توصل فريق دولي بقيادة باحثين من جامعة "سينسيناتي" الأمريكية وجامعتي "كيو" و"هيروشيما" اليابانيتين إلى نتيجة مُذهلة، تتعلق بآلية إنتاج الطاقة للخلايا السرطانية، والتي تُساعد على تكاثر الأورام وانتشارها من مكان إلى آخر.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر سيل بيولوجي" (Nature Cell Biology)، فإن ما توصل إليه الباحثون يُمكن أن يؤدي إلى تطوير علاجات جديدة للسرطان، من شأنها إيقاف نمو الأورام الخبيثة عبر قطع إمدادات الطاقة على نوياتها.

وترتبط معدلات الانتشار العالية في العديد من السرطانات بارتفاع مستويات الحمض النووي الريبي (الرنا الريبوسومي rRNA)، والحمض النووي الريبوزي الناقل (tRNA).

وعلى الرغم من أن الباحثين يعلمون جيدًا ذلك الأمر، إلا أن الآليات الكامنة التي تربط ذلك الأمر بانتشار الأورام وتكاثرها غير مفهومة على الإطلاق. ومنذ ستينيات القرن الماضي وحتى الآن، لم يكن العلماء يعرفون الكيفية التي تُساعد بها نويات السرطان الأورام على الانتشار.

ويشرح البحث الجديد تفاصيل مهمة عن الطريقة التي يستمد بها السرطان طاقته من الجسم، وهي الطاقة التي تُساعده على الانتشار، والتكاثر، والانتقال من مكان إلى آخر.

وتحتوي الخلايا على عدة أشكال من جزيئات الطاقة، مثل "أدينوسين ثلاثي الفوسفات ATP"، وهو نكليوتيد -وحدة أساسية من وحدات الحمض النووي- تخزن فيه الطاقة. ويعمل ذلك الجزيء على تنظيم النقل بين أغشية الخلايا، وتسريع التفاعلات الكيميائية الهادفة لانقسام الخلية، وبناء السكريات اللازمة لعمل الخلايا. وهناك أيضًا جزيء آخر يُعرف باسم "ثلاثي فوسفات الغوانوزين" (GTP)، يعمل على إمداد الخلايا بالطاقة اللازمة لصناعة البروتينات الحيوية.

وجدت الدراسة -التي أُجريت على فئران تجارب مُصابة بـ"أورام أرومية دبقية"، وهو نوع من الأورام العدوانية التي يمكن أن تصيب الدماغ أو الحبل الشوكي- أن تثبيط مسار ثلاثي فوسفات الغوانوزين يُمكن أن يُطيل من فترة بقاء نماذج الفئران المُصابة بأورام الدماغ من ذلك النوع على قيد الحياة.

شأنها شأن الخلايا العادية، تتكون الخلية السرطانية من نواة داخلها نوية، تقوم النويات بإنتاج الريبوسومات. إلا أن نوية الخلايا السرطانية تنتج عددًا مهولًا من الريبوسومات، التي تعمل على إنتاج مزيد من البروتينات، وكلما زاد عدد الريبوسومات زاد إنتاج البروتينات، وبالتالي تتكاثر الخلايا بشكل مفرط.

وتكمن أهمية الدراسة الجديدة في أنها كشفت عن الكيفية التي تنتج النويات من خلالها كميات هائلة من الريبوسوم في الخلايا السرطانية، موضحةً أن "النويات تنشط بسرعة عن طريق التهام المزيد والمزيد من جزيئات ثلاثي فوسفات الغوانوزين، وتؤكد أيضًا أن مستويات ذلك الجزيء في الخلايا السرطانية مرتفع بشدة، وهذا يعني أن السرطان يعيش، ويتكاثر، ويتوغل في أجسادنا بسبب ذلك الجزيء".

يشارك جزيء ثلاثي فوسفات الغوانوزين في تحويل الطاقة الكيميائية إلى مسارات مُحددة في مجال التخليق الحيوي. ويقوم بنقل الإشارة وتعديلها في العمليات الخلوية المختلفة، بما في ذلك الانتشار والتمايز وتفعيل البروتينات. كما ينظم أيضًا موت الخلايا المبرمج، وله دور كبير في إمداد الخلية بالطاقة اللازمة.

ويقول الباحثون إنهم فوجئوا باكتشاف أنه من بين جميع أنواع الطاقة التي تستخدمها الخلايا للنمو، يؤدي ثلاثي فوسفات الغوانوزين الدور الأهم في زيادة عدد الريبوسومات المرتبط بتوسع النوية في الخلايا السرطانية، وأن مستويات ذلك الجزيء تبلغ نحو الضِّعف في الخلايا السرطانية.

لم تُقدم الدراسة ذلك الاكتشاف فحسب، بل كشفت أيضًا عن سبب زيادة مستويات ثلاثي فوسفات الغوانوزين في الخلايا؛ إذ لاحظ الباحثون مستويات عالية من إنزيم يُسمى أحادي IMPDH داخل الخلايا السرطانية. وقال الباحثون إن ذلك الإنزيم يُسرع من إنتاج ثلاثي فوسفات الغوانوزين، الذي يقود بدوره عمليات إنتاج الريبوسومات التي تُعضد من انقسام الخلايا بشكل مفرط، مُسببةً انتشار السرطان.

إذًا، لدينا الآن النتيجة التالية: تحتوي خلايا السرطان على مستويات عالية من أحد الإنزيمات، ينجم عن ذلك الأمر زيادةٌ في مستويات جزيء، تلتهم الخلية السرطانية ذلك الجزيء، فتتمدد النوية، وتنتشر الخلايا، فتزيد مستويات الإنزيم نفسه مرةً أخرى، ما يَزيد من مستويات الجزيء، وهكذا دواليك، في دائرة جهنمية مُفرغة، تجعل السرطان أكثر عدوانيةً وشراسة.

يقول "أتشو ساساكي" -أستاذ أمراض الدم والأورام بجامعة سينسيناتي، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العمل على الدراسة استغرق 7 سنوات كاملة، والنتائج التي توصلت إليها الدراسة تكشف عن مسار طاقة مُحدد في الأورام الدبقية، واستهداف ذلك المسار قد يقمع النمو المفرط للأورام الدبقية الدماغية، التي تُعد أحد أكثر أنواع الأورام السرطانية شراسة".

ويضيف أن "اكتشاف تلك العلاقة الوثيقة، والرهيبة، بين انتشار السرطان، والتهام جزيئات ثلاثي فوسفات الغوانوزين ستفتح الطريق دون شك أمام تطوير أدوية جديدة تستهدف ذلك المسار، وستكون لتلك العلاجات القدرة على تجويع الخلايا السرطانية، ومن ثم إتاحة الفرصة للجهاز المناعي للقضاء عليها".

لا يعرف "ساساكي" على وجه الدقة إذا ما كانت تلك النتائج تنسحب على الأنواع الأخرى من السرطان، إلا أنه يتوقع أن الأبحاث الخاصة باستقلاب السرطان قادرة على إحداث ثورة علاجية من شأنها القضاء مستقبلًا على السرطانات الخبيثة، باستهداف مصدر طاقتها الوحيد، الذي يتمثل في الجزيء المسمى بثلاثي فوسفات الغوانوزين، على حد وصفه.