توصلت دراسة جديدة، لم تُنشر بعد في أيٍّ من الدوريات المراجعة من قِبَل الأقران، إلى أن طريقةً شائعةً تُستَخدَم للتعديل الجيني في المختبرات البحثية قد تُحدِث استجابةً مناعيةً عند تطبيقها على البشر. ومع ذلك، لا يزال من السابق لأوانه معرفة مدى الخطورة التي يمكن أن يمثِّلها هذا الأمر على العلاج الجيني، الذي يهدف إلى وقف الأمراض الناجمة عن جينات معيبة.

تقول آيمي واجرز، العالِمة المتخصصة في بيولوجيا الخلايا الجذعية بجامعة هارفرد ومركز جوسلين لداء السكري، التي لم تشارك بالدراسة: "السؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن هو: ما التأثير الفعلي لهذا الأمر علاجيًّا؟"، وتقول واجرز إن تقنية التعديل الجيني تؤدي إلى تحفيز استجابة مناعية لدى الفئران، ولكنها لا تزال آمنةً وفعالة. بَيدَ أنه لا أحد يعرف كيف سيكون الحال في البشر. وتضيف: "إنه أمرٌ يحتاج إلى دراسة".

نظام كريسبر كاس 9، الذي يعمل بمنزلة مقص ولاصق جيني لتعديل الحمض النووي الدي إن إيه، مأخوذ بوجه عام إما من بكتيريا ستافيلوكوكاس أوريوس أو بكتيريا ستربتوكوكاس بايوجينس. يقول مات بورتيوس -طبيب الأطفال والعالِم المتخصص في الخلايا الجذعية بجامعة ستانفورد، الذي قاد البحث الذي نُشِرَ على خادم ما قبل الطبع bioRxiv في أوائل يناير الماضي-: إن أغلب الناس تعرضوا لأحد نوعي البكتيريا قبل سن البلوغ، وفي الأغلب ستتذكرها أجسادهم، وقد تُحدِث استجابةً مناعيةً ضدها عند التعرُّض لها مرةً أخرى.

يُحتمل أن يُبطِل هذا التعرض المسبق للبكتيريا مفعول التعديل الجيني، نتيجة قضاء الجسم سريعًا على بروتينات كريسبر كاس9. أو الأسوأ من ذلك، أنه قد يستحث نوعًا من الاستجابات المناعية العنيفة، مثل ذلك الذي تسبب في موت مريض شاب كان يخضع للعلاج الجيني يُدعى جيسي جيلسينجر في عام 1999، مما عطَّل التقدُّم في المجال لأكثر من عشرة أعوام. يقول بورتيوس: "نحن نشارك الجميع حماسهم لاستخدام تقنية كريسبر كاس 9 للتعديل الجينومي، بيد أننا نريد التيقن من أننا تعلمنا مما حدث في عالم العلاج الجيني، وألا نتجاهل احتمالية أن هذا الأمر قد يصير مشكلةً. فبينما نفكر جميعًا في تطوير العلاجات القائمة على تقنية كريسبر كاس 9، ينبغي علينا أن نفكر مليًّا في هذه المشكلة المحتملة".

أصبحت أداة كريسبر كاس9، المأخوذة من البكتيريا، بمنزلة الأداة المحببة لدى مجتمع الطب الحيوي منذ انطلاق الأبحاث حولها في عام 2013. تقنية كريسبر CRISPR، التي ترمز إلى "المُـكررات المتجمعة قصيرة التناظر ذات المسافات البينية المنتظمة"، يمكن برمجتها للعثور على نطاقات بعينها في الشفرة الجينية. وبعد ذلك يرتبط إنزيم كاس 9 بالحمض النووي المستهدف ويقطعه، مؤديًا إلى تعطيل الجين.

ثمة العديد من الأساليب الأخرى للتعديل الجيني التي تسبق كريسبر، ومن ضمنها تقنيتا "نيوكلييز إصبع الزنك" و"التالينات" TALENs (وترمز إلى: نوكلِيازات نسخ المستجيبات الشبيهة بالمنشطات). ولكن لكلٍّ من التقنيتين تحديات جعلت من كريسبر التقنية المفضلة في المختبرات البحثية، وفي التطبيق على البشر، كما تطلع الكثيرون.

تشير الدراسة الجديدة إلى أن تقنية كريسبر للتعديل الجيني قد تستغرق وقتًا أطول لضمان جعلها آمنة الاستخدام على البشر. غير أن المشكلة ليست مستعصية، وفقًا لما كتبه المهندس البيولوجي فينج زانج، الذي أسهم في تطوير التقنية، في رسالة إلكترونية. كتب زانج، أحد الأعضاء الأساسيين بمعهد برود والأستاذ بمعهد مَاسَاتْشُوستْس للتكنولوجيا، يقول: "ثمة تساؤلات كثيرة غير محسومة بشأن أمان العلاجات القائمة على تقنية كريسبر وفاعليتها". وكتب زانج مضيفًا: "يُتّبع حاليًّا عددٌ من الاستراتيجيات المختلفة لتطوير التقنية واستخدامها علاجيًّا... وتتطلب كل واحدةٍ منها مراعاة متأنية للأمان والفاعلية. ومع بلوغ هذه الاستراتيجيات مراحلَ متقدمةً من الاختبارات قبل السريرية والتجارب السريرية الأولية، فإننا سنتعرَّف أكثر على أفضل السبل لإحراز المزيد من التقدم في عمليات التعديل الجينومي من ناحية كونها علاجات".

يقول عالِم الوراثة بجامعة هارفرد جورج تشيرش، الذي أسهم في جهدٍ سابق متعلق بتقنية كريسبر، إنه يعمل بالفعل للتغلب على المشكلة. إذ كتب في رسالة إلكترونية قائلًا: "اكتشف مختبري وغيره من المختبرات الكثير من الأنواع والإنزيمات التي يمكن أن تُستَخدَم عوضًا عن إنزيم كاس 9، كما ندرس كذلك أساليب مختلفة لإيقاف الاستجابة المناعية".

تعتمد العلاجات الجينية الحالية على فيروس يدعى الفيروس المرتبط بالفيروس الغدّي (AAV) لإيصال أداة التعديل الجيني إلى كل خلية. فالأشخاص الذين لديهم بالفعل مناعةٌ ضد هذا الفيروس استُبعِدوا من التجارب أو الخضوع لهذه العلاجات لأن أجهزتهم المناعية في الأغلب ستقضي على العلاج قبل أن يتمكن من ترك تأثير علاجي. ويقول بورتيوس، من جامعة ستانفورد: إن استراتيجية الاستبعاد تلك لا يمكن تطبيقها على تقنية كاس9، لأن أغلب البالغين تعرضوا لنوعي البكتيريا ستربتوكوكاس وستافيلوكوكاس. ويضيف قائلًا: "المدهش حسبما أعتقد هو النسبة المرتفعة للأشخاص الذين لديهم مناعة بالفعل".

فتش باحثو جامعة ستانفورد في البداية عن أجسام مضادة للإنزيم كاس9 في عينات دم الحبل السري البشرية ووجدوها. يشير وجود الأجسام المضادة إلى أن الخلايا البائية البشرية، التي تُعَد جزءًا مما يُعرف بالجهاز المناعي الفطري، يمكنها أن تفرز أجسامًا مضادة تتعرف على الإنزيم كاس9. وبعد ذلك بحث الفريق في عينات دم مأخوذة من 13 بالغًا عن خلايا تائية، وهي جزء من الجهاز المناعي الخلوي التكيُّفي الذي يستجيب لأنواع محددة من العدوى، مصممة لمهاجمة الخلايا المنتجة للإنزيم كاس9 الخاص بالبكتيريا ستافيلوكوكاس وبالبكتيريا ستربتوكوكاس. وُجِدَ أن نحو نصف الأشخاص لديهم خلايا تائية تميِّز الإنزيم كاس9 الخاص بالبكتريا ستافيلوكوكاس، في حين لم يكن لدى أيٍّ منهم أي نسبة يمكن رصدها من الخلايا التائية التي تميِّز كاس9 الخاص بالبكتيريا ستربتوكوكاس. يقول بروتيوس إن قدرة الجهاز المناعي على التعرف على الإنزيم وحقيقة أن الكثير من الأشخاص لديهم الخلايا التائية التي تهاجمه تشير إلى أن تقنية كريسبر ربما لا تكون آمنةً وفعالة في الأشخاص مثلما كانت في الفئران.

يشير بروتيوس إلى أنه بذل جهدًا حتى تُنشر الدراسة باعتبارها مسودة ما قبل الطبع في حين تمر مسودة الدراسة بالمراحل العادية الخاصة بمراجعة الأقران. ويأمل أن يؤدي النشر السريع إلى إيجاد حلول في وقت أسرع، ربما مثل اكتشاف إنزيمات كاس9 جديدة من بكتيريا لا تسبب –عادةً- عدوى للبشر. أدرج الفريق البحثي جميع البيانات والأرقام بالدراسة بحيث يستطيع الآخرون تقييم نتائجهم تقييمًا مستقلًّا.

ومع ذلك، تحذِّر واجرز -التي أثارت مسألة الاستجابات المناعية لتقنية كريسبر في ورقة بحثية نُشرت في عام 2016- من المبالغة في تفسير نتائج الدراسة الجديدة. فهي ترى أن الدراسة تعتمد على عدد ضئيل من عينات الدم، إضافةً إلى ما قد يجده مراجعو الأقران من أخطاءٍ في المنهجية والنتائج.

تعتقد واجرز أنه ينبغي أن يكون ثمة جدوى عمليًّا من تطوير إنزيمات كاس9 من أنواع أخرى من البكتيريا، وألا يعتمد إنتاجها على نوعين فقط من البكتيريا، فمن غير المرجح أن يكون لدى المريض الذي يحتاج للتعديل الجيني مناعةٌ ضد جميع أنواع البكتيريا التي يمكن استنباط الإنزيم منها. لا بد أن تكون الورقة البحثية بمنزلة باعثٍ على التذكير لا على الفزع. وتضيف قائلةً: "أنت تُدخِل بروتينًا غريبًا إلى الجسم" في إشارة إلى الإنزيم كاس9، وتستطرد: "الجهاز المناعي يُعَد مكونًا مهمًّا من المكونات المنظمة لأجسامنا، وعلينا أن نعطيه قدره من الاحترام".