تسببت خطوط إمداد التجارة الدولية وزيادة طلب الدول الغنية على منتجات مثل لحم البقر وفول الصويا والقهوة والكاكاو وزيت النخيل والأخشاب، في زيادة معدلات إزالة الغابات، خاصةً في المناطق الاستوائية المهددة، إذ يتسبب الطلب على المنتجات الزراعية والزراعة الحراجية في 80٪ من حجم إزالة الغابات في العالم، وفق تقديرات سابقة.

تشمل أنظمة الزراعة الحراجية الأنظمة التقليدية والحديثة التي تستهدف الانتفاع بالأرض، إذ تزرع الأشجار مع المحاصيل الاقتصادية جنبًا إلى جنب مع الإنتاج الحيواني وتربية الماشية، وتمارس الزراعة الحراجية بمعدلات عالية في المناطق المدارية والمعتدلة، وتُسهم في الأمن الغذائي لهذه البلدان.

في هذا السياق، تشير نتائج دراسة حديثة نشرتها دورية "إيكولوجي أند إيفولوشن"، وأجراها باحثون من جامعة "كيوتو" اليابانية إلى أن استهلاك الدول الصناعية لمنتجات الغابات الاستوائية في دول مجموعة السبع الصناعية الكبرى يمثل خسارة متوسطة تبلغ 3.9 شجرات للفرد في السنة.

وتضم مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى: الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وكندا، واليابان.

جمع الباحثون المعلومات المنشورة سابقًا حول فقدان الغابات والعوامل المسببة له، مع الاستعانة بقاعدة بيانات عالمية للعلاقات التجارية المحلية والدولية بين 15 ألف قطاع صناعي، في الفترة من 2001 إلى 2015، محذرين من أن الغابات تتعرض للتدمير بمعدل ينذر بالخطر؛ بسبب أراضيها القيمة للتعدين والزراعة والسلع الأخرى.

يقول نجوين تيان هوانج، الباحث في معهد البيئة والإنسان في جامعة كيوتو اليابانية، والمؤلف الرئيسي في الدراسة: إن الدراسة الحالية تقدم أول خرائط مكانية وزمانية لآثار إزالة الغابات على مستوى العالم، مشددًا على أن هذه الخرائط تساعد في فهم ديناميات إزالة الغابات المرتبطة بالتجارة الدولية وسلاسل الإمداد الدولية على نحوٍ أفضل.

نظام بيئي فريد

تغطي الغابات قرابة 30.6% من مساحة اليابسة، وتوفر الغابات الاستوائية موائل لما بين 50 إلى 90٪ من جميع الأنواع البرية، كما أنها موطن لعدد غير معروف من الكائنات المُمْرضة التي تهرب مع إزالة الغابات، ما قد يفسر انتشار بعض الأوبئة التي وقعت في السنوات الأخيرة.

وتؤدي الغابات عددًا من الخدمات البيئية المهمة، مثل عزل الكربون وتخزينه وحماية التنوع البيولوجي، فضلًا عن صيانة النظام البيئي من خلال الأشجار التي تُعد إزالتها أحد أهم مصادر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، كما تمثل أشجار المانجروف 0.7% من إجمالي الغابات الاستوائية في العالم، وتتمتع غابات المانجروف بنظام إيكولوجي فريد يُسهم في حماية السواحل؛ إذ تعمل كمنطقة عازلة تحمي الأرض من أضرار الرياح والأمواج، وتحول دون تسرُّب المياه المالحة إلى المياه الجوفية، كما تحد من وطأة تغيُّر المناخ؛ إذ تحتجز نحو 75 مليار طن من الكربون، وتؤوي العديد من الحيوانات البرية والبحرية.

ويقدر تقرير حالة الغابات الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن حوالي نصف غابات العالم فقط لا يزال سليمًا نسبيًّا، ووفق التقرير فإن معدل إزالة الغابات قدِّر بـ10 ملايين هكتار سنويًّا في الفترة ما بين عامي 2015 و2020، بعد أن كان 16 مليون هكتار سنويًّا في التسعينيات، ويعادل الهكتار 10 آلاف متر مربع.

وتشير دراسة سابقة نُشرت في ديسمبر عام 2020 في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" إلى أن الجزء المتبقي من الغابات الاستوائية التي لم تتم إزالتها تعاني من تآكل الكتلة الحيوية والتنوع البيولوجي، بحيث فقدت الغابات 25-32٪ من الأشجار، و23-31٪ من الأنواع التي كانت تعيش فيها.

وتقدر الدراسة الأخيرة أن تآكل الكتلة الحيوية عبر بقايا الغابات الأطلسية في أمريكا الجنوبية يعادل خسارة 55-70 ألف كيلومتر مربع من الغابات.

وترتبط 29 إلى 39٪ من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري بإزالة الغابات التي تحرض عليها حركة التجارة الدولية، وفقًا لنتائج دراسة أخرى نشرتها مجلة "جلوبال إنفيرونمنتال تشينج" في مايو 2019، وتوضح الدراسة أنه في الفترة من 2010 إلى 2014، ارتبط التوسع في الزراعة في مواقع الغابات عبر المناطق المدارية بانبعاثات صافية تبلغ حوالي 2.6 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًّا، وتمثل منتجات الماشية والبذور الزيتية (مثل الذرة وفول الصويا) أكثر من نصف هذه الانبعاثات.

صيانة الغابات

يرى هيدلي جرانثام -مدير التخطيط للحماية البيئية في جمعية المحافظة على الحياة البرية ومقرها نيويورك- أن الدراسة اليابانية الحديثة تسد ثغرة مهمة في قضية صيانة الغابات، إذ تُظهر النتائج الآثار المترتبة للتجارة الدولية على الغابات وتوزعها مكانيًّا؛ فعلى سبيل المثال، يتضح أن إزالة الغابات تحدث داخل النقاط الساخنة للتنوع البيولوجي (مثل الأمازون)، وتنحاز نحو مناطق أحيائية محددة للغابات (مثل الغابات الاستوائية إلى حد كبير).

يضيف "جرانثام" في تصريحات لـ"للعلم": أشجع البحث المستقبلي باستخدام هذه البيانات لاستكشاف كيفية تأثير البصمات المحلية على الأنواع والأنظمة البيئية المهددة (مثل غابات الأراضي المنخفضة في جنوب شرق آسيا)، كما سيكون من المفيد أيضًا أن تعمل الدراسات المستقبلية على تقييم الدوافع الفردية لإزالة الغابات على نحوٍ أكثر تحديدًا.

وتشير دراسة نُشرت في يوليو 2019 إلى أن الأشجار يمكن أن تساعد في كبح جماح هذا الإرهاب المناخي عن طريق زراعة ما يقرب من مليار هكتار من الغابات (0.9 مليار)، التي يمكن أن تزيل ثلثي ملوثات الكربون التي تسبَّب الإنسان في انبعاثها في الغلاف الجوي للأرض منذ القرن التاسع عشر، ويمكن لهذه الغابات الجديدة أن تخزن 205 مليارات طن من الكربون، ويبلغ مقدار هذه الملوثات 300 جيجا طن تقريبًا. 

خرائط الاستهلاك

تتفق الدراسة السابقة مع الدراسة الحالية في توجيه اللوم إلى الدول الصناعية الأوروبية وكذلك إلى الصين بوصفهم المستوردين الرئيسيين لمنتجات البلدان الفقيرة التي تزرع هذه المحاصيل، وأوضحت الدراسة العلاقة بين إزالة الغابات وطلب الدول الغنية على السلع، لكن ما لم يتم توضيحه هو التوزيع المكاني لإزالة الغابات المرتبط بتجارة تلك السلع.

يعلق "هوانج" على ذلك قائلًا: يُعد فهم آثار إزالة الغابات العالمية أمرًا ضروريًّا لوضع سياسات تنظيمية أفضل وتدخلات قائمة على العلم لحماية الغابات في مختلف النقاط الساخنة؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لواضعي السياسات والشركات الوصول إلى تصور واضح تقريبي عن ماهية سلاسل التوريد التي تسبب إزالة الغابات وأماكنها، وإذا كانوا يعرفون سلاسل التوريد التي تجب مراجعتها، يمكنهم التركيز على سلاسل التوريد هذه للعثور على مشكلات وحلول أكثر تحديدًا.

دمج الباحثون ثلاث مجموعات من بيانات الخرائط، هي: الخسارة السنوية للغابات، والعوامل الرئيسية المسببة لإزالة الغابات، وحدود المنطقة المهددة، مع الاستعانة بنموذج المدخلات والمخرجات متعدد المناطق الذي توفره قاعدة بيانات Eora MRIO لتتبُّع إزالة الغابات مكانيًّا، وتتضمن قاعدة البيانات تلك المعاملات النقدية المحلية والدولية بين 15 ألف قطاع صناعي عبر 190 دولة، وتغطي خريطة فقدان الغابات 143 مليار بكسل بدقة 30 مترًا.

باستخدام هذه البيانات، حدد الباحثون بصمة إزالة الغابات لكل بلد محليًّا ودوليًّا على أساس استهلاك السكان، وبدراسة أنماط إزالة الغابات لسلع معينة، وجد المؤلفون أن استهلاك الكاكاو في ألمانيا يمثل خطرًا كبيرًا جدًّا على الغابات في ساحل العاج وغانا، كما أن إزالة الغابات في ساحل تنزانيا مرتبطة بالطلب الياباني على المنتجات الزراعية. 

دوافع مختلفة

قد تختلف دوافع إزالة الغابات في البلد الواحد، إذ إن إزالة الغابات في المرتفعات الوسطى لفيتنام مدفوعة أساسًا باستهلاك البن في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإيطاليا، في حين أن إزالة الغابات في شمال فيتنام مرتبطة إلى حدٍّ كبير بصادرات الأخشاب إلى الصين وكوريا الجنوبية واليابان.

وتوضح الدراسة أن الصين تسببت في إزالة الغابات بشكل كبير في شرق آسيا من أجل الحصول على الأخشاب، في حين أن بصمة اليابان كانت أكبر في إفريقيا بسبب سعيها إلى الحصول على العديد من السلع الزراعية مثل الفانيليا والقطن وبذور السمسم.

كما وجدت الدراسة أن أكثر من 90٪ من تأثير بلدان مثل المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان على إزالة الغابات كان بسبب استيراد المنتجات الزراعية من الخارج بين عامي 2001 و2015، وأن ما بين 46٪ و57٪ منها كان من بلدان تغطيها الغابات الاستوائية.

أما الولايات المتحدة، فظهرت بصمتها في عدد من الدول من خلال الطلب على سلع مثل الأخشاب من كمبوديا، والمطاط من ليبيريا، والفواكه والمكسرات من جواتيمالا، وفول الصويا ولحم البقر من البرازيل.

وبينما كان أكثر من 90٪ من إزالة الغابات التي تسببت فيها خمس من دول مجموعة السبع خارج حدودها، فإن المثير للاهتمام أن هذه الدول الغنية ذاتها (باستثناء كندا) شهدت نموًّا في الغابات محليًّا.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول ما إذا كانت هناك دول عربية من بين الدول التي تؤثر سلبًا على الغابات حول العالم، يقول "هوانج": لم نتطرق في الدراسة إلى دول عربية بعينها، لكن على الرغم من عدم كونها من كبار المستهلكين، فإن بصمة إزالة الغابات في المملكة العربية السعودية كانت مرتفعة، بل إن بصمة الفرد على الغابات في السعودية تتجاوز بصمة الفرد في الصين، ويشرح الباحث الرئيسي في الدراسة أن 100٪ من بصمة إزالة الغابات في المملكة العربية السعودية تقع خارج حدودها من خلال الواردات، مضيفًا: "على سبيل المثال، يعادل نصيب الفرد من إزالة الغابات في عام 2015 في السعودية 0.74 شجرة/فرد أو 11.5 مترًا مربعًا/فرد، في حين بلغ نصيب الفرد من إزالة الغابات في الصين 0.52 شجرة/شخص أو 9.6 أمتار مربعة/فرد".

تحفيز الاستدامة 

تشير الدراسة إلى أنه إذا أرادت الدول الغنية حماية غابات البلدان الفقيرة، فعليها تحفيز الاستدامة ودعم صيانة الغابات الاستوائية، إذ إن وقف تدهور الغابات هو جزء أساسي من خفض الانبعاثات الضارة والمسببة للاحتباس الحراري.

يقول "هوانج": "إن إزالة الغابات ليست مشكلة محلية، ويجب على الدول أن تتكاتف لصيانة الغابات، وأن يشمل التعاون القطاع الخاص كذلك"، موضحًا أن أكثر القطاعات المستنزِفة للغابات هي زراعة المحاصيل الاقتصادية مثل فول الصويا والبن والكاكاو وزيت النخيل، ويتابع: نتمنى أن يفكر الناس أكثر في إزالة الغابات قبل شراء واستهلاك السلع التي تمثل خطرًا عليها.

من جهته، يتفق أندريا فينا -أستاذ الجغرافيا المساعد في جامعة ولاية ميشيجان الأمريكية- مع نتائج الدراسة، مشددًا على أن الفهم الأكثر شموليةً للأسباب الرئيسية لإزالة الغابات أمر أساسي من أجل تنفيذ إستراتيجيات الحفظ والاستعادة المناسبة لهذه الغابات.

يقول "فينا" في تصريحات لـ"للعلم": من المهم فهم التغييرات في الغطاء الحرجي بسبب التفاعلات البعيدة مثل التجارة الدولية للسلع الأساسية، والسياحة، بحيث تأخذ المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تعالج تغير الغطاء الأرضي إزالةَ الغابات في الاعتبار، وأضاف أن أهم ما يميز الدراسة الحالية ليس أنها أوضحت الكمية فقط، ولكن التوزيع المكاني والتغيرات عبر الزمن لآثار إزالة الغابات بسبب التجارة الدولية للسلع الأساسية.