فتحت الهياكل الخارجية الروبوتية منذ وقت طويل باب الأمل في إمكانية تطوير بدلات آلية تعيد الحركة في يوم من الأيام للمعاقين، أو تمنح الجنود والعمال قوة خارقة. لكن على الرغم من الضجيج الذي عشناه عقودًا، لا تزال "البدلات الخارجية" الأسطورية جزءًا من سلسلة أفلام "الرجل الحديدي" وعالم الخيال العلمي، خاصةً مع التخبط الذي تعانيه معظم النماذج الأولية الحقيقية من هذه الهياكل، أو الكفاح من أجل العثور على سوق لها. غير أن المفهوم ذاته يأبى أن يتلاشى؛ فبدلًا من ذلك، يعيد الباحثون في جامعة كارنيجي ميلون وأماكن أخرى التفكير في عملية تصميم الهياكل الخارجية برمتها، من بدايتها إلى نهايتها، حرفيًّا.

يتبع فريق كارنيجي ميلون نهجًا جديدًا يحسِّن القدرة على التحمُّل عن طريق تقليل الجهد المبذول من قبل مرتدي البدلة، وهو تحدٍّ قائم منذ أمد بعيد في هذا المجال. فبدلًا من محاولة بناء بدلة تقليدية للجسم بالكامل أو للجزء السفلي منه، ابتكر الفريق دعامةً للكاحل، يمكن التحكم فيها بواسطة برمجيات، تهدف مباشرة إلى تقليل الجهد اللازم للمشي، على نحو يجعل الحركة أقل إرهاقًا لمن يعانون من إعاقات جسدية. وكما يقول الباحثون في دراسة نُشرت الشهر الماضي في دورية "ساينس" Science، فإن مثل هذه الأجهزة البسيطة -الموجهة والأقل إثارة للانتباه، والمريحة كذلك- يمكن أن تتجنب أخيرًا العيوب السابقة، لتوفر هياكل خارجية عملية وبأسعار معقولة.

وينبغي أن تكون الخوارزمية التي تتحكم في حركات أي هيكل خارجي مُحسَّنة؛ لكي توفر التوقيت والطاقة التي يحتاجها مرتديها بالضبط. وفي هذه الحالة تحديدًا، يرغب ستيف كولينز -وهو أستاذ مساعد للهندسة الميكانيكية بجامعة كارنيجي ميلون، والباحث الرئيسي في الدراسة– في أن يعرف الهيكل الخارجي تلقائيًّا كيفية تقليل استهلاك مرتدي الهيكل للطاقة في أثناء المشي.

وبهدف اختبار الاستراتيجيات المساعدة المختلفة، ربط الفريق جهازًا طويلًا يولِّد عزم دوران مشابهًا للهيكل الخارجي على كاحل كل مشارك في الدراسة، كما جرى توصيل المشاركين بجهاز تنفس يقيس استهلاكهم من الأكسجين، ويدل على استهلاكهم للطاقة. وباستخدام "خوارزمية تدريجية" تجرِّب على نحو متكرر عدة توليفات من العزم والتوقيت، ثم تختار التوليفة الأفضل للعمل على تطويرها، تمكن الباحثون من تخفيض استخدام الطاقة بنسبة 14% تقريبًا مقارنة بالمشي دون دعامة. يُعَدُّ هذا تحسنًا كبيرًا عما تحقق في أي نظام سابق. لكن بالنسبة لكولينز، فليس المهم هو التفاصيل أو حتى أداء الخوارزمية؛ إذ يقول إن هذا ليس بحثًا حول الهياكل الخارجية، "وإنما هو بحث حول طريقة تصميم هياكل خارجية" تختلف عما سبقها بطرق جوهرية.

أحد المشاركين في التجربة يسير على جهاز المشي مرتديًا محاكي الهيكل الخارجي، في حين يقيس القناع الذي يرتديه استهلاك الأكسجين.
Credit: Kirby Witte, Katie Poggensee, Pieter Fiers, Patrick Franks and Steve Collins

نهج أكثر تناسقًا

يهدف نهج كولينز في التصميم إلى تحديد المشكلات التي واجهت الجهود السابقة لتطوير البدلات الخارجية. وتُعدُّ النماذج العسكرية من المحاولات الأكثر شهرة التي توافقت كثيرًا مع رؤية الخيال العلمي لمنح الإنسان قوة خارقة عند ارتداء هذه الآلات. إن الإعلان عن البدلة الخارجية العسكرية "إكسوس 2" (XOS2)، التي ابتكرتها شركة الروبوتات "رايثيون ساركوس" في عام 2010، وكذلك البدلة المشابهة لها من صنع شركة "لوكهيد مارتن" في العام التالي، والتي حملت اسم "هيومان يونيفرسال لود كارير" "هالك" (HULC)، قد أثار الكثير من الجلبة حينها. لكن تحريك البشر يستهلك الكثير من الطاقة، وقليل من الجنود مَن يرغب في التحرك حاملًا مجموعة ضخمة من البطاريات. كما أن بدلة للجسم بالكامل لا بد أن تكون قادرة أيضًا على دعم وزنها، وتلك ليست بالمهمة الهينة لبدلة "إكسوس 2" البالغ وزنها 68 كيلوجرامًا. وقد تم إهمال البدلة "إكسوس 2" في نهاية المطاف بسبب نقص التمويل من وزارة الدفاع الأمريكية، وفق ما ذكرته شركة "ساركوس"، كما توقف مشروع بدلة "هالك" بعد فشلها في الأداء على نحو ملائم في الاختبارات العسكرية.*

أما الهياكل الخارجية الطبية –وهو استخدامٌ لهذه التكنولوجيا كثيرًا ما يشار إليه- فقد حققت أداءً أفضل قليلًا. فهناك العشرات من هذه الهياكل حاليًّا في الأسواق، لكن الشركات التي تصنعها عادة ما "تحيا على المنح، أملًا في بيع هياكل إعادة التأهيل الخارجية المكونة من قطعة واحدة أو قطعتين للعيادات"، وفق ما يقول دان كارا، المدير الممارس للروبوتات في شركة "أيه بي آي ريسيرش" لأبحاث السوق. وتقول كات ستيل -الأستاذ المساعد للهندسة الميكانيكية بجامعة واشنطن-: إنه عندما يتعلق الأمر بالبدلات التي يمكن أن تساعد المرضى في المنازل، "فإنني لم أر بعد نموذجًا قويًّا أو تكنولوجيا واعدة لأشياء يمكن للناس استخدامها في الحياة اليومية". وحتى عندما تكون التكنولوجيا جاهزة، تظل التكلفة عائقًا. قد يكون الجيش قادرًا على دفع عشرات الآلاف من الدولارات للبدلة الواحدة، لكن بيع مثل هذه البدلة للمواطنين وشركات التأمين الخاصة بهم هو أمر في غاية الصعوبة.

ومع ذلك، فوفقًا لكولينز، فإن التحدي الأساسي كان أكثر جوهرية من تحدي السعر أو الطاقة، ويقول مفسرًا ذلك: "إننا لا نعلم ما يجب على الهياكل الخارجية عمله لمساعدة المستخدم". فعلى أي حال، الأجسام البشرية بارعة بالفعل فيما تفعله. ويقول ماكس دونيلان -أستاذ علم وظائف الأعضاء الطبية الحيوية وعلم الحركة بجامعة سايمون فريزر-: إن المشروعات السابقة اعتمدت إلى حد كبير على افتراض ما سيكون مفيدًا، وبعد ذلك "استغرقت سنوات في بناء آلات لاختبار الفرضيات". ويقول لوك موني -المؤسس المشارك لشركة الروبوتات "ديفي"-: إن نتيجة ذلك غالبًا ما تكون عبارة عن "روبوت تقبع بداخله"، ولا يكاد يحتاج إلى مُشغِّل بشري، وعندما يحاول الإنسان المشاركة في الحركة، يقف الاثنان (الروبوت والإنسان) أحدهما في طريق أحدهما، على نحو تتلاشى معه أي مكاسب، باستثناء حالات أصحاب الإعاقات البالغة.

يؤيد دونيلان وجود تعاون أوثق بين الإنسان والآلة، "يعمل على تحسين ما يفعله الجسم بالفعل عن طريق القيام بأشياء لا يستطيع الجسم القيام بها". وهذا ما يهدف نهج كولينز لتحقيقه. إنه يبدأ من نقطة ألم معروفة؛ إذ أظهر التحليل الفسيولوجي أن الكثير من استهلاك الطاقة في أثناء المشي ينبع من ثني الكاحل، مما يجعل نقطة الانثناء هدفًا جيدًا لتوجيه الدعم والمساعدة. وهكذا فإن مهمة الدعامة الروبوتية ليست مجرد بعض الأشكال المحددة سلفًا لمساعدة الكاحل، وإنما اكتشاف أفضل طريقة للمساعدة، بما في ذلك تحديد الوقت الذي ينبغي على الدعامة فيه ألا تتدخل مطلقًا في الحركة.

 

المستخدِم في المقام الأول

إن توجهًا مماثلًا في التركيز على المستخدم ينقل المجال تدريجيًّا ليعبر عوائق تاريخية أخرى إلى التطبيق على نطاق واسع. فعلى سبيل المثال، تجاهلت العديد من المشروعات السابقة سهولة الاستخدام إلى حد مثير للدهشة. يقول دان كارا إن القائمين بالاختبارات ممن قابلهم شخصيًّا اشتكوا من مضايقات بسيطة، مثل أن الآلات "كان من الصعب ارتداؤها وخلعها. فقد كانت تحتك بالجسم". بالإضافة إلى ذلك -يقول موني- لا يوجد الآن هياكل خارجية يمكن إخراجها من علبتها وارتداؤها واستخدامها في غضون دقائق. إن هذا لا يستلزم فقط سرعة تعلُّم المستخدم لكيفية استخدام الجهاز، لكنه يتطلب أيضًا تكيُّف الجهاز مع المستخدم. وكما يقول كولينز: "الجميع مختلفون؛ فالاستراتيجية المساعدة التي تعمل على نحو جيد معك قد تجعل المشي أصعب بالنسبة لي".

إلا أن هذه المشكلات بدأت في التلاشي مع ظهور التصميمات المبسطة الموجهة لخدمة احتياجات للمستخدمين محددة للغاية. فعلى سبيل المثال، يمكن تحسين صحة العدائين باستخدام هيكل خارجي مزود بمحركات صغيرة عند الورك والكاحل بخوارزميات مثل خوارزميات كولينز تتكيف مع مشية المستخدم. ولمساعدة الجنود على رفع الذخائر الثقيلة، قد لا يحتاج الهيكل الخارجي إلى أي طاقة؛ فبعض التصميمات الواعدة سلبية تمامًا فيما يتعلق بتوفير الطاقة؛ إذ تستخدم زنبركات في نقل الأثقال مباشرة إلى الأرض أو تخزين الطاقة مباشرة عند الانحناء. إن مثل هذه الهياكل الخارجية تحقق بالفعل تقدمًا في صناعات مثل أعمال الإنشاءات وبناء أحواض السفن.

وقد يحتاج مرضى الشلل النصفي إلى بدلة للجزء السفلي من الجسم بكامله، لكن ربما ينبغي تصنيع مثل هذه البدلة من مواد مريحة مماثلة للقماش، مثل "البدلات الخارجية اللينة"، التي يجري تطويرها في مختبر كونور والش بجامعة هارفارد، وهو أستاذ مساعد في الهندسة والعلوم التطبيقية. ففي دراسة نُشِرَت في دورية "ساينس ترانسليشنال مديسن" Science Translational Medicine يوم الأربعاء، قال والش وزملاؤه في جامعتي هارفارد وبوسطن إنهم تمكنوا من تحسين حركة ضحايا السكتة الدماغية بمساعدة دعامة لينة وخفيفة الوزن للكاحل.

وحتى الآن، لا يزال البعض متمسكًا بفكرة هوليوود حول بدلة واحدة تتفوق على الجميع. فعلى سبيل المثال، لا تزال قيادة العمليات الخاصة الأمريكية تطور هيكلًا خارجيًّا يحمل اسم "بدلة عمليات الهجوم التكتيكي الخفيفة" "تالوس" (TALOS)، والتي صرحت المتحدثة الرسمية لقيادة العمليات الخاصة الأمريكية، الملازم لارا بولينجر، بأن عملية إنتاجها تسير في الطريق الصحيح للحصول على نموذج أولي بحلول عام 2018. وعلى الرغم من تشكُّك بعض الأكاديميين، يبدو معظمهم على استعداد لتقبُّل ظهور "بدلات الرجل الحديد" كاحتمال بعيد الأجل. ولكن في المستقبل القريب، من المرجح أن تأتي الفوائد المنتظرة من آلات أكثر بساطة وأكثر تخصصًا، ويعتقد كولينز أن تلك الفوائد توشك أن تتحقق عاجلًا وليس آجلًا. ويقول: "في غضون السنوات الخمس القادمة، سيصير من الشائع أن تستخدم -أو أن تعرف شخصًا يستخدم- هيكلًا خارجيًّا بشكل منتظم. لن يكون هذا الهيكل هو الهيكل الذي كنا نأمل في الحصول عليه بالضبط، لكنه ربما سيكون الهيكل الذي نحتاج إليه.