بإمكان البحث العلمي أن يُقدم الحل الأقل كُلفةً والأطول استدامةً للمشكلات التي يعاني منها المجتمع. انطلاقًا من هذه القاعدة المهمة، وقَّعت أكاديمية البحث العلمي في مصر وكلية الهندسة بجامعة الزقازيق بروتوكول تعاون لتنفيذ مشروع "تخفيض منسوب المياه الجوفية" في مدينة أسوان في مارس 2016.

حققت المرحلة الأولى من المشروع أهدافها بنجاح، وهي الانتهاء من دراسة توصيف جوانب المشكلة وتشخيص الأسباب واقتراح الحلول المناسبة، أما المرحلة الثانية فبدأت في نوفمبر الماضي (2018)، وتتضمن إعداد المستندات الهندسية والتعاقدية اللازمة لتنفيذ الحلول، لتبدأ بعدها المرحلة الثالثة وهي التنفيذ والتشغيل وتقييم النتائج.

شارك في الدراسة الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، وجامعة أسوان، ومعهد بحوث المياه الجوفية التابع للمركز القومي لبحوث المياه بوزارة الري.

يقول "صلاح بيومي"، أستاذ الهندسة بجامعة الزقازيق والباحث الرئيسي للمشروع ونائب رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، في مقابلة مع "للعلم": إن المرحلة الأولى استمرت نحو العام، قمنا خلالها بتحليل الدراسات السابقة، وحفر 35 بئرًا استكشافية داخل المناطق المتضررة لرصد أعماق ومناسيب المياه الجوفية وتقييم نوعيتها.

وتوصل الفريق البحثي إلى عدة أسباب نتج عنها ارتفاع منسوب المياه الجوفية بالمناطق المختلفة بمدينة أسوان، والذي تراوح بين 5 سم إلى 2.83 متر، ومن أهمها الري بالغمر في الأراضي الزراعية بمناطق الشلال وكيما، ما أدى لتسرُّب مياه الصرف الزراعي بما تحمله من أسمدة ومبيدات إلى داخل الخزان الجوفي بالمنطقة، إضافةً إلى التسرب الطبيعي للمياه من الحبس (البحيرة المحصورة بين السد العالي وخزان أسوان)، فضلًا عن تسرُّب مياه ملوثة بفضلات الأسماك للخزان الجوفي من مفرخ سمكي مجاور للمدينة.

ويضيف "بيومي" أن كل هذه الأسباب أسهَمَت في ارتفاع منسوب المياه الجوفية في مدينة أسوان، مما أدى إلى مشكلات بيئية متعددة، منها تضرُّر المناطق الزراعية نتيجة انهيار خواص التربة، وارتفاع الأملاح الذائبة فيها، وتضرُّر المناطق السكنية، وظهور العديد من البِرَك الصغيرة ومناطق النشع، خاصةً في المناطق المنخفضة.

وحصرت الدراسات والأبحاث الحقلية 16 منطقةً متضرِّرةً بمياه الرشح داخل المحافظة، ومنها مساكن كيما، وأرشكول، والمناصيرية، والمحمدية، وطريق الكورنيش، وطريق الشلال.

تضمنت المرحلة الأولى أيضًا عمل نموذج رياضي (محاكاة) بهدف تحسين الظروف البيئية وعرض خطة مستقبلية للإدارة المتكاملة للموارد المائية بالمنطقة، وأوضحت نتائجه إمكانية خفض منسوب المياه الجوفية بحوالي متر باستخدام مجموعة من السياسات المقترحة.

ويشير "بيومي" إلى أن هناك عدة بدائل مطروحة للحل: أبرزها حفر شبكات من الآبار بمناطق مختلفة وضخ المياه منها بكميات محددة وصرفها بعد عمل المعالجة اللازمة لها، وهناك أيضًا عدة بدائل لإعادة استخدامها سواء في الشرب أو الزراعة أو في أجهزة التبريد (المكيفات) وفق مدى صلاحيتها، قائلًا: "نحن في وقت تتعاظم فيه أهمية كل قطرة من المياه".

محررة العلم خلال إجراء حوار مع الباحث الرئيسي للدراسة د. صلاح بيومي

وقال إنهم خلال المرحلة الثانية -والتي تصل مدتها إلى 9 أشهر- سيعملون على اختيار موقعين من المناطق الأكثر تضررًا لتجربة هذه البدائل والتوصُّل إلى أفضلها قبل بدء مرحلة التنفيذ ومدتها 6 أشهر.

وأشار إلى أن الدراسة ستقدم توصيات لعدة جهات معنية بالمشكلة لتقديم رؤيتها لتقليل أسباب التسرُّب، كوزارتي الزراعة والري، مشددًا على أن التجربة قابلة للتعميم والتطبيق في مدن مصرية أخرى تعاني المشكلة نفسها بعد الانتهاء من المرحلتين الأخيرتين وتحقيق النتائج المرجوة.

مشكلات صحية وبيئية

وتبنَّت أكاديمية البحث العلمي تمويل المشروع لما استشعرته من خطر ظهر في الآونة الأخيرة مع ارتفاع منسوب المياه الجوفية في عدد من المواقع بمدينة أسوان.. وفقًا لـ"محمود صقر"، رئيس الأكاديمية، الذي يضيف لـ"للعلم": إن ارتفاع منسوب المياه الجوفية بالمناطق المختلفة بالمدينة تسبَّب في ظهور مشكلات بيئية متعددة، ومنها تأثُّر المناطق الزراعية والسكنية وظهور العديد من البِرَك الصغيرة ومناطق النشع خاصةً في المناطق المختلفة، مما أدى إلى ترك الأهالي للأدوار السفلى في بعض البيوت، مشيرًا إلى أنه من الصعب حصر تكلفة الخسائر التي لحقت بالمدينة من جَرَّاء هذه المشكلة.

ويقول "صقر" إنه بعد تحقيق المرحلة الأولى من المشروع أهدافها بنجاح، وضعنا ميزانيةً قدرها 2 مليون جنيه للمرحلة الثانية لإعداد جميع ما يلزم من دراسات وتصميمات هندسية ومواصفات فنية وجداول لتحديد كميات جميع عناصر ومكونات الحلول الفنية المختلفة القابلة للتطبيق في موقع الدراسة.

وأشار إلى أن الجدول الزمني للمرحلة الثانية ينقسم إلى 6 حزم من الأعمال، الأولى تستهدف تحليل كافة البيانات والمعلومات التي تم الحصول عليها خلال المرحلة "الأولى" من المشروع، ومراجعة ما نُشر عن حلول لمشكلات مماثلة سواءٌ عالميًّا أو بمنطقة الدراسة، وأيضًا زيارة ميدانية لمعاينة المناطق المتضررة ذات الأولوية، وتشمل الحزمة الثانية الدراسات والأعمال الميدانية اللازمة، في حين تقدم الثالثة التصميمات والرسومات الهندسية والمواصفات الفنية لجميع عناصر ومكونات الحلول الفنية المختلفة، أما الرابعة فتشمل إدارة المياه المستخرَجة واستخدامها لأغراض التنمية المستدامة في المنطقة، والخامسة ستقدم وسائل التخفيف من ارتفاع منسوب المياه الجوفية من خلال التعامل مع الأسباب الفعلية للمشكلة، وأخيرًا مرحلة التقييم البيئي لتنفيذ الحل القابل للتطبيق لخفض منسوب المياه الجوفية في مدينة أسوان وعمل نموذج تجريبي لأكثر منطقتين متضررتين .

ويتوقع أن تنعكس نتائج هذا المشروع على تحسين صحة السكان والظروف البيئية المحيطة بهم، وحماية المباني، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

مستويات التحول إلى الخطورة

أوضحت دراسات عديدة أُجريت على المشكلة أنه من الصعب تحديد المعيار الذي تتحول عنده العمليات المختلفة الناتجة عن ارتفاع منسوب المياه الأرضية إلى خطر طبيعي؛ لما يتسم به من نقيضيين هما الفجائية والتدرُّج.

ومنطقة الدراسة عباره عن شبه جزيرة عنقودية الشكل تقريبًا يحيط بها النيل من الغرب والشمال الغربي بطول حوالي 105 كم، ومن الجنوب الشرقي تحيطها البحيرة الواقعة بين السد العالي وخزان أسوان (الحبس)، وتبلغ مساحة محافظة أسوان حوالي 63 كم2.

ويغلب على مدينة أسوان صفات المناخ القاري؛ فهو حار صيفًا ومعتدل شتاءً. ويوثر المناخ بشكل مباشر في الظواهر التي تحدث بالمنطقة من نشع المياه الجوفية؛ إذ يزيد في الشتاء عنها فى الصيف بسبب انخفاض درجة الحرارة وقلة معدلات البخر في الشتاء.

وينخفض المنسوب الطوبوغرافي في الجزء الشمالي وعلى شاطئ النيل غرب مدينة أسوان، وينخفض من الشرق عند منطقة بركة كيما ليتراوح بين 85– 100 متر، والتي تظهر بها البرك ومناطق النشع، ثم يرتفع ليصل إلى 175م وسط منطقة الدراسة وعند الجنوب، مكونةً في حدود 140– 001 متر.

وقد أسهَمَ انخفاض منسوب سطح الأرض على الجانب الشرقي للنيل وأيضًا ناحية الشرق بمنطقة كيما في ارتفاع منسوب المياه الجوفية.

وتُوجَد الأماكن المتضررة بجوار أماكن مرتفعة طبوغرافيًّا، وهي عبارة عن مساحات رطبة أو مبللة كبيرة، وأسهَمَ انخفاض منسوب سطح الأرض على الجانب الشرقي للنيل وناحية الشرق بشركة كيما في ارتفاع منسوب المياه الجوفية بها.

ومن الثمار المرجوَّة من نجاح مبادرة مدينة أسوان، تشجيع صناع القرار على التوسع في إجراء مثل هذه البروتوكولات التي تسمح للعلم بتشخيص مشكلات المجتمع ووصف الترياق المناسب.

يقول "عباس شراقي"، رئيس قسم الموارد الطبيعية بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة: إن السبب الرئيسي لمشكلة ارتفاع منسوب المياه الجوفية في المناطق المختلفة في مصر عمومًا، لا سيما منطقة الدلتا، هو الري بطريقة الغمر، والذي يستهلك كميةً كبيرةً من المياه ويتسرب جزء منها للمياه الجوفية، إضافةً إلى اعتماد كثير من القرى على نظام الترانشات وغياب شبكات الصرف الصحي، ما يؤدي إلى تسرُّب جزء من الصرف المنزلي للخزان الجوفي، وهو ما يتسبب في تلوث شديد للمياه، ناهيك بارتفاع منسوب المياه الجوفية.

ويضيف أن الخزانات الجوفية في الدلتا معظمها ملوث؛ لاختلاطه بمياه الصرف في المنازل، خاصةً مع ارتفاع الكثافة السكانية في القرى.

ويتفق شراقي مع الحلول التي أوردتها دراسة أسوان، ولكنه يرى أن مربط الفرس هو تغطية كافة القرى بشبكات صرف صحي؛ لعدم استمرار المشكلة مستقبلًا.

خريطة مفصلة

ورسمت دراسة بعنوان "ارتفاع مستوى المياه الأرضية كخطر طبيعي في بعض قرى ومدن مصر من منظور جيومورفولوجي" خريطةً لمناطق الخطر التي تأثرت من ارتفاع منسوب المياه الأرضية في مصر، تضمنت: الساحل الشمالي الغربي (أجزاء من مدينة الإسكندرية، منطقة مارينا، مرسى مطروح)، والصحراء الغربية (إسنا، الأقصر، واحة الداخلة، واحة سيوة)، والصحراء الشرقية (الصف، الكريمات)، وخليج السويس (أجزاء من مدينة السويس والعين السخنة)، والدلتا-المراكز الحضرية (بنها وقليوب، شبين الكوم، مدينة السادات، مركز طنطا، مركز المنصورة، مركز طلخا، مركز الزقازيق)، وعدة مناطق بمحافظتي القاهرة والجيزة (منطقة مصر القديمة، منطقة أبو الهول والأهرامات، بعض المواقع في مدينة نصر ومصر الجديدة، المعصرة، المبتديان، عابدين، شبرا).

ويقول "علي مصطفى المرغني" -مؤلف الدراسة وأستاذ الجيومورفولوجيا والخرائط بجامعة بنها- لـ"للعلم": إن أهم سببين لارتفاع منسوب المياه الجوفية في مصر هما غياب شبكات الصرف الصحي في كثير من القرى المصرية، ومن ثم تسرُّب مياه الصرف المنزلي الملوثة إلى الخزان الجوفي، وكذلك الري بالغمر، الذي يؤدي بدوره إلى تسرُّب المياه المحملة بالمبيدات والأسمدة ورفع منسوب المياه الجوفية.

وتبلغ نسبة السكان المتصلة بشبكة صرف صحي في الريف المصري 12% فقط. ويستهدف البرنامج القومي للصرف الصحي في المناطق الريفية والمدعوم من البنك الدولي تحقيق تغطية نسبة 100% من خدمات الصرف الصحي بحلول عام 2037.

ويدور محور التركيز المبدئي للحكومة المصرية الآن على 769 قرية (من إجمالي نحو 80% من القرى المحرومة من الصرف) في 7 محافظات تقوم بتصريف مياه الصرف غير المعالجة في ترعة السلام وفرع رشيد، وهي البحيرة والدقهلية والشرقية ودمياط والجيزة والمنوفية والغربية.

وتشمل المرحلة الأولى التي انطلقت عام 2016 ومن المفترض أن تنتهي عام 2020 عدد 155 قريةً في ثلاث محافظات هي البحيرة والدقهلية والشرقية، وفق الوثائق الخاصة بتقييم المشروع، والتي حصلت مُعدَّة التقرير على نسخة منها.

من جانبه، يتفق "المرغني" مع الحل الذي طرحته دراسة أسوان في ضرورة استغلال المياه التي يتم سحبها في الزراعة أو غيرها من الاستخدامات التي تضمن عدم هدر المياه، مع ضرورة التعامل مع المسبب الأساسي للمشكلة لضمان عدم تكرارها مستقبلًا، وهو ما يستوجب تغيير طريقة الري بالغمر، والذي يتطلب بدوره تغيير التركيب المحصولي المائي (نسبة حجم الماء التي استخدمها كل محصول إلى جملة مياه الري المستخدمة في الحقل خلال السنة الزراعية) ليتماشى مع ذلك، إضافةً إلى عمل شبكات صرف صحي للقرى التي لا تزال تعتمد على الطرانشات.

ويقول "أحمد صابر"، أستاذ الجغرافيا الطبيعية بجامعة بورسعيد، لـ"للعلم": إن دراسة المشكلة بطريقة علمية يضمن أن تحدث عملية سحب المياه بطريقة آمنة عبر حساب كمية المياه التي سيتم سحبها بدقة بما لا يؤثر على البنية التحتية؛ لأن السحب العشوائي يمكن أن يؤدي إلى هبوط التربة أو سقوط المباني.

ويضيف أن تشخيص الأسباب بدقة يجعلنا قادرين على التعامل معها، سواء كانت المشكلة في الافتقار إلى شبكات صرف صحي أو تسرُّب مياه البحر إلى الخزان الجوفي كما يحدث في عدد من المناطق الساحلية أو غيرها من مصادر التسرب.