منذ عشرين عامًا أسكن في عمارة بحي الدقي، قريبًا من النيل، ومن وسط القاهرة، وبرغم أن المربع السكني الصغير الذي تشكله هذه المنطقة تتوسطه حديقة لطيفة، وتكثر في شوارعه أشجار عتيقة وارفة، إلا أنني –تقريبًا- لم أرَ الربيع منذ حللت بهذا السكن. لكن الربيع فاجأني أخيرًا هذا العام، وبعد موعد بدء موسمه بأسبوع كامل، بينما أنا قابع في بيتي كما مليارات البشر الذين أجبرهم كورونا المُستجد على ملازمة بيوتهم. كنت أهم بالوقوف خلف زجاج الواجهة أرنو إلى الدنيا من محبسي الطوعي، مُريحًا جسدي ونظري ووجداني من عناء القراءة والكتابة ومتابعة الأخبار المقبضة، ووجدتني مخطوفًا مدهوشًا أفتح عارضة كاملة من زجاج الواجهة على سعتها، فقد خايلني الربيع -لأول مرة منذ عشرين عامًا- هناك.. في الشارع الذي تجلى نظيفًا خاليًا بالغ الهدوء، مغسولةً أشجاره، وصافيًا هواؤه، صفاءً غير معهود، فرحت أملأ رئتي منه بعمق وانتعاش، متسائلًا بين التهلُّل والاستغراب: أين كان مختفيًا هذا الربيع كل هذه السنين، مَن سرقه منَّا، وكيف ولماذا يعود الآن؟

    صحيح أن شمس الربيع ظلت تشرق في موعدها طوال السنين العشرين الماضية، وبضع أشجار الجاكارندا في فناء السفارة المواجهة مكثت زهورها البنفسجية الهفهافة تظهر على الفروع العارية في موعدها، لكن ذلك الإعلان الربيعي الحي ظلت تطمسه غلالة من ضباب دخاني بني محمر، شفافة لكنها مُقبضة، خانقة الرائحة ومُلهِبة للعيون ويضيق بها صدري، لهذا مكثت أكتفي بالإطلال على ذلك الربيع الشائه من وراء الزجاج، فلا أراه إلا نسخةً مزورة من الربيع المسروق، تمسخ أخضر الشجر إلى زيتوني صدئ، وتُحيل بنفسجية زهور الجاكاراندا إلى أزرق قاتم يلازمه الصدأ نفسه. ومع إضافة ضوضاء سيل السيارات الذي لا ينقطع في الشارعين المتقاطعين في الأسفل، وسوقية صياح الناس في الشوارع، طال غياب الربيع. فماذا حدث ليعود؟

***

     كان اليوم هو ثامن أيام الربيع، بينما تقصفنا أخبار جائحة كورونا من الداخل والخارج، موت أكثر من 25 ألف إنسان من مصابي المرض الذين شارف عددهم على بلوغ نصف مليون (حين كتابة تلك السطور)، يتوزعون على مختلِف بلدان العالم، وأكثر من مليار إنسان أجبرهم الفيروس على ملازمة بيوتهم، في حين تراءت حواضر أوروبا وغيرها خالية، وكأنها مدن أشباح. كان الوباء قد انتقل من الصين التي بدأت تعافيها، إلى أوروبا والولايات المتحدة، وكان يستبيح إيطاليا بسُعار يخلِّف مئات الضحايا يوميًّا، عارِضًا تراجيديا بالغة السواد، عن موتى يُقبَرون بلا وداع، وأطباء ينهارون ليس فقط من سحق الجهد الذي يبذلونه دون راحة، بل لإحساسهم الساحق بالعجز عن إنقاذ مرضى يختنقون بين أيديهم لعدم وجود ما يكفي من أجهزة التنفس الصناعي، وحيث لا أمل قريب في لقاح. ومن هذا السواد –ويا للغرابة- برزت لي إشارة مضيئة تقودني إلى كشف سر الربيع الذي غاب عني طويلًا، وفاجأني أخيرًا؟

     هذا الربيع المستجد في زمن كورونا المستجد، استدعى إلى ذهني مشاهد أخيرة لقنوات مدينة البندقية -فينسيا- وقد سكنت كل حركة للقوارب والزوارق على مياهها، بينما خلت أرصفتها من البشر. لقد فر السياح عائدين من حيث أتوا، وقبع أهل المدينة في منازلهم بعد استشراء الوباء في الشمال الإيطالي الذي تتبعه المدينة. كان مدهشًا هذا الصفاء المفاجئ لمياه قنوات البندقية، التي بدت منذ أيام قليلة -قبل غزو كورونا لإيطاليا- عكرةً منفرة الاعتكار، وقد فسر عمدة المدينة هذا التغير السريع العجيب، بأنه راجع إلى انقطاع حركة القوارب والزوارق على المياه، مما سمح للملوِّثات بالهبوط والترسُّب على القاع، منتظرةً عودة الحركة لتصعد وتعيد ما كان من كآبة المنظر. وفي المقابل، كان هناك أمر آخر يعوض ذلك الإحباط، فثمة ما يؤكد أن جودة هواء المدينة تحسنت بشكل ملحوظ، توثقه خرائط وصور وتحليلات معطيات أقمار صناعية -أوروبية وأمريكية- رصدت هذا التحسن في هواء الشمال الإيطالي من الفضاء. وتصادف أن معطيات تلك الأقمار الصناعية، كشفت لي ما وراء ذلك الربيع الذي غاب عن محيط مسكني عشرين سنة، وأخيرًا عاد!

***

credit: ©contains modified Copernicus Sentinel data (2019-20), processed by KNMI/ESA مستويات الغاز في الغلاف الجوي فوق المنطقة التي تغطي شمال إيطاليا

    بيانات القمر الصناعي سينتينيل- 5 )5 - (Sentinel التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، التي تعكس قياس تركيزات غازات الدفيئة والملوثات في الغلاف الجوي، أوضحت أنه بين 1 يناير و11 مارس من هذا العام، انخفضت تركيزات غاز ثاني أكسيد النيتروجين (NO2) فوق إيطاليا. وعن ذلك قال كلاوس زينر، مدير بعثة كوبرنيكوس سينتينيل 5 بي: "إن انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين فوق وادي بو في شمال إيطاليا واضح بشكل خاص، ويتزامن مع العزل المتسبب في انخفاض حركة المرور والأنشطة الصناعية."

     وفي الصين التي سبقت إيطاليا في الابتلاء بكورونا، أظهرت معلومات وصور القمر ذاته -سينتينل 5- انخفاضًا في مستويات الغاز في الغلاف الجوي فوق المنطقة التي تغطي بكين وووهان وما بينهما في شمال شرق الصين، مقارنةً بصور وبيانات مأخوذة بهذا القمر قبل شهر واحد. وتزامن ذلك مع تقليص شديد لحركة المرور في ووهان مع الحجر الصحي، وإيقاف حركة القطارات ووسائل النقل العام.

   أما في بريطانيا التي تأخرت كثيرًا عن اللحاق بركب التهيؤ لكوفيد- 19، حتى لحق هو بها وبرئيس وزرائها، فقد صدر عن موقع الاتحاد الأوروبي لمراقبة جودة الهواء AirQualityNow.eu أن لندن شهدت انخفاضًا في قراءات ثاني أكسيد النيتروجين في جميع الأنحاء، كما أفادت وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية أن مستويات تلوث الهواء كانت "منخفضة" في جميع أنحاء البلاد كذلك.

     وفي فرنسا، ذات القدرات الفضائية المعروفة، أشارت جريدة لوموند إلى أن التلوث انخفض في إقليم "إيل دو فرانس" بنحو 30% منذ بداية تطبيق الحجر الصحي العام وتدابير الاحتواء للحد من انتشار الفيروس، موضحةً أن جودة الهواء تحسَّنت، وتراجعت ملوِّثات الهواء المرتبطة بحركة المرور والسفر.

        وأخيرًا، في الولايات المتحدة، ووفقًا لبيانات تم التقاطها خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر مارس عبر الأقمار الصناعية التابعة لوكالة ناسا، ووكالة الفضاء الأوروبية، تَبيَّن انخفاض تلوث الهواء في جميع أنحاء البلاد، حيث فَرَض العديد من الولايات عمليات الإغلاق لمنع انتشار فيروس كورونا، وسجلت لوس أنجلوس ومدينة نيويورك -اللتان أُعلنتا منطقتي كوارث- انخفاضات ضخمة في مستويات ثاني أكسيد النيتروجين، كما حصلت كاليفورنيا على أكبر تحسُّن في جودة الهواء، وتحديدًا فوق منطقة "وسط الوادي"، التي نفَّذت إجراءات أكثر صرامةً للعزلة الاجتماعية.

***
     الملحوظ في كل هذه الجولة من أمل تحسُّن جودة الهواء بالارتباط مع انتشار فيروس كورونا المستجد خارج الصين، والتي تعتمد على معطيات الأقمار الصناعية الأمريكية والأوروبية، أنه، أولًا: تم التركيز على أوروبا والولايات المتحدة، اللتين تحولتا إلى ثاني بؤر انتشار الفيروس بعد الصين، بل فاقتاها في عدد المصابين والمتوفين، مما حتم التوسع في إجراءات العزل والغلق والحجر وانتشار البقاء الطوعي أو الجبري في البيوت، مما ارتبط بتقليص رحلات الطيران وحركة المرور بين المدن وداخلها إلى حدودٍ دنيا. وثانيًا: اعتُمِد على انخفاض غاز ثاني أكسيد النيتروجين في تحليل النتائج كمؤشر لتحسُّن جودة الهواء. فما معنى ذلك، وما علاقته بغيبة الربيع وعودته في منطقة المساحة بحي الدقي حيث أسكن؟

credit: Public domain  يتشكل غاز ثاني أكسيد النيتروجين عندما يتم حرق الوقود الأحفوري مثل الفحم أو النفط أو الغاز أو الديزل عند درجات حرارة عالية،


      بداية، يُعرَّف ثاني أكسيد النيتروجين بأنه ملوِّث غازي يكتسب في الحالة الطبيعية لونًا بنيًّا محمرًّا ذا رائحة نفاذة (وهذا يذكرني بلون غلالة التلوث التي حجبت عني الإحساس بالربيع لعشرين عامًا). وتُعتبر الانبعاثات المرورية هي المصدر الأساسي لهذا المُلوِّث (وهنا يهدر في خاطري صوت طاحونة السيارات التي ظلت تدهس أرض الشارعين المتقاطعين عند بيتي على امتداد عشرين عامًا دون هوادة ولا هدوء إلا من ساعة أو أقل عند الفجر، إلى أن أوقفها الخوف من كورونا المستجد وحدوث العزل الذي أبقى الناس داخل بيوتهم). وفي البحث عن مزيد من التفاصيل الخاصة بهذا الغاز الذي يظهر بُنيًّا محمرًّا في ضوء الشمس، نكتشف أن التركيزات العالية منه تشكل غيومًا شاسعةً من ضباب دخاني تتدلى فوق المدن الكُبرى. وقد فحص علماء "مختبر شمال غرب المحيط الهادئ الوطني لكيمياء الكربون البني" الدخان المنبعث عن إحراق المواد العضوية PNNL مجموعة ضارة من جسيمات هذا الضباب التي تتشكل مع "التولوين" الكيميائي (مادة هيدروكاربونية تضاف إلى الوقود كبديل للبنزين السام)، وزيادة التعرُّض لها تؤدي إلى تلف البشرة والعيون والجهاز العصبي، وتُحِدث حالات وفاة لأشخاص يستنشقونها بإرادتهم للشعور بالسُّكْر، ووجدوا أن إضافة القليل من أكسيد النيتروجين المنطلق في عادم محرك الاحتراق الداخلي في السيارات، أدت إلى تكوين جزيئات تحتجز بعض الحرارة، واكتشفوا أن تعريض هذا الغاز للضوء أحدثَ أكسدةً تُقلِّد عملية "الشيخوخة" الطبيعية التي تحدث في الغلاف الجوي. أو ما يمكن تسميته "صدأ الغلاف الجوي"، فهل هذا هو كل شيء عن ثاني أكسيد النيتروجين الذي أشتبه الآن في أنه مَن سرق الربيع في محيط بيتي لعشرين عامًا، أو على الأقل كان رئيس عصابة السُّرَّاق البيئيين؟!

***

    إن ثاني أكسيد النيتروجين، هو ملوِّث هواء غازي من مجموعة الغازات ذات الصلة المسماة أكاسيد النيتروجين، ويتشكل عندما يتم حرق الوقود الأحفوري مثل الفحم أو النفط أو الغاز أو الديزل عند درجات حرارة عالية، ويُسهِم في تلوث الجسيمات والتفاعلات الكيميائية التي تصنع الأوزون. وهو واحد من ستة ملوِّثات هواء واسعة الانتشار، ويمكن أن يتشكل أيضًا في بيئة داخلية عندما يتم حرق الوقود الأحفوري -مثل الخشب أو الغاز الطبيعي- في بيئة مغلقة. وهو يسبب مجموعة من التأثيرات الضارة للشعب الهوائية والرئتين، ويزيد من نوبات الربو عند الكبار، كما لا يتورع عن تسبيب نوبات الربو لدى الأطفال. وثمة أدلة على أن الأشخاص المصابين بسرطان الرئة يواجهون خطرًا أكبر من NO2، وقد ربطت الأبحاث الأحدث بين هذا الغاز وأمراض القلب والأوعية الدموية، وانخفاض وزن الأطفال حديثي الولادة، وزيادة خطر الوفاة المبكرة للمسنين. وهكذا ينكشف وجهه البني المحمر المعتم، ليس كمجرد سارق للربيع، بل كقاتل بطيء، أريب للبشر. فماذا نرى؟ وماذا نفعل؟

***

     الآن، ثمة مَن يقدِّر مردود انخفاض مستويات التلوُّث نتيجةً لإجراءات العزل والحجر والحظر الأخيرة، بإنقاذ حياة 4000 طفل دون سن الخامسة و73000 بالغ فوق السبعين في الصين وحدها، وهذا أكبر بكثير من عدد ضحايا كورونا المستجد، ليس في الصين فقط، بل في العالم كله (حتى الآن). ووفقًا لسارة دي ماتيس، من جامعة كالياري الإيطالية، فإن خفض مستويات التلوث على المدى الطويل سيساعد أيضًا في تقليل عدد الوفيات في أي جائحة مستقبلية، فمن خلال خفض مستويات تلوث الهواء، يمكننا مساعدة الأشخاص الأكثر ضعفًا في مكافحتهم للأوبئة المحتملة. ومن المفارقات الداعية إلى التفكُّر والتدبُّر أن تلوث الهواء الذي يؤدي فيه ثاني أكسيد النيتروجين دور رئيس العصابة، يسبب أكثر من أربعة ملايين وفاة مبكرة في العالم سنويًّا، وهذا يفوق أرقام ضحايا جائحة كوفيد 19 المُحتملين في أكثر السيناريوهات تشاؤمًا. وخلاصة ذلك، أن خفض تلوث الهواء، والتلوث البيئي عمومًا، أضحيا أكثر وضوحًا كوسيلة فعالة، ليس فقط لمنع سرقة الربيع، بل يقينًا لكف يد سرقة أرواح البشر، وغير البشر. بل إن هناك من وحي تراجيديا جائحة كورونا المستجد ما يفتح عيوننا وينبه بصائرنا إلى احتمال يبدو لي الآن واقعيًّا تمامًا، ويتمثل في مُحاجَجة تقول: إذا كانت الجائحة قد أدت إلى إجبار البشرية على اتخاذ إجراءات حجر وعزل وحظر لأسباب وقائية، وقادتنا هذه الإجراءات إلى اكتشاف ما يقلل التلوث الذي لا يكتفي بسرقة الربيع بل يسرق معه الأرواح، ألا ينبغي أن نفكر بتغيير أساليب حياتنا التي تراكم التلوث وتُضاعِفه؟

***

    سيظل السؤال الكبير العام معلقًا فوق رؤوسنا، ولا يقبل إلا إجابة فعل لا قول، ومن البشرية مجتمعة. وفي السياق ذاته، يبدو لي أن هناك تفريعة تطرح علينا التساؤل عن احتمال أضحى أقرب إلى الحقيقة، يقول: ألا يمكن أن يكون السلوك البشري المدمر للبيئة الفطرية، والمخل بالتوازن بين مكونات هذه البيئة من منظومة حياة وشبكة أحياء، هو الذي يدفع كائنات مثل الفيروسات وغيرها إلى الانفجار في نوبات استثنائية من الضراوة الدفاعية -الهجومية تُشكِّل جوائح فيروسية وغير فيروسية، لكف يد البشرية العابثة عن مزيد من نهمها الأناني المتغوِّل والمُستهتر؟.. خاطر ليس ببعيد عن الاحتمال العلمي، ويستحق وقفة أخرى للتأمل.

مُراجَعات