كشفت دراسة علمية نفذها باحثون من جامعة "فيرجينيا" الأمريكية أن الجهاز العصبي الطرفي التالف قادر على إصلاح نفسه عن طريق "خلايا مهاجرة" تستوطن الجهاز العصبي المركزي.

وينقسم الجهاز العصبي إلى قسمين: الأول هو الجهاز العصبي المركزي، الذي يتكون من الدماغ والحبل الشوكي، أما الثاني فهو الجهاز العصبي الطرفي، الذي يتألف من جميع أجزاء الجهاز العصبي الموجودة خارج الدماغ والحبل الشوكي.

ويتسبب تلف الجهاز العصبي الطرفي في مجموعة من الاضطرابات المهددة للحياة، مثل "الحثل العضلي"، وهو مجموعة من الأمراض التي تسبب ضعفًا تدريجيًّا في العضلات وفقدانًا لكتلتها، كما تتسبب في تلف الألياف العضلية الهيكلية، و"متلازمة جيلان باريه"، وهي عبارة عن اضطراب نادر يتمثل في مهاجمة الجهاز المناعي للأعصاب والأعصاب الطَّرَفيَّة وجذورها، وخاصةً الأعصاب الحركية، وغيرها من الأمراض التي تُصيب الأطفال والكبار على السواء.

ووجد الباحثون في الدراسة، التي نشرتها دورية "سيل ريبورتس" (Cell Reports) اليوم "الثلاثاء"، 2 إبريل، أن تلف الجهاز العصبي الطرفي قابل للإصلاح بشكل ذاتي، بشرط السماح لنوع معين من الخلايا الدبقية يُسمى "الخلايا الدبقية قليلة التغضن"، بالهجرة من الجهاز العصبي المركزي إلى الجهاز العصبي الطرفي.

وتُوجد الخلايا الدبقية قليلة التغضن في المادة البيضاء والرمادية الموجودة داخل الدماغ، وهي خلايا متوسطة الحجم ذات امتدادات قليلة العدد تُشارك في دعم عصبونات الجهاز العصبي المركزي، وهي عبارة عن "غراء" يربط مادة الدماغ بعضها ببعض، ولها دور في إصلاح وتجديد الخلايا العصبية المتضررة من جَرَّاء الأمراض المختلفة، غير أنها لا تتحرك خارج محيطها على الإطلاق.

ولأن تلك الخلايا لها دورٌ كبيرٌ في إصلاح عصبونات الجهاز العصبي المركزي، افترض الباحثون أن لها قدرةً على إصلاح الجهاز العصبي الطرفي، فقاموا بتعطيل مجموعة من الآليات المحددة للنشاط العصبي في الجهاز العصبي المركزي؛ لتهاجر الخلايا الدبقية قليلة التغضن خارج حدودها وصولًا إلى الأعصاب الحرجة الموجودة في الجهاز العصبي الطرفي، لتدعم المناطق المتضررة منه، وتُصلح -بشكل ذاتي- الخلايا التالفة.

وقامت تلك الخلايا بصناعة "المايلين"، وهي طبقة من البروتين والمواد الدهنية التي تعمل كشريط يعزل المحاور العصبية التي تنقل الإشارات الكهربائية من خلية إلى أخرى. وحين تحدث الأمراض العصبية والتنكسية، تذوب الطبقة التي تعزل تلك العصبونات، فتتداخل الإشارات وتتعطل على طول الجهاز العصبي، الأمر الذي ينجم عنه الإصابة بالمرض العصبي.

من جهتها، تقول "سارة كوسيناس" -أستاذ بيولوجيا الخلايا وعلوم الأعصاب بجامعة فيرجينيا، والمؤلف الأول للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن انتقال الخلايا الدبقية قليلة التغضن إلى الجهاز العصبي الطرفي ساعد في تكوين المايلين، وبالتالي أصلح الجهاز العصبي الطرفي نفسه، وانتظمت الإشارات الكهربائية، وهو أمر مذهل".

وتضيف "كوسيناس" أن "استخدام الطرق الكيميائية لتحفيز هجرة الخلايا الدبقية قليلة التغضن إلى الجهاز العصبي الطرفي يُمكن أن يسهم في علاج أمراض الطفولة التنكسية والعصبية".

أجرى الباحثون تجاربهم على سمكة الزرد، وهي نوع من أنواع الأسماك الفقارية التي تعيش في المياه العذبة وتتشابه مع البشر بنسبة حوالي 80% من جينات جهازها العصبي. إذ قام الباحثون بتعطيل الآلية المسؤولة عن "حبس" الخلايا الدبقية قليلة التغضن في الجهاز العصبي المركزي، ثم قاموا بتعديل جينات "الزرد" لعمل نمذجة لأمراض الحثل العصبي ومتلازمة جيلان باريه.

تقول "كوسيناس": "إن الدراسة استمرت أكثر من خمس سنوات كاملة، وراقبنا فيها مئات من أسماك الزرد المعدلة وراثيًّا لمعرفة مدى تأثرها بانتقال الخلايا الدبقية خارج حدود أدمغتها، ووجدنا أن الخلايا الدبقية قليلة التغضن هاجرت إلى الأماكن التالفة في الجهاز العصبي الطرفي، وهذه النتائج تؤكد المرونة المذهلة للجهاز العصبي، والتي يُمكن أن تعطيه قدرة هائلة على إصلاح ذاته"، مضيفةً: "علينا فقط أن نفتح باب الهجرة أمام تلك الخلايا".