يُعتبر نقل الدم من الجوانب المهمة والمُنقذة للحياة، وخاصةً بالنسبة لمرضى جراحة القلب، لكن فريقًا مشتركًا من الباحثين المتخصصين في أربع جمعيات طبية رائدة عكفوا على وضع دليل إرشادي يستهدف الحد من اللجوء إلى نقل الدم لهؤلاء المرضى.

يشدد الدليل الصادر تحت عنوان "دليل الممارسة الثالث" على أهمية اتباع مفهوم الإدارة الرشيدة لدم المريض، بحيث "يصبح نقل الدم في أثناء جراحة القلب خيارًا محدود الاستخدام، ولا يتم اللجوء إليه إلا بعد نفاد الحيل من جعبة الفريق الطبي المشارك في الخطة العلاجية للمريض".

شارك في إعداد الدليل -وهو الدليل الأول منذ عَشر سنوات- جمعية جراحي الصدر، وجمعية أطباء تخدير القلب والأوعية الدموية، والجمعية الأمريكية للتكنولوجيا خارج الجسم، وجمعية النهوض بإدارة دم المرضى.

تضمَّن الدليل 23 توصيةً جديدةً أو محدَّثة بخصوص تقليل فقدان الدم في أثناء جراحة القلب، وتحسين المخرجات الصحية للمرضى، وأهمية مشاركة مريض القلب في الكيفية التي يرغب أن تتم بها الخطة العلاجية الخاصة به، ونشره موقع "حوليات جراحة الصدر" (The Annals of Thoracic Surgery)،  اليوم "الأربعاء"، 30 يونيو.

يشير بيير تيبي -من مركز يافاباي الطبي الإقليمي في مدينة بريسكوت بولاية أريزونا الأمريكية، والباحث الرئيسي في الدراسة- إلى أن "الدليل تضمن نتائج مهمة لجهد باحثين من جميع التخصصات الحديثة المتعلقة بالعديد من جوانب إدارة دم المريض؛ حتى يتمكن جراحو القلب والصدر من تنفيذ الجوانب المختلفة لإدارة دم المرضى".

يقول "تيبي" في تصريحات لـ"للعلم": أعتقد أن أهم التغييرات التي أُدخلت على المبادئ التوجيهية تتعلق بضرورة الأخذ في الاعتبار أن الدم عضو سائل يمكن معالجته كأي عضو آخر في الجسم بدلًا من التركيز فقط على متى يجب أن يتم نقل الدم للمريض ومتى لا يقتضي الأمر اللجوء إلى نقل الدم.

يضيف "تيبي": اعتمد الدليل الجديد على ركائز أربع في إدارة دم المريض، وهي إدارة فقر الدم، وتحسين التخثر، والنُّهُج متعددة التخصصات للحفاظ على الدم، واتخاذ القرار الذي يستهدف تحقيق أفضل نتائج للمرضى.

وتضمَّن الدليل الأخير تعديلاتٍ كثيرةً منقحة، عكف من خلالها المشاركون على مراجعة الافتراضات السابقة، والتحقق من صحة المعلومات الجديدة، وتقديم أفضل التوصيات الحالية بإيجاز؛ ففي الدليل السابق، تم استخدام مصطلح "الحفاظ على الدم"، أما الدليل الجديد فقد استخدم مصطلحات أوسع مثل "إدارة دم المريض".

وإدارة دم المريض، الذي تم تطويره عام 2008، هو نهج رعاية مصمم لتحسين النتائج الصحية للمرضى عن طريق تقليل فقدان الدم إلى الحد الأدنى، ومنع فقر الدم (انخفاض عدد خلايا الدم الحمراء عن المعتاد، مما يؤدي إلى انخفاض قدرة الدم على نقل الأكسجين إلى أنسجة الجسم)، وتقليل الحاجة إلى عمليات نقل الدم من المتبرعين بدلًا من المرضى أنفسهم، ويضع هذا النهج أيضًا المرضى في قلب عملية اتخاذ القرار، مما يضمن اطِّلاعهم التام على مخاطر علاجاتهم وفوائدها ودمج رؤيتهم وخياراتهم في مسار العلاج.

فعمليات نقل الدم -التي يمكن أن تكون جانبًا حاسمًا ومنقذًا للحياة في وحدات الرعاية لمرضى جراحة القلب ووسيلة آمنة بشكل عام، وقد أنقذت بالفعل ملايين الأرواح- قد تنطوي على آثار جانبية خطيرة؛ فالدم المنقول له القدرة على إحداث المرض والتسبب في ردود فعل مناعية قوية أو حتى الموت، ولا يعمل بشكل جيد مثل دم المريض.

يقول "تيبي": يمكن تقليل هذه المخاطر من خلال استخدام نهج إدارة دم المريض الذي أدرجه الدليل الجديد، مما يساعد على ضمان أن دم المريض كافٍ، وأن عمليات نقل الدم ليست ضرورية، وقد شهدت بعض المستشفيات في الولايات المتحدة انخفاضًا إجماليًّا يصل إلى 45٪ في معدل عمليات نقل الدم منذ بدء تبنِّيها هذا النهج.

كما يتضمن الدليل الإرشادي التدخلات السابقة للجراحة المتعلقة بتحديد فقر الدم وإدارته، وهي حالة منتشرة للغاية لدى المرضى الذين يحتاجون إلى جراحات القلب، خاصةً في المرضى المسنين أو المصابين بأمراض أخرى، والسبب الأكثر شيوعًا لفقر الدم هو نقص الحديد؛ إذ يصيب حوالي 50٪ من مرضى فقر الدم، وفقًا للإرشادات، ومن المرجح أن يحتاج مرضى فقر الدم قبل الجراحة إلى عمليات نقل الدم، لذلك يجب علاج فقر الدم الناجم عن نقص الحديد قبل الجراحة، بما يقلل من حاجة المريض إلى نقل الدم بشكل كبير.

كما يقترح الدليل تقنيةً أخرى للإدارة الرشيدة لدم المريض عن طريق تدويره؛ إذ يقترح الدليل الجديد أيضًا أنه في عمليات القلب باستخدام المجازة القلبية الرئوية، وهي تقنية مُستخدمة للسيطرة على كُلٍّ من القلب والرئتين في أثناء العملية الجراحيّة، بحيث يُحافظ على الدوران الدموي وتركيز الأكسجين في الجسم كاملًا؛ ففي هذه العملية، يتم جمع الدم الذي فقده المريض في أثناء العملية الجراحية وتصفيته وغسله بواسطة آلة قبل إعادة صبه في جسم المريض.

يقول "تيبي": يجب أيضًا استخدام "فتيلة ذاتية رجعية" حيثما أمكن ذلك؛ إذ إن هذه العملية البسيطة والآمنة والفعالة تقلل من معدلات نقل الدم، خاصةً لعمليات القلب التي تؤدي إلى فقدان الدم بشكل مفرط.

ويتابع: نحتاج إلى البحث عن تقنيات جديدة لتقليل الحاجة إلى عمليات نقل الدم من أجل تقليل التداعيات السلبية الناتجة عنها، ونتوقع استمرار التحديثات الخاصة بتقليل إجراء عمليات نقل الدم في ظل تنامي الدراسات والأبحاث المتعلقة بترشيد نقل الدم.