في عام 1912، وفي أثناء دراسته للدكتوراة في برلين، كان عالِم الأعصاب الأمريكي فريدريك ليوي، أول طبيب يُلاحظ ارتباط شوائب غامضة في خلايا الدماغ بمرض باركنسون، ومنذ ذلك الحين عكف العلماء على دراسة أجسام "ليوي" التي سُميت على شرفه، وأصبحت فيما بعد أبرز سمة مميزة لـ"الشلل الرعاش".

ورغم مرور قرابة 100 عام على توصيف هذه الأجسام التي كان المغزى من وجودها غير مفهومٍ في ذلك الوقت، لا يزال سبب باركنسون -المرض العصبي الأسرع نموًّا في العالم- غامضًا، كما أن الطريقة التي تُشكل بها خلايا الدماغ أجسام ليوي غير واضحة، وكذلك ارتباطها بموت خلايا الدماغ لدى مرضى باركنسون.

والباركنسون هو اضطراب يصيب الجهاز العصبي ويؤثر على الحركة، وتبدأ أعراضه تدريجيًّا، ففي بعض الأحيان تبدأ برعشة قد لا تُلحظ في يدٍ واحدة، ثم تتفاقم أعراض المرض بمرور الوقت، وتشمل أعراضه الرُّعاش وتباطُؤ الحركة وتيبُّس العضلات وفقدان الحركات التلقائية، بالإضافة إلى تغيُّرات الكلام، وتغيُّرات في القدرة على الكتابة.

وباستخدام تقنيات الفحص المجهري عالية الدقّة، اكتشف باحثون في علم الأعصاب من جامعة أمستردام، بمشاركة باحث مصري يعمل بإحدى الجامعات في ألمانيا، أن أجسام ليوي لها بنية متسقة تشبه قشر البصل، وذلك بعد تصميم بنية ثلاثية الأبعاد لهذه الأجسام، ونشروا نتائج دراستهم في دورية أكتا نيروباثولوجيكا (Acta Neuropathologica).

تقول ويلما فان دي بيرج، كبير علماء الأعصاب في كلية الطب جامعة أمستردام، وقائد فريق البحث: إن هذه الملحوظات التفصيلية مهمة لمعرفة كيف تتشكّل أجسام ليوي بواسطة خلايا الدماغ.

وأضافت في تصريحات لـ"للعلم"، أن نتائج الدراسة تُسلط الضوء على الهياكل المُتسقة في تكوين أجسام ليوي الناضجة، ما يقود إلى فرضيات جديدة حول تكوين هذه العلامات في أدمغة مرضى باركنسون.

بنية تشبه قشر البصل

يُعد "ألفا-ساينوكلين" (α-synuclein) أحد المكونات الرئيسية لأجسام ليوي، وهو بروتين متوافر بكثرة في الدماغ البشري، ويوجد بأشكال مختلفة.

ولإجراء الدراسة، لجأ الفريق البحثي إلى بنك الدماغ الهولندي، لتوفير عينات من أنسجة المخ البشري المأخوذة من متبرعين بعد الوفاة، تم تشخيص إصابتهم سريريًّا بمرض باركنسون أو خرف أجسام ليوي، بالإضافة إلى أنسجة غير مصابة بأمراض عصبية (عناصر تحكم).

ولفحص العينات، استخدم الباحثون أحدث تقنيات الفحص المجهري لتصوير متغيرات "ألفا-ساينوكلين" بتفصيل كبير، وذلك باستخدام الفحص المجهري المحفز لاستنفاد الانبعاثات (STED)، الذي يلتقط صورًا فائقة الدقة ويسمح بالتصوير البصري بدقة أعلى من المعتاد (على سبيل المثال بدقة 50 نانومترًا بدلًا من 200 نانومتر).

وباستخدام أجسام مضادة حساسة ومحددة للغاية، بالإضافة إلى تقنيات الفحص المجهري المتقدمة، جرى الكشف عن بنية ثلاثية الأبعاد3D) ) لأجسام ليوي؛ إذ وجدوا أنها تحتوي على طبقات مختلفة متحدة المركز على شكل حلقة، حيث يتراكم جوهر البروتينات والدهون محاطًا بـجزيئات "ألفا-ساينوكلين" المُفَسْفَر (مُحْتوٍ على فُسْفور) ومكونات خلوية تشكل الهيكل.

ووفقًا للفريق، فإن هذه النتائج تشير إلى أن خلايا الدماغ تنظم شكل أجسام ليوي، وربما كان ذلك لتغليف المكونات السامة.

بناء مُتدرّج لأجسام ليوي

بالإضافة إلى توزيع متغيرات "ألفا-ساينوكلين" داخل أجسام ليوي، قارن الباحثون أيضًا توطنها خارج أجسام ليوي في خلايا أدمغة المتبرعين، خلال المراحل المبكرة مقابل المراحل المتأخرة من مرض باركنسون، بالإضافة إلى مقارنتها بعناصر التحكم.

ولاحظ الباحثون أنه في المراحل المبكرة من مرض باركنسون، يتحاذى "ألفا-ساينوكلين" المُفَسْفَر في شبكة حول نواة الخلية قبل أن تصبح أجسام ليوي ظاهرة، ما يشير إلى أن توزيعه الشاذ يحدث قبل تكوين أجسام ليوي.

وبناءً على النتائج التي توصلوا إليها، يقترح الفريق فرضيةً تقوم فيها خلايا الدماغ بتشكيل أجسام ليوي في المواقف التي لم تعد قادرةً فيها على إعادة تدوير نفاياتها، وعندما تتراكم الدهون والبروتينات، قد تحاول الخلية عزلها في مكان مخصص -يمكن مقارنته بمدافن النفايات- وفي النهاية تعيد تشكيلها وتغليفها لحماية نفسها من المكونات الضارة، وبمرور الوقت، قد يؤدي وجود هذا "المطمر" نفسه إلى تغيير البيولوجيا الطبيعية للخلايا العصبية.

ويتخلص مخ الإنسان يوميًّا من 8 جرامات تقريبًا من البروتينات المستهلَكة التي تحل محلها أخرى جديدة، عملية التخلص من النفايات تمرر في السنة ما يعادل وزن المخ تقريبًا.

تشير "دي بيرج" إلى أن الأشكال البروتينية المختلفة من متغيرات "ألفا-ساينوكلين" تتراكم داخل أجسام ليوي في المناطق المتأثرة بداء باركنسون، المعرفة التفصيلية لتوزيع هذه الأشكال البروتينية داخل أجسام ليوي والحجيرات تحت الخلوية المسؤولة عن تخليق البروتين في دماغ الإنسان قد تعين على فهم آليات المرض التي تؤدي إلى تكوين هذه الأجسام.

وأضافت أن تقنيات الفحص المجهري عالية الدقة رصدت أن أحد الأشكال البروتينية المختلفة من متغيرات "ألفا-ساينوكلين" وتسمى (122CTT aSyn) تتمركز في أغشية الميتوكوندريا في الخلايا العصبية لدى أدمغة مرضى باركنسون، وأدمغة عناصر التحكم غير المصابة بباركنسون، ما يشير إلى دور فسيولوجي لهذه المتغيرات، لكن في المقابل لاحظنا نشاطًا مناعيًّا محدودًا للغاية لمتغيرات أخرى من "ألفا-ساينوكلين" تسمى (Ser129-p aSyn) في أدمغة غير المصابين، بينما كانت تلك المتغيرات في محاذاة شبكة حول النواة مميزةً للخلايا العصبية لدى مرضى باركنسون وخرَف أجسام ليوي.

ونوهت بأن التقنيات المجهرية عالية الدقة رصدت بنية ثلاثية الأبعاد متسقة لأجسام ليوي الناضجة في مناطق المادة السوداء بالدماغ التي تتطور فيها تلك الأجسام، والتي تشبه غلاف نبات البصل، ما يوفر بصائر جديدة حول الآليات المحتملة الكامنة وراء التشكُّل المنظم لأجسام ليوي.

"دي بيرج" اعتبرت أن الملحوظات التفصيلية التي رصدتها الدراسة يمكن أن تكون مرجعًا مهمًّا للأنظمة النموذجية الحالية والمستقبلية لمرض باركنسون، كما يُعد اختبار الفرضية المقدمة في مثل هذه الأنظمة التجريبية خطوةً مستقبليةً مهمةً لفهم دور أجسام ليوي في مرض باركنسون بشكل أفضل، وهو أمرٌ محوري لتطوير المؤشرات الحيوية والعلاجات الجديدة التي تكافح هذا المرض المدمر.

تقنية (CARS)

في حين يقول الباحث المصري سمير المشتولي، رئيس المجموعة العلمية لمطياف رامان في قسم الفيزياء الحيوية بجامعة الرور بوخوم، وأحد المشاركين في الدراسة: إن الفريق استعان أيضًا بالتقنية المُتقدمة للغاية من التحليل الطيفي لمطياف رامان، التي تسمى (CARS) لفحص عينات الدراسة.

وأضاف "المشتولي" لـ"للعلم" أن النتائج قدمت دليلًا على وجود تجمع مركزي للدهون والبروتينات المتراكمة في بروتينات أجسام لوي، ما يشير إلى أن هذه المكونات تُغلّف تلك البروتينات.

وأوضح أن هذه الدراسة تسلط الضوء على إمكانيات الفحص المجهري لمطيف رامان، من أجل فهم أفضل الآليات البيولوجية التي تقف وراء تطوّر أمراض التنكس العصبي باستخدام أنسجة المخ البشري.

ومطياف رامان هو أحد الأجهزة الميكروسكوبية التي تُستخدم في دراسة خصائص المواد وطبيعة حركتها، ويمكنها أيضًا فحص بعض الأنسجة للخلايا الحية ودراستها.

سمير المشتولي، رئيس المجموعة العلمية لمطياف الرامان بمركز تشخيص البروتين بجامعة الرور بوخوم (جهة اليسار) إلى جوار كلاوس جيرفيرت، رئيس مركز تشخيص البروتين  بالجامعة، من الجهة الأخرى . © RUB, Martin

فُرص مُثيرة

في حين قالت سارة الفراش، مدرس الفسيولوجيا بكلية الطب جامعة المنصورة: إن هذه الدراسة قدّمت نظرةً ثاقبةً جديدة حول الآلية المحتملة الكامنة وراء تشكُّل أجسام ليوي في مراحل مختلفة من مرض باركنسون.

وأضافت لـ"للعلم" أن هذه النتائج تفتح فُرصًا مُثيرةً لتوصيف وفهم أفضل لتكوين أجسام ليوي، وبالتالي إلى فهم أفضل لمرض باركنسون، وهذه خطوة في غاية الأهمية لتطوير هدف علاجي ناجح للمرض في المستقبل.

وتابعت أنه من المتفق عليه عمومًا أن وجود شوائب أولية داخل الخلايا العصبيه تتكون من بروتين صغير الحجم يسمى "ألفا-ساينوكلين" هو سمة مميزة لشلل الرعاش، ويخضع "ألفا-ساينوكلين" لتعديلات ما بعد الترجمة، والتي تُعرف اختصارًا بـ(PTM) وأشهرها "الفَسْفَرة" في الحمض الأميني رقم 129 و(Ser129-p aSyn)، ورغم أن التوصل إلى أن بروتين "ألفا-ساينوكلين" هو المكون الرئيسي لـ"باثولوجيا لييوي" يرجع إلى عام 1997 وأعقبه حينذاك طفرة في الأبحاث الخاصة بباركنسون وتطور فهمنا لبعض مسببات باركنسون بشكل كبير، لكن التركيب الدقيق لـ"باثولوجيا ليوي" ووظيفة التعديل بعد الترجمة لبروتينات لـ"ألفا-ساينوكلين" لا يزالان قيد البحث في أكبر المعامل البحثية في مختلف أنحاء العالم.

وأشارت إلى أن الفريق البحثي الهولندي نجح -من خلال دراسة عينات المخ التي جرى التبرُّع بها من مرضى باركنسون، وعبر الاستعانة بأحدث تقنيات التصوير المفصل باستخدام المجاهر المتقدمة- في التوصل إلى أن أجسام ليوي تتخذ مظهرًا مماثلًا لطبقات جلد نبات البصل المميز، كما وصفته الدراسة، وأظهر كل جسم من أجسام ليوي تركيبة مُتسقة، إذ يتكون اللب من بروتينات "ألفا-ساينوكلين" المجتزأة، مُحاطة عند سطحها الخارجي بـ"ألفا-ساينوكلين" المُفَسْفَر، وأظهر الجمع بين تقنيات التوصيف والتلوين المختلفة وجود مكونات خلوية متعددة في أجسام ليوي متعددة بجانب "ألفا-ساينوكلين.

وعن أهمية النتائج، ذكرت أن هذا التصوير الجزيئي لأجسام ليوي يلفت انتباه المجتمع البحثي إلى أنها تتكون من هياكل خلوية غير متجانسة، بدلًا من الاعتقاد السابق بأنها تتكون أساسًا من "ألفا-ساينوكلين" في حالة فَسْفَرة فقط.

واختتمت حديثها بالقول: "بناءً على هذه النتائج، يقترح فريق البحث تسلسلًا افتراضيًّا للأحداث في تكوين ونضج تضمين ليوي، إذ يقترح أن متغيرات "ألفا-ساينوكلين" التي تسمى (Ser129-p aSyn) تؤدي دورًا مركزيًّا في مراحل المرض المختلفة، وتتَّسق هذه النتائج مع نتائج دراسة سابقة، بقيادة هلال الأشول، عالِم الأعصاب اليمني الأمريكي في المعهد التقني الفيدرالي العالي- سويسرا، أُجريت على نماذج الخلايا العصبية وتوصّلت إلى أن الطبيعة الخلوية لأجسام ليوي غير متجانسة".

في حين رأت عائشة مصرلي، باحثة ما بعد الدكتوراة في علم الأعصاب بجامعة كامبريدج البريطانية، أن هذه الدراسة التي استعانت بتقنية (STED) عالية الدقة لفحص الترتيب الخلوي لأشكال "ألفا-ساينوكلين"، تتيح لنا استكشاف تفاصيل كبيرة في توصيف جسم ليوي وفهم تكوينه، ودوره في التسبّب بمرض باركنسون.

وأضافت لـ"للعلم" أن النتائج تدعم فكرة أن هناك تنظيمًا خلويًّا واسع النطاق مقترحًا لتشكيل هذه الأجسام ونضوجها، وهذا يشير إلى دور مهم لتعديلات ما بعد الترجمة التي يخضع لها "ألفا-ساينوكلين" في هذه العملية.

لكنها في الوقت ذاته أشارت إلى أن هذه النتائج تحتاج إلى تأكيد، عبر إجراء الدراسات التجريبية على الحيوانات لرصد تشكيل أجسام ليوي، علاوةً على ذلك، تُقدم الدراسة أدوات فعالة للتوصيف الخلوي لأشكال "ألفا-ساينوكلين"، والتي يمكن استكشافها أيضًا في أجسام ليوي المأخوذة من مناطق الدماغ الأخرى أو في اعتلالات النسيج الخلوي الأخرى، بما في ذلك خرف أجسام ليوي.

واختتمت "دي بيرج" حديثها إلينا بقولها: "نعمل حاليًّا على إعداد قائمة من التوصيفات المرضية المحددة في أدمغة المتبرعين الذين يعانون من تراكم أجسام ليوي في أدمغتم، بالإضافة إلى مرضى باركنسون والاضطرابات العصبية ذات الصلة، بالاستعانة بتقنيات الفحص المجهري عالية الدّقة، لمعرفة المزيد عن هذه الأجسام في مراحل مختلفة من المرض".

وتابعت: "ندرس أيضًا دور التمثيل الغذائي المضطرب للدهون، في التسبب بمرض باركنسون بطرق مختلفة، إذ اكتشفنا في السابق أن أجسام ليوي غنية بالدهون ومليئة بالعضيات والأغشية، وتحتوي هذه العضيات على إنزيمات تهضم الجزيئات الحيوية الأخرى إلى كتل يمكن إعادة تدويرها، لكن إذا كان واحدٌ أو أكثر من هذه الإنزيمات لا يعمل بشكل صحيح، فإن الجزيئات التالفة تتراكم، ولا يمكن تخليق جزيئات جديدة، مؤكدةً أنه يجري حاليًّا استهداف العديد من الإنزيمات المشاركة في التمثيل الغذائي للدهون، إما بشكل مباشر أو كمنظم لعلاجات باركنسون المحتملة".