هل يمكن أن يشعر الشخص بالغربة أو بضيق وألم نفسي بعد 40 عامًا أو أكثر قضاها في وطنه الجديد الذي لجأ إليه وحصل على جنسيته وعاش فيه عقودًا طويلة؟!

حاولت دراسة كندية نشرتها دورية "إنترناشيونال جورنال أوف سوشيال سيكياتري" الإجابة عن السؤال السابق، إذ أظهرت النتائج أن "اللاجئين معرضون بشدة لاضطرابات صحية وعقلية سلبية في مراحل لاحقة من حياتهم".

اعتمدت الدراسة على بيانات من "دراسة كندية طولية للشيخوخة"، إذ عمل الباحثون على تحليل معلومات 244 لاجئًا و4765 مهاجرًا غير لاجئ و23149 من أبناء اللاجئين الذين وُلدوا في كندا، وتراوحت أعمار المشاركين بين 45 و85 عامًا.

والدراسة الكندية الطولية للشيخوخة (CLSA) هي دراسة تم إنشاؤها لتمكين الباحثين من فهم ومراقبة التفاعل المعقد بين المحددات الجسدية والاجتماعية والنفسية والصحية لدى السكان البالغين مع مرور الوقت، وتستهدف فحص الشيخوخة كعملية ديناميكية، وتتبُّع التحولات والمسارات والملامح الخاصة بالشيخوخة؛ بهدف توفير "الشيخوخة الناجحة" لكبار السن، وتوفير الإمكانيات والقدرات والبنية التحتية اللازمة لإجراء أبحاث مستدامة عالية الجودة حول الشيخوخة في كندا.

وتُعرف الشيخوخة الناجحةsuccessful ageing  بأنها "القـدرة علـى المحافظـة والاستمرار على أداء الأدوار والنشاطات والعلاقات في مرحلة التقاعد، بحيث يمكن للشخص التكيف مع هذه المرحلة من عمره من خلال إعطاء وقت أكبر للأدوار التي كان يزاولها قبـلها، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالرضى عن الحياة والمعيشة في مرحلة الشيخوخة".

وخلال السنوات الماضية فرض مفهوم الشيخوخة الناجحة نفسه باعتباره "مفهومًا مهمًّا لوصف جودة الشيخوخة، وتطور المفهوم من نهج طبي حيوي إلى فهم أوسع لعمليات التكيُّف الاجتماعي والنفسي في هذه المرحلة".

قياس الاضطراب النفسي

كشفت نتائج الدراسة عن أن "23.8% من اللاجئين يعانون من ضائقة نفسية، مقارنةً بـ12.6% من المهاجرين غير اللاجئين و12.8% من المولودين في كندا". اعتمد الباحثون على "مقياس كيسلر لتقييم الاكتئاب والاضطراب النفسي"، الذي يُعَد طريقةً جيدةً لتقييم الحالة العاطفية للأفراد، وهو مقياس يتضمن الإجابة عن عشرة أسئلة تقيس مشاعر الفرد خلال الثلاثين يومًا السابقة على إجرائه.

وتشمل تلك الأسئلة عدد المرات التي شعر فيها الشخص بالتعب دون سبب وجيه، وتلك التي شعر فيها بالتوتر، وعدد مرات شعوره بالتوتر لدرجة أنه لا يوجد شيء يمكن أن يهدئه، وكم مرة شعر فيها باليأس، وعدد المرات التي أحس فيها بالضيق أو القلق، وتلك التي انتابه فيها القلق لدرجة أنه لم يستطع الجلوس، وعدد المرات التي أحس فيها بالاكتئاب، وكم مرةً شعر بأن كل شيء كان مجهدًا، وتلك التي أحس فيها بـأنه حزين وأن أي شيء لا يمكن أن يجعله يفرح، وكم مرةً شعر بأنه شخص عديم القيمة.

وتتراوح درجات الإجابة عن تلك الأسئلة بين "لا يحدث مطلقًا" و"يحدث طوال الوقت"، وتساعد إجابات الشخص عن هذه الأسئلة في جمع معلومات عن حالته الراهنة وإقامة حوار مثمر معه، بما يساعد على التدخل المبكر لمواجهة المشكلات النفسية التي قد يعاني منها الشخص، ورفع مستوى وعيه بتداعيات الاكتئاب والقلق، وكذلك مساعدة المتخصصين على وضع إستراتيجيات للوقاية النفسية في المستقبل.

وبالرغم من أن متوسط ​​الوقت الذي عاشه اللاجئون الذين خضعوا للدراسة في كندا كان أكثر من 4 عقود، إلا أن واحدًا من كل أربعة منهم ما زال يعاني من "ضائقة نفسية" كبيرة، رغم مرور كل هذا الوقت، في حين بلغت معدلات الضيق النفسي لدى اللاجئين ضِعف نظيرتها عند المهاجرين من غير اللاجئين.

وأرجع الباحثون السبب في ذلك إلى الصدمات النفسية التي عاشها اللاجئون في مرحلة ما قبل الهجرة، والتي رأوا أنها قد تكون السبب وراء ارتفاع مستويات الضغط النفسي لديهم.

ويرتبط الضيق النفسي بمجموعة من النتائج التى تنعكس سلبيًّا على صحة الأفراد، تتضمن انخفاض جودة الحياة وزيادة احتمالات المخاطر المؤدية إلى الوفاة المبكرة. ويشير إلى "تراكم المشاعر السلبية دون تعامل سليم معها، وقد تؤدي استمراريته -وسوء التعامل معه- إلى أمراض نفسية".

نتائج صادمة

وجدت الدراسة عددًا من النتائج المهمة الأخرى، إذ كشفت عن أن "الأفراد الذين لا يتمتعون بدعم اجتماعي كانوا أكثر عرضةً للإصابة باضطرابات نفسية، مقارنةً بمَن يتمتعون ببعض الدعم الاجتماعي، وأن أكثر من ربع اللاجئين الذين شملتهم الدراسة ليس لديهم أي شخص يمكن أن يثقوا به بصورة دائمة، وليس لديهم شخص يمكنهم اللجوء إليه للحصول على المشورة في أي أزمة، وأن واحدًا من كل خمسة لاجئين لم يكن لديه أي شخص يُظهر له الحب أو الاهتمام على نحوٍ منتظم".

ونوهت الدراسة بأن "معدل انتشار الضيق النفسي لدى اللاجئين البالغين الأكبر سنًّا والأقل تعليمًا كان أعلى، وأن النساء والأقليات -خاصةً السود- أكثر تعرُّضًا للإصابة بالضيق النفسي من الرجال والبيض".

كما ارتبط اللجوء إلى وطن بديل بتزايُد المعاناة من الاضطرابات النفسية كغيره من العوامل المهمة الأخرى المرتبطة بالضيق النفسي، مثل اختلاف الجنس، ووضع الأقليات، وانخفاض دخل الأسرة، وعدم الحصول على درجة جامعية، والأمراض المتعددة، والألم المزمن، ونقص الدعم الاجتماعي.

الدعم الاجتماعي

تقول هونجمي تونج، الأستاذ المساعد بقسم الخدمة الاجتماعية بجامعة "ماك إيوان" الكندية، والباحثة الرئيسية في الدراسة: إن "النقص الشديد في الدعم الاجتماعي والصدمات التي يعيشها اللاجئون في مرحلة ما قبل الهجرة من الأسباب الرئيسية التي تجعل اللاجئين يمرون بأزمات نفسية كبيرة".

تضيف "تونج" في تصريحات لـ"للعلم" أن "الدعم الاجتماعي مهم للغاية لحماية الصحة النفسية، سواء بالنسبة لعينة البحث التي خضعت للدراسة أو لكل اللاجئين بصورة عامة، ويجب أن تستهدف السياسات والتدخلات التي تعالج الضيق النفسي بين الكنديين في منتصف العمر اللاجئين وغيرهم من الفئات الضعيفة".

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول إذا ما كان اللاجئون لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية يعانون نفسيًّا بالدرجة نفسها التي يعاني منها اللاجئون الفارون من الحروب؟

تقول "تونج": "ليس لدينا بيانات عن الأسباب التي دفعت كل شخص على حدة للجوء إلى وطن بديل، لذا لا يمكننا التفريق بين ما إذا كان اللاجئون لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية يعانون نفسيًّا على المستوى نفسه أم لا، وذلك مقارنةً باللاجئين الفارين من الحروب".

تبايُنات كبيرة

وتتفق نتائج الدراسة مع نتائج دراسات أخرى تؤكد أن "عوامل الضغط التي يتعرض لها اللاجئون تظل موجودةً في البلدان المضيفة كذلك، مثل سوء الأوضاع المعيشية، وإعادة التوطين بصورة متكررة، والإقصاء الاجتماعي، والعداء تجاه اللاجئين لكونهم أجانب"، مشددةً على أن خطر إصابة المهاجرين باضطرابات نفسية يزيد تدريجيًّا بزيادة عدد الصدمات التي مروا بها.

كما تشير دراسة نشرتها دورية "بي إم جيه" (BMJ) إلى أن "اللاجئين يكونون أكثر تعرُّضًا للإصابة بالفصام والاضطرابات الذهنية والأمراض النفسية الأخرى، مقارنةً بغيرهم من المهاجرين".

لكن نتائج الدراسة تصطدم -في الوقت ذاته- بنتائج دراسة كندية سابقة اعتمدت على تحليل بيانات 26991 مقيمًا كنديًّا تتراوح أعمارهم بين 45 و85 عامًا؛ إذ خضعوا لاستبانة حول مدى تعرُّضهم لاضطراب القلق، وكان عليهم الإجابة عن أسئلة مثل: هل أخبرك طبيب يومًا ما بأنك تعاني من اضطراب القلق أو اضطراب الوسواس القهري أو اضطراب الهلع؟

وانتهى الباحثون إلى أنه "على الرغم من أن اللاجئين يواجهون صعوبات شديدة مقارنةً بغير المهاجرين، إلا أن معدلات القلق لدى اللاجئين تقل بنسبة 30% عن مثيلاتها لدى البالغين المولودين في كندا".

وذكر 8.5٪ من عينة البحث أنه تم تشخيص إصابتهم بـ"اضطرابات القلق" –مثل اضطراب القلق العام، واضطراب القلق الاجتماعي (الرهاب الاجتماعي)، والرهاب المحدد، واضطراب قلق الانفصال- في مرحلةٍ ما من حياتهم.

وأرجع الباحثون ذلك إلى عدة تفسيرات، منها ما سمَّوه "تأثير المهاجرين الصحيين"؛ إذ تستخدم كندا نظام الهجرة القائم على النقاط، الذي يصنِّف أهلية الشخص للهجرة إلى كندا وفقًا لمهاراته ومؤهلاته، ويتمتع الذين تم قبولهم للهجرة عمومًا بتعليمٍ عالٍ وخبرة عمل أفضل، وهي صفات قد تقلل من قابليتهم للإصابة باضطرابات القلق.

عوامل اجتماعية

من جهته، يرى إسماعيل صادق -أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية- أن "اللاجئين الأقل تعليمًا هم الأكثر تمسُّكًا بالعادات والتقاليد والعشائرية والقبلية، وبالتالي يجدون صعوبةً في التأقلم مع المجتمع الذي لجأوا أو هاجروا إليه، ما يجعلهم يشعرون بضيق وأزمات نفسية".

ويضيف "صادق" في تصريحات لـ"للعلم": يعقد الفرد مقارناتٍ كبيرةً بين عاداته وتقاليده والعرف السائد في وطنه القديم ووطنه الجديد، ويؤدي شعوره بتباين الأفكار والتقاليد بين الوطنين إلى صدمات من شأنها أن تصيبه بأزمات نفسية متتالية.

ويتابع: لو أرادت ابنة أحد اللاجئين مجاراة النسق السائد في بعض المجتمعات الغربية بأن يكون لها "بوي فريند" –على سبيل المثال- فإن ذلك قد يصيب الأب بصدمة يتبعها شعور بضيق وألم نفسي؛ بسبب عدم قدرته على التأقلم مع واقع حياته الجديد.

ويضيف أن "توافر الدعم الاجتماعي والتواصل الاجتماعي من عوامل السلامة النفسية، وأن غياب الدعم والتواصل الاجتماعي يترك آثارًا سلبيةً على اللاجئين، فالمجتمعات الغربية مجتمعات فردية؛ حيث يمكن للفتاة أن تعيش بمفردها وتترك منزل والدها وكذلك الشاب، في حين أن حياتنا -في المجتمعات الشرقية- ترتكز علي العلاقات الجماعية، سواء في البيت أو في العمل، حيث يجد الشخص نفسه محاطًا بأصدقائه وأفراد عائلته وغيرهم من الأناس المحيطين به".

ويعزو "صادق" تراجُع تأثر شباب اللاجئين بالأزمات النفسية –وفق ما انتهت إليه الدراسة الجديدة- إلى أن "الشباب في كل مكان هم الأكثر قدرةً على التكيُّف والتحمُّل ومواجهة تحديات الحياة".

وبالنسبة لتزايد التداعيات السلبية للجوء على أصحاب البشرة السوداء، يقول "صادق": "إن أصحاب البشرة السوداء يواجهون مشكلتين: الأولى تتمثل في "لون البشرة"، والثانية في أن كثيرًا منهم يعاني من "ضعف التعليم"، مشددًا على أن "الأقل تعليمًا بين اللاجئين هم الأكثر عرضةً للمعاناة من الاضطرابات النفسية؛ لأنهم سيعملون في مهن صعبة، ولن تدر عليهم دخلًا كافيًا"، وفق قوله.

وعما إذا كان الحنين إلى الوطن يمكن أن يكون من أسباب الضيق النفسي لدى اللاجئين، يقول "صادق": بطبيعة الحال، من شأن الحنين إلى الوطن بكل ما فيه، وعدم القدرة على الرجوع إليه سواء بسب الحروب أو لأسباب سياسية أو اقتصادية، أن يسبب ألمًا نفسيًّا كبيرًا لـ"اللاجئين".

ويتابع: إسرائيل –على سبيل المثال- مكونة من ٩٩ عرقًا وجنسًا، وهناك يهود لم يكن لديهم رغبة في الذهاب إلى إسرائيل ولكنهم أُجبروا على الهجرة إليها، وبعضهم من اليهود المصريين وتجدهم يتحدثون على يوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي عن الفلافل والباذنجان، وهذا يعكس حنينًا داخليًّا للوطن الأصلي.