم، عالميًّا، يعاني سنويًّا 15 مليون شخص من إصابات السكتة الدماغية، 5 ملايين منهم يموتون، و5 ملايين آخرون يعانون عجزًا دائمًا، مما يضع عبئًا  كبيرًا على الأسرة والمجتمع، ومع ذلك فإن معدلات السكتات الدماغية إلى انخفاض في العديد من البلدان المتقدمة، نتيجةً لاتخاذ إجراءات الضبط الأفضل لضغط الدم المرتفع، وكذلك لتراجُع مستويات التدخين، ولكن تظل معدلات وقوع السكتة الدماغية عالميًّا إلى ارتفاع.

تحدُث السكتة الدماغية عند حدوث خلل في كمية الدم التي تُضخ للدماغ، ما يمنع أنسجة الدماغ من الحصول على الأكسجين والعناصر المغذية بشكلٍ كافٍ، وهي حالة طارئة تتطلب تدخلًا طبيًّا سريعًا، إذ تبدأ خلايا الدماغ بالموت خلال دقائق، والعلاج الفوري أمرٌ بالغ الأهمية.

الآليات المرتبطة بالسكتة الدماغية معقدة للغاية، ويؤدي الالتهاب دورًا حيويًّا في توابعها المرضية، كما تؤدي الخلايا المناعية المقيمة في الجهاز العصبي دورًا كبيرًا في الاستجابة لإصابات الجهاز العصبي المركزي، ومنها الخلايا الدبقية الصغيرة، التي تتميز بأن لها أنماطًا ظاهريةً مختلفةً تجعلها سلاحًا ذا حدين في تطور السكتة الدماغية.

كشفت دراسة حديثة -نشرتها دورية "فرونتيرز إن فارماكولوجي"- عن آلية دوائية جديدة تحمي من السكتة الدماغية، ترتكز على استخدام مركب بسيط يسمى (MLIF)، يمكنه التأثير على أداء الخلايا المناعية المقيمة في المخ، من خلال تعديل الأنماط الظاهرية للخلايا الدبقية الصغيرة عن طريق الاستهداف الجيني لبروتين له عدة وظائف حيوية في الخلية يُدعى (eEF1A1).

يرجع وجود هذه الأنماط الظاهرية المتمايزة إلى ظاهرة تُعرف باسم "استقطاب الخلايا"، يُلاحظ استقطاب الخلايا بشكل شائع في الاستجابة المناعية عند التعرُّض لغزو ميكروبي، وظهور الالتهاب، وتكوين الأورام، وإصلاح الأنسجة والتليفات، في هذه العملية تتبنى الخلايا المناعية برامج متمايزة، وتؤدي وظائف متخصصة استجابةً لإشارات محددة. 

يوجد نمطان ظاهريان في الخلايا الدبقية الصغيرة هما M1 وM2، يؤدي النمط الظاهري M1 إلى تفاقم الالتهاب وتفاقم عملية موت الخلايا العصبية، بينما يُسهم النمط الظاهري M2 في إضعاف الاستجابة المناعية في حالات الالتهاب، ومساعدة الخلايا العصبية على النجاة، وإصلاح الأنسجة، وبالتالي فإن تبديل الخلايا الدبقية الصغيرة من النمط الظاهري M1 إلى النمط الظاهري M2 يُعد إستراتيجيةً علاجيةً فعالةً للسكتة الدماغية.

أفادت نتائج الدراسة -التي أجراها فريق بحثي يضم باحثين مصريين وصينيين- أن المركب الدوائي MLIF يعزز انتقال الخلايا الدبقية الصغيرة من النمط الظاهري "المرضي" M1 إلى النمط الظاهري "الصحي" M2، سواء داخل الجسم أو في المختبر، وأن ما يُعرف بعامل استطالة حقيقيات النوى 1A1 أو (eEF1A1) كان متورطًا في هذا التحول. 

السكتة الدماغية الإقفاريّة

هناك نوعان رئيسيان من السكتة الدماغية: الإقفاريّة، التي تنجم عن نقص تدفق الدم إلى الدماغ، والنزفية، التي تنجم عن النزيف الدماغي، السكتة الدماغية الإقفاريّة هي أكثر أنواع السكتات الدماغية شيوعًا، إذ يمثل هذا النوع حوالي 80% من السكتات، ويحدث عندما تضيقّ شرايين الدماغ أو تنسدّ، مما يُسبب انخفاضًا كبيرًا في كمية الدم المزوّدة إلى الدماغ.

يقول فايد عطية -الباحث المشارك في الدراسة- في حديثه مع "للعلم": "كان هناك العديد من الدراسات السابقة حول السكتة الدماغية الإقفاريّة، ولكنها كانت ترصد الحالات فقط، ولم تتمكن من وصف الآلية المسببة للمرض،  لذا كنا بحاجة إلى دراسات لفهم ذلك، أردنا معرفة آلية حدوث السكتة الدماغية وكيف يمكن علاجها".

وفقًا لـ"عطية" فإن هذه الدراسة التي بين أيدينا ليست الأولى لهذا الفريق البحثي حول السكتة الدماغية، إذ سبقتها أربع دراسات مبدئية أدت إلى هذه الدراسة. 

يضيف "عطية": "وجدنا أن المركب الدوائي MLIF له دورٌ كبيرٌ في علاج السكتة الدماغية الإقفاريّة، كان هناك العديد من الفرق البحثية التي تدرس هذا المركب، وأُجريت حوله العديد من الدراسات، ولكن لم نكن قادرين على تحديد آلية عمله"، ويستطرد بقوله: "وجدنا أنه يعمل على حماية الخلايا العصبية ومعالجة تلف الدماغ، وله دورٌ مهمٌّ جدًّا في تقليل الالتهاب".

في عام 2018 اتفق الباحثون على أن مركبًا يُدعى (MLIF) أو "العامل المثبط لحركة أحادية الخلية" هو دواء تجريبي لحماية الخلايا العصبية في حالات السكتة الدماغية الحادة، يرجع تاريخ اكتشاف هذا المركب البسيط إلى عام 2003، إذ وجد باحثون أن هذا المركب المكون من خمسة أحماض أمينية، والذي ينتجه أحد الطفيليات وحيدة الخلية، له خواص مضادة للالتهاب.

يرى أحمد الوكيل -الباحث في مركز الرياضة والتمرين وعلوم الحياة بجامعة كوفنتري، لم يشارك في الدراسة- أن التحقيق في الآلية الجزيئية وراء استقطاب الخلايا الدبقية الصغيرة -وهي أول المستجيبين لإصابات الجهاز العصبي المركزي- هو اتجاه بحثي منطقي ومثير للاهتمام للغاية، نظرًا إلى أن الالتهاب يؤدي دورًا مهمًّا في التسبب في الإصابة الثانوية بعد السكتة الدماغية الإقفارية (أو ما يُعرف بتوابع الإصابة).
علاج موجه محتمل

أجرى الباحثون دراستهم على خلايا عصبية دبقية مزروعة في المعمل وكذلك على فئران التجارب، يقول "عطية": "من أجل إحداث تأثير السكتة الدماغية في الخلايا المزروعة معمليًّا، لجأنا إلى حرمانها من الأكسجين والجلوكوز، وهو الأمر الذي يحاكي ما يحدث داخل الخلايا العصبية في أثناء السكتة الدماغية، أما بالنسبة للفئران، فقد أجرينا ما يشبه عمليةً جراحيةً سببت تجلطاتٍ معينةً في شرايين الدماغ".

استخلص فريق "عطية" مركب MLIF من طفيلي الإنتاميبا هستوليتيكا، وبدأوا باستخدامه على نوعين من الخلايا العصبية وعالجوا به فئران تجارب، ما قادهم إلى اكتشاف المركب الذي يرتبط به عديد البيبتيد MLIF، يوضح "عطية": "تفيد نتائجنا بأن MLIF يستهدف أحد الجينات المهمة، وهو الجين المسؤول عن عامل استطالة حقيقيات النوى 1A1 أو (eEF1A1)، عندما يرتبط عديد البيبتيد MLIF بـ(eEF1A1) فإنه يغير شكل الخلايا الدبقية الصغيرة من النمط الظاهري M1 إلى النمط الظاهري M2، سواء في الخلايا المزروعة في المعمل أو داخل فئران التجارب". 

من أجل تأكيد نتائجهم، عطل الباحثون جين (eEF1A1) في الخلايا العصبية، فوجدوا ارتفاعًا في مستوى النمط الظاهري المرضي M1، وانخفاضًا في مستوى النمط الظاهري الصحي M2، استنتج الباحثون أن (eEF1A1) هو البروتين المستهدف من قبل المركب الدوائي MLIF، وأنه من الممكن استهدافه من أجل العلاج الموجه (Targeted Therapy) للسكتة الدماغية.

يقول جاري روزنبرج، أستاذ طب الأعصاب بجامعة نيو مكسيكو: "بينت الدراسة أن (MLIF) يتحكم في حالة الخلايا الدبقية الصغيرة ويحمي من السكتة الدماغية الإقفارية، تستخدم الخلية (eEF1A1) كوسيط لتغيير النمط الظاهري للخلايا الدبقية الصغيرة، يمكن لهذه النظرة الثاقبة على آلية تنظيم الخلايا الدبقية الصغيرة أن تساعدنا في الحفاظ عليها في حالة مفيدة، مما يؤدي في النهاية إلى تقليل تلف الخلايا العصبية". 

ويعتقد "الوكيل" أن تحديد نهج جزيئي يمكنه تحويل الخلايا الدبقية الصغيرة من النمط الظاهري M1 إلى النمط الظاهري M2 سيُترجم في النهاية إلى إستراتيجية علاجية تجرب على المرضى.  

المزيد من التجارب

واجه الفريق البحثي العديد من العقبات في أثناء عملهم على هذه الدراسة التى استمرت قرابة ثلاث سنوات، أُولاها كانت تعقيد الآلية المسببة للسكتة الدماغية؛ إذ يتداخل فيها العديد من العوامل والعديد من المواد الكيميائية الوسيطة للالتهاب Inflammatory mediators -والمسؤولة عن كل التغيرات التي تحدث في الالتهاب- لذلك لم يكن من السهل التوصل إلى البروتين المستهدف، يقول "عطية": "احتجنا إلى معامل متقدمة ومجهزة بأحدث التقنيات والمعدات من أجل إجراء هذه الاختبارات المعقدة للعديد من تلك العوامل".

يقول "الوكيل": "يحتاج الباحثون إلى إجراء المزيد من الاختبارات قبل السريرية لاختبار قدرة (MLIF) على تعزيز انتقال الخلايا الدبقية الصغيرة نحو النمط الظاهري M2 في نماذج السكتة الدماغية الإقفارية الأخرى، قد يوفر ذلك أدلةً كافيةً على نجاح هذه الإستراتيجية".

وبالفعل يوضح "عطية" أنه يخطط مع زملائه لاختبار الآلية العلاجية المقترحة على المزيد من فئران التجارب والثدييات كالشمبانزي، قبل الانتقال إلى مرحلة التجارب السريرية والاختبارات على المتطوعين من البشر.

يُمكن للعلاج المبكِّر للسكتة الدماغية أن يُقلِّل من تَلَف الدماغ والمضاعفات الأخرى، ولكن "روزنبرج" يعتقد أن هناك تحديًا يتمثل في تحديد الأدوية التي تعزز وظيفة MLIF، والتي يمكن أن يكون لها إمكانيات علاجية من خلال تقليل تلف الخلايا بعد السكتة الدماغية.

قدم كيث موير -استشاري طب الأعصاب في جامعة جلاسكو ومستشفى جامعة الملكة إليزابيث- في حديثه مع "للعلم" بعض الملحوظات حول الدراسة من وجهة نظره كطبيب يعمل على تطبيق الإستراتيجيات العلاجية في العيادات، إذ يقول: "من غير الواضح ما إذا كانت الاستجابات الالتهابية هدفًا علاجيًّا مفيدًا في السكتة الدماغية، إذ إن عددًا من المواد التي أثبتت فاعليتها في نماذج القوارض لم تترك أي تأثير على البشر".

يعتقد "موير" أن أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو أن التوازن بين الاستجابات الفسيولوجية المختلفة معقد للغاية، إذ تتداخل العديد من التأثيرات اعتمادًا على الظروف المختلفة مثل منطقة الإصابة في الدماغ، وبعض العوامل الأخرى التي يستحيل تضمينها في نماذج التجارب مثل العمر، والأمراض الأخرى التي قد يكون المريض مصابًا بها، والعلاجات الدوائية المختلفة التي يستخدمها كل مريض.

يضيف "موير": "تلك الدراسة التي أُجريت على الفئران تعتبر أوليةً جدًّا، وأمامها طريق طويل للغاية قبل أن يمكن استخدام النتائج لتقييم إستراتيجية التدخل العلاجي، وأي إستراتيجيات أخرى تعتمد على هذه النماذج سيسري عليها الأمر ذاته".