تؤدي الأنهار دورًا بارزًا في دعم المجتمعات البشرية من خلال توفير الماء اللازم للشرب وممارسة الأنشطة الزراعية. لكن السنوات الأخيرة شهدت تراجُعًا في قدرة الأنهار الكبرى حول العالم على التدفق بحُرية، بسبب التدخلات البشرية وإنشاء السدود واعتراض مجاري هذه الأنهار.

ووفق دراسة نشرتها مجلة نيتشر (Nature) اليوم "الأربعاء"، 8 مايو، فإن 91 نهرًا من الأنهار الطويلة في العالم، والتي يزيد طولها على 1000 كيلومتر ويبلغ عددها 242 نهرًا، فقط هي التي ما زالت تتدفق بحُرية، وذلك بنسبة تُقدَّر بـ37.6%، في حين أن 63% من جملة هذه الأنهار يتعرض لإعاقة حركة تدفُّق المياه في مجراه؛ بسبب السدود والخزانات التي أنشأها الإنسان.

وتساعد حرية تدفق مياه المجرى النهري إلى سير المياه دون عوائق على تسهيل الاتصال بين مكونات النظام النهري، سواء للمياه أو المواد العضوية، والأنواع البحرية، والطاقة، والضوء.

وتقدم الدراسة -التي أعدها فريق دولي مكون من 34 باحثًا تقودهم جامعة "ماكجيل" الكندية و"الصندوق العالمي للطبيعة"- أول تقييم لحُرية تدفق الأنهار من خلال رصد حالة اتصال 12 مليون كيلومتر من المجاري النهرية في جميع أنحاء العالم.

يقول "جونتر جريل" -أستاذ الجغرافيا في جامعة "ماكجيل"، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة هي الأولى من نوعها التي تقوم على تقييم تدفُّق المجاري النهرية الكبرى على مستوى العالم. كما أنها ترسم أول خريطة للأنهار التي لا تزال تنعم بحُرية التدفق حول العالم، ويمكن أن تساعد صناع القرار على تحديد هذه الأنهار وحمايتها".

وأوضحت الدراسة أن 12 نهرًا من بين الـ91 نهرًا التي لا تزال تتدفق بحرية وتحتفظ بخاصية الاتصال المباشر بين المنبع والمصب على ساحل البحر ينتهي بها المطاف إلى المحيط. أما الـ79 نهرًا حرًّا المتبقية فتنحصر في المناطق النائية في القطب الشمالي وحوض الأمازون وحوض الكونغو.

يضيف "جريل" أن "الأنهار تشكل شبكة معقدة لها روابط حيوية بالأرض والمياه الجوفية والغلاف الجوي، لكن هذه الشبكة تتعرض لبعض المعوِّقات التي ترتبط بالتوسع في التنمية الاقتصادية على مستوى العالم. وباستخدام صور الأقمار الصناعية وغيرها من البيانات، بحثنا مدى اتصال الأنهار بدرجة من التفصيل غير مسبوقة في أي دراسة أخرى".

وتشير الدراسة إلى أن "السدود والخزانات تُعَد مساهمًا رئيسيًّا في فقدان الاتصال في الأنهار العالمية؛ إذ إن هناك حوالي 60 ألف سد كبير في جميع أنحاء العالم، وهناك أكثر من 3700 سد (مخطط له أو قيد الإنشاء حاليًّا) بغرض إنتاج الطاقة الكهرومائية"، مشددةً على أن "تغيُّر المناخ سوف يهدد كفاءة الأنهار؛ إذ تؤثر درجات الحرارة المرتفعة على أنماط التدفق ونوعية المياه والتنوع البيولوجي في النهر".

وتمثل الأنهار نظامًا بيئيًّا مهمًّا لحماية التنوع البيولوجي في المياه العذبة، كما يسهم مخزون الأسماك في الأنهار في تأمين الأمن الغذائي لمئات الملايين من الناس. إضافةً إلى ذلك، فإن مجاري الأنهار الحرة تخفف من حدة آثار الفيضانات، وتُسهم في تعزيز خصوبة التربة من خلال نقل الطمي والمغذيات العضوية من منابع النهر إلى مصبه، وكل هذه الفوائد تتأثر على الأرجح في حالة فقد مياه الأنهار لحرية تدفُّقها.

وأظهر تحليل أجراه الصندوق العالمي للطبيعة مؤخرًا شمل 16704 من الأنواع البرية على مستوى العالم، أن أعداد الأنواع التي تعيش في المياه العذبة شهدت أكثر انخفاض واضح بالنسبة لجميع الفقاريات على مدار نصف القرن الماضي، كما انخفضت الأحياء البرية في النظام البيئي للمياه العذبة بمعدل 83% منذ عام 1970.