فتحت دراسة بريطانية البابَ أمام مسارات علاجية مبتكرة لمواجهة الآثار الناجمة عن اختلال "الساعة البيولوجية" للجسم، محذرةً من أن تعطيل إيقاعها، عن طريق العمل أو التنقل عبر مناطق زمنية متباينة التوقيت، يمكن أن يكون ضارًّا بالصحة.

و"الساعة البيولوجية" هي دورة تستمر لمدة 24 ساعة، وتحدث في كل خلية من خلايا الجسم على حدة، وتتحكم في الإيقاعات اليومية التي ترتبط بوظائف الأعضاء، بدءًا من مستويات الهرمونات وانتهاءً بكيفية الاستجابة للدواء، وتساعد على تنظيم أنماط النوم، وسلوكيات التغذية، وتدفُّق الهرمونات، وضغط الدم، ودرجة حرارة الجسم، وغيرها من العمليات الحيوية الأساسية.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية "سيل" (Cell)، اليوم "الخميس"، 25 إبريل، أن "الأنسولين يعمل كإشارة أساسية تساعد على توصيل توقيت وجبات الطعام إلى الساعات الخلوية الموجودة في جميع أنحاء الجسم".

وأظهرت النتائج أن "الأنسولين -وهو هرمون ينطلق عندما نتناول الطعام- يعدل إيقاعات الساعة البيولوجية للعديد من الخلايا والأنسجة على حدة، مما يحفز إنتاج بروتين يسمى PERIOD، وهو ترس أساسي في الساعة اليومية لكل خلية".

قام الباحثون بحَقن مجموعة من فئران التجارب بالأنسولين في توقيت بيولوجي "خطأ"؛ إذ حقنوها به في وقت كانت الفئران تشعر فيه باسترخاء، وتَسبَّب ذلك في إختلال إيقاعات الساعة البيولوجية الطبيعية لديها، وأدى إلى تقليل قدرتها على التمييز بين الليل والنهار.

تقول "بريا كروسبي" -باحثة ما بعد الدكتوراة بمختبر البيولوجيا الجزيئية في مجلس البحوث الطبية والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "لسنوات طويلة، سادت فرضية أنَّ تناوُل الطعام في "الوقت الخطأ" (في أثناء الليل للبشر) يمكن أن يكون ضارًّا لكلٍّ من الساعة اليومية والصحة طويلة الأجل للبشر، ومع ذلك، لم يتم توضيح الآلية الجزيئية التي يحدث بها ذلك، وفي هذا البحث، نوضح أن الأنسولين يؤدي دورًا في هذا الشأن".

وتضيف "كروسبي": لقد طرح البحث فكرةً جديدةً تقوم على أنه ليس من المهم فقط اختيار طبيعة الغذاء الذي نتناوله، ولكن يجب أيضًا اختيار التوقيت المناسب لتناوُل الطعام، ويمكن الاستفادة من النتائج التي توصلنا إليها لإيجاد مسارات علاجية جديدة للأشخاص الذين يعانون من اضطراب النوم أو مَن يعملون في أثناء الليل أو مَن يتنقلون بصفة مستمرة من خلال الرحلات الجوية الطويلة بين مناطق في العالم تختلف في مواقيتها، ما قد يكون له تأثيرات جيدة على صحة هؤلاء الأفراد على المدى الطويل، وكلها أمور تساعدنا على ابتكار طرق جديدة لتخفيف معاناة مَن يعانون من اضطراب الساعة البيولوجية من خلال تناوُل الوجبات في أوقات معينة أو تعاطي بعض العقاقير التي تستهدف إشارات الأنسولين في الجسم.

ووفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة، يقول "ديفيد بيشتولد" -المحاضر الأول بجامعة مانشستر، وأحد المشاركين في الدراسة-: "إن الأشياء التي تُعتبر طبيعية جدًّا على مدار الحياة اليومية -مثل العمل في أوقات الفراغ، والحرمان من النوم أو العمل الليلي- تعطل الساعة البيولوجية. وأصبح من الواضح الآن أن الاضطرابات اليومية تزيد من حدوث العديد من الأمراض وشدتها، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية ومرض السكري من النوع الثاني".

وتشير الدراسة إلى أن تناوُل الطعام في أوقات غير معتادة، كما يحدث في كثير من الأحيان في أثناء العمل الليلي، يُعَد من الأسباب الرئيسية لاختلال إيقاع ساعة الجسم البيولوجية.

تقول "كروسبي": في السابق، لم يكن من الواضح كيف تكتشف ساعة الجسم إيقاع الوجبات وتستجيب له، مما يجعل من الصعب تقديم المشورة الطبية أو التدخلات التي يمكن أن تخفف المشكلة، وانتهينا إلى أنه توجد في قلب هذه الساعات الخلوية مجموعةٌ معقدةٌ من الجزيئات التي يوفر تفاعلها توقيتًا دقيقًا لمدة 24 ساعة. وما أظهرناه هنا هو أن الأنسولين، الذي يتم إطلاقه عندما نتناول الطعام، يمكن أن يكون بمنزلة إشارة توقيت للخلايا في جميع أنحاء الجسم، وتشير بياناتنا إلى أن تناوُل الطعام في الوقت الخطأ قد يكون له تأثير كبير على إيقاعات الساعة اليومية. وتشدد الباحثة الرئيسية، في تصريحاتها لـ"للعلم" على أنه لا يزال هناك عمل يتعين القيام به، مضيفةً: "ولكن الانتباه عن كثب لأوقات تناول الوجبات والتعرُّض للضوء ربما يكون أفضل طريقة للتخفيف من الآثار السلبية لمن يمارسون الأعمال في أثناء الليل".