إنّ الشكوك في وجود رابط بين التصوير بالموجات فوق الصوتية قبل الولادة واضطراب طيف التوحّد ليست بالأمر الجديد. فقد انتشر استخدام هذه التقنية في العقود الأخيرة لإعطاء الأبوين صورًا مفصلة للجنين. ومثلما ازداد استخدام الموجات فوق الصوتية ازديادًا كبيرًا، ارتفع أيضًا معدل تشخيص التوحّد، ما أثار تساؤلات حول احتمالية وجود علاقة بينهما.

لكن دراسة جديدة دقيقة حملت بعض الأخبار السارة، بعد أن فحصت الارتباط بين التصوير بالموجات فوق الصوتية في أثناء الأشهر الثلاثة الأولى أو الثانية من الحمل وإصابة المولود باضطراب طيف التوحّد لاحقًا. الدراسة التي حلَّلت السجلات الطبية وتفاصيل التصوير بالموجات فوق الصوتية لأكثر من أربعمئة طفل وُلِدوا في مركز بوسطن الطبي، وجدت أن الأطفال المصابين بالتوحّد لم يتعرضوا لأي زيادة في عدد مرات التصوير بالموجات فوق الصوتية قبل الولادة أو زمنها، مقارنةً بالأطفال ذوي النمو الطبيعي أو الذين يعانون حالات مختلفة من تأخُّر النمو. بل وُجِد، في الواقع، أن مجموعة الأطفال المصابين بالتوحّد كان متوسط زمن تعرُّضهم للموجات فوق الصوتية في أثناء الأشهر الثلاثة الأولى والثانية من فترة نموهم الجنيني أقل من متوسط تعرُّض الأطفال غير المصابين بالتوحّد. يعزِّز هذا الاكتشاف نتائج دراسات سابقة كانت قد أشارت إلى أن التصوير بالموجات فوق الصوتية -الذي تُستخدَم فيه موجات صوتية عالية التردد لرسم صورة للجنين والمشيمة وأعضاء الأم المحيطة بالجنين- ليس خطرًا بيئيًّا قويًّا بما فيه الكفاية ليتسبب وحده في التوحّد. 

لكن الدراسة الجديدة، التي نُشِرت يوم الإثنين في دورية "جاما بيدياتريكس" (JAMA Pediatrics) تركت سؤالًا بلا إجابة، وهو: هل يمكن أن يُحدِث عمق التصوير الفعلي بالموجات فوق الصوتية فرقًا؟ وجد البحث أن الأطفال المصابين بالتوحّد كانوا قد تعرضوا قبل ولادتهم لتصوير بالموجات فوق الصوتية ذي اختراق أكبر مما تعرضت له مجموعة المقارنة؛ إذ بلغ متوسط عمق التصوير الذي تعرَّض له الأطفال المصابون بالتوحّد في أثناء الأشهر الثلاثة الأولى من نموهم الجنيني 12.5 سنتيمترًا، في مقابل 11.6 سنتيمترًا في حالة مجموعة المقارنة. وفي أثناء الأشهر الثلاثة الثانية، تعرَّض الأطفال المصابون بالتوحّد لعمليات تصوير بعمق 12.9 سنتيمترًا مقارنةً بعمق 12.5 سنتيمترًا في حالة مجموعة المقارنة ذات النمو الطبيعي. وقد تكون عمليات التصوير بالموجات فوق الصوتية غير متماثلة لأسباب، من بينها وضع الجنين داخل الرحم.

وقد كتب مؤلفو البحث أن العمق الأكبر للتصوير بالموجات فوق الصوتية قد يؤدي إلى تعرُّض أكثر ضررًا لانبعاثات الطاقة، ما قد يسبب تلفًا في خلايا الأجنة النامية وأمخاخها. غير أن المؤلفين أنفسهم حذروا من أنه لا أدلة كافية في البشر للخروج بهذا الاستنتاج، وأنه يجب البدء في إجراء دراسات أخرى أكثر توسعًا لاستكشاف هذه العلاقة. وأشار الباحثون أيضًا إلى وجود عدة عناصر قد تتضافر معًا لإحداث الضرر، مثل مؤشر كتلة جسم الأم، وإصابتها بمرض السكريّ الحمليّ، وأوجُه التعرُّض للتخطيط بالموجات فوق الصوتية، بما في ذلك العمق.

كتبت سارة جين ويب -وهي أستاذ مشارك للطب النفسيّ والعلوم السلوكية بجامعة واشنطن- في افتتاحية دورية "جاما بيدياتريكس" (JAMA Pediatrics)، تعليقًا على البحث، أنها ليست مقتنعةً بأن الاختراق الأعمق للموجات فوق الصوتية يمثّل مصدرًا للقلق. وصرّحت لمجلة "ساينتفك أمريكان" بأنه عند النظر للأمر من كافة الجوانب، نرى أن ازدياد العمق ليس مُهمًّا على الأرجح بما يكفي للتغطية على حقيقة أن زمن تعرُّض مجموعة الأطفال المصابين بالتوحّد للموجات فوق الصوتية كان أقل. وتقول ويب: "نحن نعتقد أن هناك على الأرجح أجنة عرضة للتوحّد بسبب أخطاء وراثية وعوامل بيئية. لكن هذه الدراسة لا تقدم أي دعم إضافي لفكرة أن تكون الموجات فوق الصوتية سببًا منفردًا في إحداث التوحّد".