واحد من كل ثلاثة أطفال من الناجين من مرض السرطان يواجه مخاطر الإصابة بالعقم بسبب العلاج الكيميائي والإشعاعي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن علاج السرطان يتسبب في تلف الخصيتين لدى ثلث الأطفال الناجين من هذا المرض الخبيث. وبما أن الحيوانات المنوية والبويضات لدى هؤلاء الأطفال لم تنضج بعد، فإن استخدام التقنيات المساعدة على الإنجاب يُعَد أحد الحلول المحتملة لهذه المشكلة.

ومن هنا، تأتي أهمية نتائج دراسة حديثة أعدها فريق من الباحثين الأمريكيين؛ إذ تمكنوا من استخراج أنسجة خصية خمسة من قِرَدة "الريسيوس" في سن مبكرة وتجميدها دون أن تكون لدى هذه القردة القدرة على إنتاج السائل المنوي، ثم قاموا بحفظ أنسجة الخصية غير الناضجة في درجة حرارة منخفضة جدًّا، قبل أن يعيدوا زرعها لدى القردة بعد فترة لمساعدتها على استعادة الخصوبة.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "ساينس" (Science)، فإن ما قام به الباحثون من كلية الطب بجامعة "بيتسبيرج" الأمريكية، يُعَد سبقًا فريدًا من نوعه، خاصةً أن التجربة أُجريت على حيوان من نموذج الرئيسيات (القرود)، ما قد يساعد في تطبيقها على البشر مستقبلًا.

حجر الزاوية

وتمثل نتائج الدراسة حجر زاوية في تطوير الجيل التالي من العلاجات المساعدة على التكاثر assisted reproduction، كما تمثل أملًا من حيث إمكانية الحفاظ على خصوبة الذكور غير البالغين الذين سيخضعون لعلاجات السرطان؛ إذ قام الباحثون بإزالة أنسجة الخصية من القردة حتى تصبح الحيوانات غير قادرة على الإنجاب، وحين وصلت القردة إلى مرحلة البلوغ، أُعيدت تلك الأنسجة إليها مرةً أخرى، وبعد مرور فترة تتراوح بين 8 شهور و12 شهرًا، ظهرت نتائج مذهلة؛ فعندما سحب الباحثون أنسجة الخصية من القردة وجدوا أنها قادرة على إنتاج السائل المنوي، واكتشفوا أن النسيج قادر على تلقيح 138 بويضة، وبعد تلقيح هذا العدد الكبير من البويضات، تم الحصول على حالة حمل في إبريل 2018 كانت من نصيب القردة "بيبي جرايدي"، التي ولدت في حالة صحية جيدة.

يقول "كايل أوريج" -أستاذ طب النساء والتوليد وعلم التكاثر بكلية طب "بيتسبرج"، والمشرف على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "استخرجنا خصى 5 قردة صغيرة، وقطعناها إلى قطع صغيرة، وجمدنا أنسجتها الحية باستخدام الجليد، وأخضعنا القردة الخمسة للعلاج الكيميائي، ثم قمنا بإذابة قطع الخصى المثلجة بعد ذلك وحقنها تحت جلد القرد الذي أُخذت منه. ومع وصول القردة إلى سن البلوغ، نضجت أنسجة الخصية ونَمَت لديها، وعندما نظرنا داخل أجسام القردة، وجدنا أن هناك حيوانات منوية".

ويضيف أنه "عند الوصول إلى مرحلة البلوغ، تؤدي التغيُّرات الهرمونية إلى زيادة إنتاج هرمون الذكورة "تستوستيرون"، الذي يقوم بتنشيط الخلايا الجذعية في الخصيتين لتبدأ إنتاج الحيوانات المنوية، ويؤدي علاج السرطان باستخدام العلاج الكيميائي والإشعاعي إلى قتل الخلايا الجذعية والإصابة بالعقم الدائم".

أنسجة الخصية

ويوضح "أدتونجي فايومي" -باحث ما بعد الدكتوراة في معمل "أورويج"، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم" أن الدراسات السابقة على الرئيسيات من غير البشر أظهرت إمكانية إنتاج الحيوانات المنوية من عملية تطعيم ذاتي من أنسجة الخصية للحيوان نفسه قبل البلوغ ليصبح قادرًا على الإنجاب، وهو المعيار الذهبي لأي تقنية تتعلق بالتكاثر.

ويرى الباحثون أن استخدامهم لبروتوكول مختلف في عملية التجميد وزرع أجزاء أكبر من أنسجة الخصية ساعد في نجاح التجربة.

وكان "أورويج" قد أسس برنامج الحفاظ على الخصوبة في عام 2010؛ بهدف مساعدة مرضى السرطان من الأطفال على تجميد أنسجة الخصية أو المبيض قبل بدء علاج السرطان، وهو البرنامج الذي توسَّع ليشمل العديد من المراكز الطبية حول العالم.

ويأمل المشرف على الدراسة أن يصبح بإمكان هؤلاء المرضى تكوين عائلات في المستقبل، موضحًا أن إجراء التجارب على أحد أنواع الرئيسيات يُعَد آخر خطوة على طريق الانتقال إلى تجربتها على البشر، وأن إنتاج مولود سليم صحيًّا (من أحد أنواع الرئيسيات) يعني أن هذه التقنية باتت جاهزةً للتطبيق على الإنسان.

الطعوم الأجنبية

وبالنسبة لمرضى سرطان الدم والغدد الليمفاوية وسرطان الخصية والمبيض، الذين لا تناسبهم التقنية الجديدة، يقول "أورويج": لا يتم استبعاد هؤلاء المرضى، ولكن يتم تجميد أنسجة كل مَن يواجه خطر العقم بسبب العلاج الطبي أو الأمراض وخلافه.

وأضاف: ولكننا نتريث في إعادة زرع هذه الأنسجة لهؤلاء المرضى؛ خشية وجود أثر للورم بها، إذ إن التحاليل المتاحة لتحديد ذلك لا يمكن الاعتماد عليها بنسبة 100%، وهذا أحد المعوِّقات التي تواجهنا. واستطرد بقوله: وخوفًا من إعادة السرطان لمريض عولج بالفعل، نلجأ إلى أساليب أخرى مثل الطعوم الأجنبية (إنماء الأنسجة في كائن آخر قبل زرعها) أو إنماء الأنسجة داخل المعمل.

ويشير المشرف على الدراسة إلى وجود عدة مراكز حول العالم تقوم بتجميد أنسجة الخصية والمبيض للمرضى الذين يواجهون خطر العقم، آملًا أن يزيد عددها في المستقبل، مضيفًا: "نسعى حاليًّا إلى تأسيس مراكز تنسِّق فيما بينها في الولايات المتحدة والأردن وإسرائيل؛ لإتاحة إمكانية الوصول إلى برامج حفظ الخصوبة".

ويشدد "أورويج" على أن حفظ الخصوبة مجالٌ متعدد التخصصات، يتطلب التواصل الفعال بين المرضى وأطبائهم وأخصائيي الأورام والإنجاب والباحثين والجراحين، موضحًا أن "مرضى زرع النخاع والمناعة الذاتية وغيرهم قد يكونون معرضين أيضًا لخطر العقم ويحتاجون إلى مثل هذه الخدمات".

أفضل سبل التوعية

وعن أفضل السبل للتوعية بهذه القضية المهمة، يؤكد "أورويج" أهمية تثقيف المرضى وعائلاتهم وأطبائهم حول آثار العلاجات الطبية على الخصوبة وسبل الحفاظ عليها. وبالنسبة للمرضى البالغين، يقول "أورويج": يمكن تجميد البويضة أو الحيوانات المنوية أو الجنين، ولكن هذه الخيارات ليست متاحةً لجميع المرضى البالغين أو للصغار الذين لم يبلغوا. وأضاف: هناك طرق عدة مثل التطعيم الذاتي، الذي أشارت إليه الدراسة، أما أفضل سبيل للتعريف بهذه القضية -من وجهة نظري- فتتمثل في استمرار الأبحاث في مجال طب الإنجاب لإتاحة خيارات جديدة في المستقبل.

من جهته، يقول "مصطفى الصيرفي" -أستاذ متفرغ بالمعهد القومى للأورام، ورئيس الجمعية المصرية لأمراض السرطان- في تصريحات لـ"للعلم": "إن تأثير العلاج الكيميائي والإشعاعي يكون شديدًا على الخلايا سريعة التكاثر فقط، أما الخلايا الجذعية فلا تتأثر، لهذا تصبح فرصة الإنجاب متاحةً للأطفال الذين ينتهى علاجهم قبل البلوغ"، مشددًا على أن "نسبة الـ30% التي ذكرتها الدراسة عن إصابة مرضى السرطان من الأطفال بالعقم تحتاج إلى تأكيد من خلال دراسات أخرى".

ويضيف "الصيرفي" أن مفهوم الحفاظ على خصوبة الناجين من السرطان قائمٌ منذ سنوات عديدة، ويتم تطبيقه في كثير من دول العالم، ومن بينها مصر، ولكنه يُطبق على المرضى البالغين من الذكور؛ إذ يتم توجيههم قبل الخضوع للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي للذهاب إلى أحد مراكز الخصوبة التي تُجرى فيها عمليات الحقن المجهري لحفظ الحيوانات المنوية الخاصة بهم من خلال تجميدها في درجة برودة شديدة، حتى يتم استخدامها بعد انتهاء العلاج من أجل الإنجاب.

 ويستطرد بقوله: في حالة وصول الطفل إلى مرحلة البلوغ في أثناء العلاج الذي قد يمتد لسنوات، يتم الحصول على الحيوانات المنوية منه قبل استكمال العلاج وحفظها في بنك السائل المنوي؛ حتى لا تتعرض للتدمير بسبب العلاج، بهدف مساعدته على الإنجاب مستقبلًا.