في الوقت الذي تُعتبر فيه منطقة الشرق الأوسط من أكثر النقاط الساخنة مسؤوليةً عن إطلاق كميات كبيرة من الملوِّثات الغازية في الغلاف الجوي، كشفت دراسة حديثة أن منطقة شمال البحر الأحمر تشكل إحدى كُبريات بؤر التلوث، من خلال مصادر توجد في المياه العميقة، تطلق كميات ضخمة من الهيدروكربونات غير الميثانية، مثل الإيثان والبروبان، وهي من العناصر الضارة جدًّا بصحة الإنسان.

وترجح الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكشنز" (Nature Communications) اليوم "الثلاثاء"، 28 يناير، أن المخزونات الطبيعية للهيدروكربونات غير الميثانية التي توجد بكثافة في أعماق البحر الأحمر، تطلق كمياتٍ كبيرةًمن غازات الإيثان والبروبان إلى الغلاف الجوي، بما يفوق الانبعاثات الناجمة عن الأنشطة البشرية في بعض الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط.

لجأ إفستراتيوس بورتسوكيديس، وزملاؤه في معهد ماكس بلانك للكيمياء، بمدينة "ماينز" الألمانية، إلى جمع قياسات من جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، خلال شهري يوليو وأغسطس من عام 2017، لتقييم مستوى انبعاثات الملوثات الهيدروكربونية، ومقارنة قياساتهم مع النماذج الجوية في ذلك الوقت، وانتهوا إلى أن قياسات الإيثان والبروبان-التي جرى رصدها من مناطق في شمال البحر الأحمر- أعلى بكثير من التقديرات الواردة في نموذج الغلاف الجوي، الذي يقيس نِسَب الملوِّثات والعوالق والانبعاثات في الهواء.

ومن خلال تتبُّع مسار الكتل الهوائية المحمَّلة بالملوِّثات، تمكَّن الباحثون من تحديد موقع أحد المصادر تحت الماء، كما توصل فريق الدراسة إلى أن كمية غازات الهيدروكربونات التي يطلقها البحر الأحمر في الغلاف الجوي تزيد على 0.2 تيراجرام (200 مليون كيلوجرام) في السنة، وهي كمية تعادل الانبعاثات الناتجة عن ممارسات بشرية في بلدان ذات مستويات مرتفعة من الأنشطة المرتبطة بالنفط والغاز، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، أو الكويت، أو سلطنة عُمان.

وعن مصادر انبعاثات الهيدروكربونات غير الميثانية في المياه العميقة للبحر الأحمر، يقول "بورتسوكيديس" في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك ثلاثة أنواع من المصادر تتمثل في تسرُّب السوائل مباشرةً من الخزانات الهيدروكربونية الموجودة أعلى الصخور البحرية، والتدفُّقات الناتجة عن التبايُن في كثافة المياه العميقة بخليج السويس وخليج العقبة، والانبعاثات المباشرة من بعض بِرَك المياه المالحة القابعة في قاع البحر".

ويوضح الباحث الرئيسي للدراسة أنه يتم نقل هذه الهيدروكربونات إلى سطح المياه من خلال التيارات المائية، ليتم بعد ذلك إطلاقها في الغلاف الجوي، إلا أنه استطرد بقوله: "نظرًا إلى أننا لم نتمكن من تأكيد أهمية العلاقة والتأثير لهذه المصادر الثلاثة، فإن هناك حاجةً إلى مزيد من البحث في المنطقة".

وبالنسبة للأضرار التي قد تنجم عن انبعاث كمية كبيرة من الهيدروكربونات غير الميثانية في الغلاف الجوي، يشير "بورتسوكيديس" إلى أنه في عصور ما قبل الثورة الصناعية كان لانبعاثات الإيثان والبروبان تحت سطح المياه تأثيرات محدودة على جودة الهواء، ولكن في الوقت الحاضر، تتسبب حركة الملاحة البحرية النشطة بالمنطقة في انبعاث كميات كبيرة من الأكاسيد النيتروجينية، التي تتفاعل مع غازات الإيثان والبروبان، مما يؤدي إلى إنتاج "الأوزون التروبوسفيري" (غاز ثانوي يتكون من تفاعل أشعة الشمس مع الهيدروكربونات، بما في ذلك الميثان وأكاسيد النيتروجين)، وكذلك إنتاج "نترات البيروكسياسيتيل"، وكلاهما من المواد شديدة الضرر بصحة الإنسان.

ويحذر الباحث من أنه على مدار العقود المقبلة، من المتوقع أن تواصل معدلات حركة السفن في البحر الأحمر وقناة السويس ارتفاعها بقوة وبصورة متزايدة، ويصاحب ذلك زيادة في انبعاثات أكسيد النيتروجين، مضيفًا: نتوقع أن تؤدي هذه الزيادة إلى مضاعفة تأثير انبعاثات أكسيد النيتروجين، الأمر الذي يؤثر سلبًا على طبقة الأوزون، ويؤدي إلى تدهور كبير في نوعية الهواء بالمنطقة.