قد لا يتخيل مَن يتناول حبة دواء، مدى التعقيد الذي مرت به قبل أن تصل إليه في صورتها النهائية؛ ففي عالم صناعة الدواء، كل شيء محسوب بدقة كبيرة، بداية من المادة الفعالة للدواء، مرورًا بفاعليته وآثاره الجانبية، وانتهاءً بالجرعة المقررة.

وتشمل مراقبة حركة الدواء وفاعليته 4 محطات رئيسية هي: امتصاص الجسم للدواء، وعملية الأيض أو التمثيل الغذائي له، بالإضافة إلي توزيع الدواء في خلايا الجسم، وأخيرًا مرحلة التخلُّص من الدواء، وذلك يتم عن طريق الكلى أو الكبد والبراز.

فريق بحثي في ألمانيا، يقوده باحث مصري، حقق إنجازًا غير مسبوق، ربما يقلب موازين صناعة الدواء، عبر الاستعانة بمطياف رامان في تحديد حركة عقار للسرطان دون استخدام الطريقة التقليدية المتبعة حاليًّا في مراقبة حركة الأدوية.

ومطياف رامان هو أحد الأجهزة الميكروسكوبية التي تتابع دراسة تردد الاهتزاز الجزيئي لأي مادة عن طريق تحليل الضوء المتبعثر للمادة، وتُستخدم هذه التقنية في دراسة خصائص المواد وحركتها، ويمكنها أيضًا دراسة بعض الأنسجة للخلايا الحية.

وسُميت هذه التقنية على شرف عالم الفيزياء الهندي، تشاندراسيخارا رامان، الذي اكتشف إحدى ظواهر تَبعثُر الضوء، ونال بفضلها جائزة نوبل في الفيزياء عام 1930.

الفريق الذي يقوده الباحث المصري "سمير المشتولي"، والبروفيسور "كلاوس جيرفيرت" من قسم الكيمياء البيوفيزيائية بجامعة الرور الألمانية في بوخوم، نجح في مراقبة وتحديد حركة عقار "نيراتينيب (Neratinib) الذي جرت الموافقة عليه لعلاج سرطان الثدي منذ عام 2017، ويخضع حاليًّا لتجارب سريرية لاستخدامه في علاج سرطان الرئة، ونشروا نتائج دراستهم في دورية (Angewandte Chemie) العلمية.

يقول جيرفيرت: "لفهم آلية عمل الدواء وكيفيته، يجب فهم حركته الدوائية، أي كيف يمتص الجسم الدواء ويوزعه، وكيف تجرى له عملية الأيض، وكذلك كيف يتغير كيميائيًّا".

وتقوم فكرة عمل عقار "نيراتينيب" على الارتباط ببروتينات معينة في الخلايا؛ إذ يمنعها من نموها السريع، وبالتالي يُبطئ من نمو الورم السرطاني.

حركة الدواء

ولفهم آلية عمل أي دواء، تركِّز أبحاث القائمين على صناعة الدواء حول متابعة حركته داخل الجسم، بدايةً من تناوله، مرورًا بمرحلة التمثيل الغذائي أو الأيض للعقار وصولًا إلى الدم، وحتى خروجه من الجسم والتخلُّص منه.

ومقارنةً بالتقنيات الأخرى السابقة، كان رصد هذه الحركة يجرى بالطريقة التقليدية؛ إذ يقوم الباحثون بتتبُّع حركة الدواء عن طريق ربطه بعلامات أو ملصقات (labels) فلورية، وعادةً ما يكون حجم تلك العلامات كبيرًا نسبيًّا مقارنة بالدواء نفسه، ما يعوق حركة الدواء وكفاءته وقدرته على الالتصاق بالبروتينات والخلايا، ما يؤثر سلبيًّا على حكم الباحثين على مدى فاعليته، وفق توضيح جيرفرت.

وأخيرًا نجح الفريق البحثي، عبر الاستعانة بالتحليل الطيفي لمطياف رامان، في تطوير طرق جديدة لمراقبة كفاءة وفاعلية حركة العقار وتوزيعه في الخلايا السرطانية دون استخدام تلك الملصقات الفلورية.

وبالإضافة إلى الكشف عن الخلايا السرطانية، فإن مطياف رامان يسمح بتصور المكوِّنات الخلوية، وعلى عكس الأساليب التقليدية، يمكن أن يكشف عن التغيرات الكيميائية للأدوية، والتي تُعَد حاسمةً في تحديد مدى فاعليتها.

نجح الفريق في تتبُّع كيفية امتصاص عقار "نيراتينيب" في الخلايا وعملية تغيُّره كيميائيًّا، وكان المستغرَب في الأمر، والذي لاحظه الفريق البحثي أن معظم جزيئات الدواء تحولت إلى جزيئات غير فعالة من الناحية الدوائية، وهذه النتائج يمكن الاستفادة منها في المستقبل في تطوير أدوية السرطان وعلاجاته بشكل أسرع.

"الشيء الجيد في هذه التقنية الجديدة، هو أن مركبًا دوائيًّا مثل هذا يمكن (من الناحية النظرية) تَتَبُّعه دون أن نُضطرَّ إلى استخدام لاصق فلوري عليه، فعندما نلصق جزيئات كبيرة كالبروتينات على دواء ما، نتساءل دائمًا عن نوع الاضطرابات التي يمكن لها أن تتسبب فيها، وحتى وضع العلامات الجزيئية الصغيرة، ربما يكون أكثر صعوبة. وستظل أصغر المجموعات جزءًا كبيرًا لإضافته إلى أي تركيبة دوائية، لذا فنحن الآن أمام نوع جديد تمامًا من تقنيات تتبُّع فاعلية الدواء ورصدها"، وفقًا لما كتبه "ديريك لوي"، خبير صناعة الدواء، والحاصل على الدكتوراة في الكيمياء العضوية من جامعة ديوك الأمريكية، على مدونة مجلة ساينس الشهيرة.

أبحاث المشتولي

المشتولي قادته أبحاثه إلى عدة محطات دولية، فبعد تخرُّجه في جامعة عين شمس المصرية، سافر إلى اليابان حيث حصل على شهادة الدكتوراة، بعدها التحق بكلية ألبرت أينشتين بولاية نيويورك الأمريكية لإتمام دراسة ما بعد الدكتوراة، ثم عمل أستاذًا مساعدًا في جامعة الملك خالد في السعودية، قبل أن يلتحق بجامعة الرور في بوخوم الألمانية ضمن فريق يعمل في أول مركز أوروبي لأبحاث البروتين.

وفي تعليقه على نتائج بحثه الجديد، قال المشتولي لـ"للعلم" إن النتائج تُظهر أن مطياف رامان يمكِّننا من تحديد الخصائص الفيزيوكيميائية للمركبات الدوائية التي لا تزال في طور التجربة، وفي مرحلة مبكرة من اكتشاف العقار.

وأضاف المشتولي أن الدراسة حققت أعلى النتائج في رصد توزيع عقار "نيراتينيب" في الخلايا السرطانية دون الاعتماد على الملصقات الفلورية، وبجرعات تقترب من التركيزات الحقيقية التي جرى رصدها في بلازما مرضى السرطان، مضيفًا أن نتائج البحث تشير إلى تغيير التركيب الكيميائي لعقار "نيراتينيب" في الخلايا، وذلك على الأرجح بسبب طريقة استقلاب الدواء.

وأشار إلى أن نتائج البحث توفر معلومات حول آلية عمل الدواء، على سبيل المثال، الدور الذي يقوم به عند الارتباط بمستقبِلات (EGFR) و(HER2) الموجودة على سطح الخلايا السرطانية، وطريقة استيعابها للدواء.

ويشدد على أن الدراسة لم تطبق على الإنسان، ولكن الغرض منها هو تطوير أساليب المختبر لتقييم فاعلية أى دواء وحركته، والخطوة التالية في هذه الدراسة هي تقييم الدواء داخل الجسم، وستطبَّق على فئران التجارب، وهي الخطوة التالية في التجارب قبل السريرية التي تجرب على الإنسان.

أدوية فعالة

"إيهاب فاروق القاضي" -أستاذ الكيمياء الصيدلية المساعد بكلية الصيدلة، جامعة القاهرة- وَصَف ما توصل إليه فريق البحث بأنه طفرة في طرق مراقبة حركة الدواء ورصد آلية عمله، تُسهم في ظهور نتائج الأدوية بفاعلية في مراحل الاختبار الأولية، ما يقود إلى اكتشاف أدوية فعالة للسرطان.

وأضاف في حديث لـ"للعلم"، أن الجديد الذي فعله الفريق هو مراقبة حركة الدواء بتركيزه الفعلي، دون التقيد بالملصقات الفلورية التي قد تَعُوق عمل الدواء، وتَحُول دون دخوله إلى الخلايا السرطانية، لكبر حجم جزيئاته.

وشدد على أن هذه الطريقة ستمكِّن صناع الأدوية من معرفة التركيزات الفعلية والجرعات المحددة لأدوية السرطان الجديدة؛ لأن بعض الأدوية تتأثر سلبًا بطرق مراقبة الدواء الحالية، وظهر ذلك جليًّا حينما اكتشف الفريق البحثي أن معظم جزيئات عقار "نيراتينيب" تحولت إلى جزيئات غير فعالة من الناحية الدوائية، حينما راقبوا الدواء بتركيزاته الفعلية دون وجود ملصقات فلورية.

واعتبر أن التحدي الذي يقف أمام الفريق هو تجربة هذه الطريقة على أكثر من دواء، لمراقبة فاعليتها؛ لأن جزيئات الدواء تختلف من عقار إلى آخر، وبالتالي ستحدد التجارب المستقبلية جدوى تلك الطريقة في مراقبة حركة الأدوية.