لا يزال إنتاج لحوم البقر دون انبعاثات مسببة للاحتباس الحراري حلمًا عصيًّا على التنفيذ، لكنه ربما بات على الطريق الصحيح نحو التحقق، بعد أن صار خفض الغازات الدفيئة إلى النصف حقيقة ثابتة علميًّا في عدة مناطق عبر العالم، وإن ظل شيوعه كأمر واقع مشروطًا بخفض الطلب على استهلاك اللحوم.

ورد في أحد التقارير الحديثة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) أنه لو قُدّر للبقر أن يكون بلدًا، لكان ثالث أكبر مصدر للغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم! وبطبيعة الحال، توظيف "لو" في هذا الافتراض المثير لا يفيد التمنّي، بل يلفت إلى عدم إمكان تحميل غير العاقل مسؤولية الإضرار بالمناخ بسبب ارتفاع الطلب العالمي على اللحوم، والتحول إلى نمط غذائي غني بالبروتينات الحيوانية، مع زيادة الدخل والرفاه والنمو السكاني.

حقق إنتاج لحم البقر في العالم أكبر كم على مدى ستة عقود، وخلال السنوات الثلاث الماضية، جرى إنتاج 60 مليون طن متري من لحوم البقر (الطن المتري يساوي ألف كيلو جرام)، إذ تبوأت الولايات المتحدة في العام 2020 مرتبة المنتج الأكبر عالميًّا (20%)، متبوعة بالبرازيل والاتحاد الأوروبي، لتمثل مجتمعةً حوالي 50% من إجمالي إنتاج لحوم البقر في العالم، وتشير التوقعات إلى تضاعُف الإنتاج بحلول 2050، بينما الطلب على استهلاك اللحوم -لا سيما لحوم الأبقار- آخذٌ في الارتفاع عالميًّا على نحوٍ سريع.

ويُعد هذا القطاع أحد المساهمين الرئيسيين في انبعاثات الغازات الدفيئة، فضلًا عن كونه أحد أهم أسباب إزالة الغابات وتدهور الأراضي، ولذلك يُعد قطاع إنتاج اللحوم مصدرَ قلقٍ فعليًّا لحُماة البيئة وأنصار الاستدامة، لكن فريق بحث ينتمي إلى جامعة ولاية كولورادو الأمريكية، سلط الضوء على الوجه الآخر لهذا الوضع المقلق، مركِّزًا على الجهود المبذولة عالميًّا لزيادة الاستدامة وتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من هذا القطاع؛ إذ توصل الفريق البحثي خلال دراسة تقييمية واسعة النطاق، نُشرت في دورية "جلوبال شاينج بيولوجي" في الخامس من إبريل الماضي، إلى إمكانية خفض الانبعاثات الناجمة عن صناعة إنتاج اللحوم إلى النصف إن تمّ تحسين إدارة الأراضي وكفاءة الإنتاج.

ماذا لو غيرنا نظم الإدارة؟
 
تنتج الماشية حوالي 78% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة الحيوانية، لكن إنتاج لحم البقر يحظى -وفق الدراسة- بحصة الأسد، مسؤولًا عن إطلاق ما بين ضعْفَين إلى تسعة أضعاف حجم الغازات الضارة بالمناخ في المتوسط مقارنة بالمنتجات الحيوانية الأخرى، ويتطلب إنتاجه مساحات أراضٍ أكبر بـ28 مرة من تلك المخصصة لإنتاج لحوم الدواجن والخنزير ومنتجات الألبان والبيض مجتمعة، واستهلاكًا أعلى للأعلاف والرعي عند مقارنته باللحوم الأخرى.

وعلى الرغم مما لقطاع إنتاج لحوم البقر من تأثير كبير على المناخ، تؤكد الدراسة التي استغرقت عامين لجمع وتقييم 292 من المقارنات بين أنظمة الإنتاج التقليدية والمحسَّنة في آسيا وأستراليا والبرازيل وكندا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، أن القطاع بات يشهد مؤخرًا وضع إستراتيجيات لتقليل الانبعاثات ودعم الاستدامة.

بيد أنه لم يسبق عقد مقارنة واسعة النطاق لمعرفة إمكانيات القطاع لخفض الانبعاثات فيما لو تمّ تغيير نظم الإدارة عبر العالم، تعلق دانييلا كوزاك، المؤلفة الرئيسية للدراسة، على الأمر في تصريحات لـ"للعلم" بقولها: "كنا نعلم أنه يستحيل القضاء تمامًا على إنتاج الميثان المعوي؛ لأنه جزء من العمليات البيولوجية التي تحدث داخل أجسام البقر، ومع ذلك، لم نكن نعرف إلى أي مدى يمكن أن تعوض إدارة الأراضي وعزل الكربون في النبات والتربة إنتاج هذا الغاز المرتبط بعملية الهضم لدى المجترات، لم نكن نعرف أيضًا مقدار التحسُّن الذي يمكن أن يحدث في كفاءة إنتاج البروتين لكل وحدة من وحدات لحوم البقر"، وتضيف الأستاذة المساعدة في قسم علوم النظم البيئية والاستدامة بجامعة ولاية كاليفورنيا: "كنا نشعر بالفضول لمعرفة أي إستراتيجيات إنتاج لحوم البقر "الجديدة والمحسّنة" تعمل حقًّا على تقليل الغازات الدفيئة".

مدفوعًا بهذا الفضول، قاد فريق "كوزاك" تقييمًا لمجموعة من الإستراتيجيات المختلفة المعتمَدة عبر أرجاء العالم للحد من مستويات الانبعاثات الناجمة عن إنتاج لحوم البقر، ووجد الباحثون أن هناك قدرًا هائلًا من إمكانيات التحسين، إذ مكَّن استخدام إستراتيجيات معروفة لإدارة الأراضي من خفض الانبعاثات إلى مستويات بلغت 50% في بعض المناطق، وبخاصة في الولايات المتحدة والبرازيل، واعتبر جوناثان ساندرمان -الباحث بمركز وودويل لأبحاث المناخ بالولايات المتحدة- أن "فهم أين وكيف يمكن تقليل كثافة انبعاثات إنتاج لحوم البقر هو أمرٌ بالغ الأهمية لتصميم السياسات المحفزة لخفض الانبعاثات في هذا القطاع".

وتنتظم إستراتيجيات إدارة لحوم البقر للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة عمومًا في فئتين رئيسيتين، تحدد الدراسة الفئة الأولى في زيادة الكفاءة لإنتاج المزيد من لحم البقر لكل وحدة من وحدات الغازات الدفيئة المنبعثة، والثانية في تعزيز احتجاز الكربون في الأراضي لتعويض انبعاثات الغازات من الماشية، ومن المزايا الأساسية لهذين النهجين التقليل بشكل كبير من معدل تحويل الأراضي العشبية الطبيعية والغابات إلى مراعٍ جديدة، لما يمثله تجنُّب تحويل الأراضي من إمكانيات للتخفيف من التغير المناخي، تعادل تقريبًا خفض الانبعاثات بواسطة تحسين إدارة الزراعة والأراضي.

صفر انبعاثات
وجدت نتائج الدراسة أن المواقع التي تستخدم إستراتيجيات إدارة احتجاز الكربون في الأراضي المروية حققت انخفاضًا بنسبة 46% في صافي انبعاثات الغازات الدفيئة لكل وحدة من اللحم البقري، بينما حققت المواقع المعتمدة على إستراتيجيات كفاءة النمو انخفاضًا بنسبة 8%، وبينت المقارنة أن الإستراتيجيات القائمة على الأرض تميل بشكل أكبر إلى احتجاز الكربون في التربة والنبات عبر تحسين إدارة الأراضي الرعوية، بحيث يشمل ذلك زراعة الأشجار وإضافة السماد العضوي الغني بالكربون، وإحداث تغييرات في التسميد لزيادة نمو النبات، واحتجاز الكربون في التربة وتقليل انبعاثات أكسيد النيتروز منها، أو الاتيان بالأمرين معًا.

وفي حين قللت إستراتيجيات احتجاز الكربون من الانبعاثات الدفيئة للحوم البقر، بنسبة تزيد على 100% في عدد قليل من أنظمة الرعي في الولايات المتحدة، نظرًا لوجود "العديد من البرامج الكبرى التي تروج لاحتجاز الكربون في الأراضي داخل مناطق إنتاج لحوم الأبقار مثل أراضي الرعي، لا سيما في الغرب الأمريكي"، وفق توضيح "كوزاك"، لاحظت الدراسة أن إستراتيجيات كفاءة النمو لم تنجح في الحد منها، وربما كان ذلك "بسبب الكفاءة المرجعية العالية في المنطقة".

وعلق "ساندرمان" -الذي يركز عمله داخل مركز وودويل على دور التربة في التخفيف من حدة تغير المناخ وإنتاج الغذاء المستدام- على مسألة عزل الكربون في التربة الذي يمكن تحقيقه في ظل إستراتيجيات إدارة المراعي والمراعي المحسَّنة بأنه "أقل جانب مؤكد من البيانات التي جمعها الفريق العلمي"، لقد بدا له أن النتائج "متباينة للغاية"، ولا تعكس فقط من وجهة نظره "التبايُن الموجود على أرض الواقع إزاء استجابة التربة للكربون في الإدارة، بل تعكس أيضًا صعوبة قياس تغيُّر الكربون في التربة"، وفق قوله.

لكن "ساندرمان" أثنى على الدراسة؛ لكونها "تجمع أدلة جيدة لدعم ما كان معروفًا بشكل عام، لكنه يفتقر إلى التحديد بشكل جيد"، وقال إن أنظمة إنتاج لحوم البقر تم تحسينها بالفعل من حيث كثافة الغازات الدفيئة لكل وحدة من وحدات لحوم البقر، في دول مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، مرجحًا تحقيق مكاسب كبيرة في الكفاءة في بلدان مثل البرازيل أيضًا.

النموذج البرازيلي

بجانب الولايات المتحدة، تقدم البرازيل نموذجًا نوعيًّا وواعدًا لجهود الاستدامة؛ فحيث يوجد أكثر من 52 مليون هكتار من أراضي المراعي المتدهورة، كشف الفريق من خلال تحليل الدراسات المتعلقة بهذا البلد، عن نسبة انخفاض بلغت 57% في انبعاثات الغازات الدفيئة، وقالت البرازيلية أماندا لونغي كورديرو -عضو فريق البحث من قسم علوم النظم البيئية والاستدامة بكلية وارنر للموارد الطبيعية بجامعة ولاية كولورادو- لـ"للعلم": إن الطلب على لحوم البقر يرتفع بسرعة أكبر في البرازيل، كما في بقية أمريكا اللاتينية، مهددًا الغابات، وهذا الأمر حفز الاهتمام العلمي والحكومي بالممارسات التي تزيد من الاستخدام المستدام لأراضي الرعي.
ومع ذلك، نبهت "كورديرو" إلى أنه حتى لو تحققت الزيادات المتوقعة في إنتاجية لحوم البقر البرازيلية وصادراتها دون توسُّع في الأراضي، فإن النظم البيئية الطبيعية مثل غابات الأمازون والسافانا البرازيلية (سيرادو) ستظل بحاجة إلى حماية أقوى بسبب النمو المتوقع في الطلب العالمي.
وأوضحت الباحثة كيف تحقق لبلدها خفض الانبعاثات إلى أكثر من النصف، حيث "يؤدي تجديد المراعي إلى زيادة مخزون الكربون في التربة من خلال نمو الجذور وتراكم المواد العضوية، ويمكن أيضًا أن يؤدي دمج الأشجار في النظام إلى احتجاز الكربون، مما يقلل من فقدان ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، فإذا استطعنا تجديد المراعي المتدهورة على نطاق واسع، واعتماد نظم الحراجة الزراعية والإنتاج القائمة على الزراعات المختلطة بالغابات والمراعي، سيتمكن البرازيل من خفض انبعاثات الكربون بشكل كبير"، كما أشارت إلى وجود إستراتيجيات إدارة محلية متنوعة أخرى "يتعين اختبارها في نظم ومجموعات مختلفة، لأن البرازيل تضم أنواعًا عديدة من النظم البيئية".

وغالبًا ما تركز مناهج الكفاءة المتزايدة على تحسين جودة الأعلاف أو التحسينات الجينية أو كليهما معًا للمساعدة في عملية الهضم ورفع معدلات زيادة الوزن مع تقليل انبعاثات الميثان المعوية لكل وحدة من اللحم البقري، وقد نجحت البرازيل في تحسين اختيار السلالات وجودة الأعلاف وإدارة الأسمدة المتضمنة في إستراتيجيات الإدارة المحسَّنة لاحتجاز الكربون وكفاءة الإنتاج.

ماذا لو قللنا استهلاك اللحوم؟
من بين أهم نتائج الدراسة، تأكيدها أن الطريق إلى إنتاج لحم بقري خالٍ من الانبعاثات الضارة للمناخ لا يزال طويلًا، وقالت كوزاك لـ"للعلم": "كان هناك الكثير من الادعاءات حول لحوم الأبقار "المحايدة للكربون" ونُظم الإنتاج التي تحتجز الغازات الدفيئة أكثر مما تصدر، ولسوء الحظ وجدنا أن البيانات المتاحة غير مدعومة إلا في حالات قليلة حتى الآن".
ولم يتحقق أي إنتاج خالٍ تمامًا من الانبعاثات سوى في 2% من الدراسات التي جمعها الفريق العلمي، إذ يندر أن تؤدي الممارسات الحالية التي تغطيها البحوث العلمية، وفق كوزاك، إلى الحد نهائيًّا من الانبعاثات، لذلك فإن "اعتقاد أن الطلب على لحوم البقر يمكن أن يواصل الارتفاع كما هو عليه الآن بالاعتماد كليةً على إستراتيجيات إدارة الأراضي لخفض الانبعاثات الدفيئة هو اعتقاد غير واقعي".

ويؤكد هذا الرأيَ إشارةُ "ساندرمان" إلى إحدى نتائج الدراسة، المتصلة ببعض إستراتيجيات إدارة الرعي، كإستراتيجية الرعي الدوراني المكثف، "التي يتم الترويج لها على نطاق واسع لخفضها الكبير كثافة الغازات الدفيئة لكل وحدة إنتاج، ولكن نظرًا للحاجة إلى المزيد من الأراضي للحفاظ على المستوى نفسه من إنتاج لحوم البقر، فإن الانبعاثات الصادرة من كل وحدة من وحدات الأراضي ظلت هي نفسها"، وتعتقد كوزاك أن هناك حاجة إلى التركيز على طرق تنفيذ الإستراتيجيات التي ثبتت مزاياها وغيرها في المناطق التي يمكن أن يكون لها أكبر تأثير، لكن تقليل استهلاك اللحم البقري وتحسينه لجعله أكثر استدامةً هو "أمر بالغ الأهمية أيضًا".

وأوردت الدراسة في أكثر من مناسبة ضرورة خفض الطلب على لحوم البقر، وإلا فإن تقليل كثافة الغازات الدفيئة في الإنتاج، وفق ساندرمان "لن يُحدث فرقًا كبيرًا إذا استمرت اتجاهات زيادة الاستهلاك"، ووفق المؤلفة الرئيسية، فإن تحقيق مستقبل غذائي مستدام يعتمد على تبنِّي مجموعة واسعة من الحلول، يأتي من ضمنها تحديد فجوات الابتكار واختبار التقنيات الناشئة وتحديث نماذج الأعمال والحوكمة.

وتضيف "كورديرو" إلى حزمة الحلول المقترحة من زميلتها، ومن ضمنها التكاملُ بين أصحاب المزارع والسياسات الحكومية التحفيزية لمربي ومنتجي لحوم البقر، وكذلك التكاملُ بين العلوم والمجتمع، مع مواصلة العلماء البحث حول كيفية تحسين إدارة الأراضي.