بهلع تطل الفتاة من نافذة المنزل المشتعل وهي تصرخ مستغيثة، وفي الأسفل يراقب جمهور من البشر الوضع وقلوبهم تدعو بسرعة وصول أحد رجال النجدة.. وبالفعل يصل "روبوت" النجدة!

ولحث الدماغ العربي على الدخول في السباق المحموم لتطويع الروبوت "الإنسان الآلي" واستخدامه، تم في عام 2015 تدشين مسابقات مثل جائزة الإمارات للروبوت والذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، التي يجري الإعلان عن نتائجها في فبراير من كل عام.

ويتسابق للفوز بالجائزة التي تبلغ مليون درهم إماراتي عدد من الابتكارات ذات البعد الإنساني، وتنقسم إلى فئتين: جائزة الإمارات للطائرات بدون طيار لخدمة الإنسان، وجائزة الإمارات للروبوت والذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، وتستهدف حل مشكلات في مجالات مثل العلوم الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والإغاثة الإنسانية.

في العام الحالي، تأهل للنهائي 20 مشروعًا، منها على سبيل المثال مشروع عربة متطورة تتكيف مع كافة التضاريس للوصول إلى المواقع الصعبة، والمساعدة في عمليات الإغاثة في أثناء الكوارث حملت اسم "المركبة الموجهة غير المأهولة (GDTS)"، جرى تطويرها من قبل معهد مصدر ومختبرات يو آر اس.

وعلق الدكتور ستيف غريفيث -نائب الرئيس للأبحاث في معهد مصدر- على المركبة في بيان صحفي: "نتوقع عند الانتهاء من تطوير النظم الخاصة بهذه المركبة أن تكون أكثر فاعلية وأقل تكلفة من الوسائل التقليدية المستخدمة في عمليات الإغاثة مثل قوافل الحافلات، والإنزال الجوي، وعمليات هبوط المروحيات المكلفة والخطرة في الخطوط الأمامية لمناطق الصراع".

وأضاف أن المركبة يمكن استخدامها في مهمات إزالة الألغام الأرضية في حقول الألغام القديمة المنتشرة على مستوى العالم.

روبوتات الأرض.. تكسح الألغام

الألغام الأرضية مشكلة قديمة تعاني منها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتُعَد كل من مصر والعراق وإيران من أكثر الدول التي تنتشر فيها المشكلة. ووفقًا لتقرير الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية، لقي أكثر من 5182 فردًا مصرعهم في العراق من جَرَّاء انفجار ألغام أرضية، في الفترة (1999- 2008).

هذه الأرقام وغيرها دفعت رابطة مهندسي الكهرباء والإلكترونيات قسم الروبوتات فرع مصر إلى تنظيم المسابقة الدولية للكشف عن الألغام والمتفجرات في عام 2012 بالتعاون مع مؤسسة حدث للإبداع وريادة الأعمال، لاستغلال عقول الشباب لتطوير روبوت يعمل على وضع خرائط لكشف الألغام وإزالتها.

اعتمدت المسابقة في نسختها الأولى على قياس قدرة الروبوت على الكشف عن اللغم المعدني، وهو النوع الأكثر انتشارًا في مصر، وأرجأت اللجنة الكشف عن الأجزاء البلاستيكية والزجاجية إلى الأعوام التالية.

تهدف المسابقة إلى تشجيع الشباب على إيجاد حلول تقنية وتطبيقات جديدة لتطويع الروبوتات لإزالة الألغام، إلى جانب توفير منصة تحوي مجموعة من الدورات والندوات المكثفة حول كل ما يتعلق بالروبوتات وكيفية تصميمها.

يوضح محمود عبد العزيز -أحد المشرفين على المسابقة- لـ"للعلم": "تدور المسابقة حول كيفية استخدام تكنولوجيا الروبوتكس لإنقاذ البشرية ورفع درجة الوعي بمشكلة الألغام في مصر، وجعل الطلبة جزءًا مشاركًا وفاعلًا لتحقيق هدف التخلص من الألغام".

وأضاف: "إن المطلوب من الفرق المشاركة هو تصميم روبوت قادر على عمل خرائط من نموذج المحاكاة، وهي منطقة مصممة لإجراء اختبار للجهاز، والتي يوجد بها ألغام سواء كانت مدفونة أو على السطح، والتقييم يكون بناءً على تحقيق الهدف ودقة الخريطة".

لجنة التحكيم مكونة من أساتذة وخبراء في علوم الروبوت، وهناك جوائز نقدية بجانب وصول الفائزين إلى نهائيات المسابقة الدولية، وستنطلق الدورة الجديدة للمسابقة في أكتوبر 2017.

روبوتات في الجو.. طائرات بدون طيار

"صعوبة دخول المساعدات"، تعبير تكرر على أسماعنا في الفترة الماضية كثيرًا ويمس قلوبنا؛ إذ ترافق مع الحرب الدائرة في سوريا والوضع الإنساني المتأزم في مدينة حلب ومناطق أخرى، وهو أيضًا ما أطلق الشرارة الأولى لمشروع قاده مارك جاكوبسن الطيار بسلاح الجو الأمريكي لعمل سرب من الطائرات بدون طيار لإيصال المساعدات الإنسانية من أدوية وطعام للسوريين.

المشروع الذي بدأ في 2015 يشارك فيه عدد كبير من المهووسين بالطائرات، من بينهم لاجئون سوريون وعراقيون مقيمون في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، ليصنعوا طائرات صغيرة الحجم تبلغ حمولة الواحدة منها كيلوجرامًا واحدًا أو اثنين فقط.

يرى جاكوبسن في حواره لموقع هيئة الإذاعة البريطانية أنه على النقيض من الطائرات من دون طيار من الأحجام الأكبر، لن تستحق طائراته الصغيرة عناء استهدافها من قِبَل مضادات الطيران، وحتى إذا أصيبت، فسيكون إحلال غيرها محلها أسرع وأقل تكلفة.

 وهناك الكثير من الاستخدامات الأخرى للطائرات بدون طيار، كوضع الخرائط الجغرافية، وعمليات البحث والإنقاذ، وتوصيل معدات الرعاية الصحية، والوصول للمناطق المنكوبة، خاصة مع ما تتمتع به من سرعة عالية تصل إلى 120 كم/ساعة، وآخرها الطائرة التي طورتها شركة نيسان باسم (GT-R drone) وصلت سرعتها إلى 185 كم/ ساعة.

وشاع استخدام هذه الطائرات من قِبَل هيئات الإغاثة، مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إذ ساعدت في تقييم احتياجات الفارين من الصراعات والاضطهاد، في مالي ونيجيريا وجنوب السودان، وفي المناطق المتضررة من الصراع في أفريقيا؛ لما توفره من مقاطع فيديو وصور تكشف تفاصيل أكثر بكثير من صور الأقمار الاصطناعية.

يقول أندرو هاربر -رئيس وحدة الابتكار التابعة للمفوضية- في بيان صحفي: "هناك العديد من الاستخدامات السلمية لهذه التكنولوجيا، سواء في حقوق الإنسان أو تقديم الإغاثة أو تحديد المخيمات".

ولفهم ديناميكيات تحركات السكان الفارين من اعتداءات بوكو حرام شرق النيجر، توجهت المفوضية إلى صانع طائرات مسيرة من نيجيريا يُدعى عزيز كونتشي، وصنع طائرة بسيطة من طراز 800 M، تقوم بالتقاط فيديو وصور ثابتة لتحويلها إلى خرائط دقيقة للمخيمات الجديدة، ستكون أساسية في دعم الاستجابة الإنسانية عبر منطقة بحجم بلجيكا.

يقول علاء خميس -أستاذ الهندسة المساعد بجامعة السويس، ومؤسس المسابقة الدولية للكشف عن الألغام والمتفجرات- لـ"للعلم": "المشكلة أن الدعم الذي تلقاه بحوث الروبوت موجه للاستخدام الحربي وليس السلمي، فنجد أن الولايات المتحدة من أكبر الدول الداعمة للاستخدام العسكري للروبوت من خلال توجيه استثمارات ضخمة لهذا المجال، أما اليابان، فتُعَد أكبر دولة مصنعة للروبوتات ذات التطبيقات الإنسانية".

ويتابع: "في منطقتنا العربية هناك ضعف في الوعي بمعنى الروبوت، نلاحظه مثلًا في ترجمة معناه بأنه إنسان آلي، مع أن شكل الإنسان الآلي هو واحد من أشكال الروبوت، فكلمة روبوت أصلها في لغة التشيك تعني "العبد"، هذا بجانب الاعتقاد أنه بديل للإنسان، مع أنه مجرد مساعد، واستخدامه سيخلق العديد من فرص العمل".

 كما ساعدت في تقدير المتضررين من كارثة الزلزال الذي ضرب نيبال في 2015 بقوة 7.8 درجات، وتسبب في مقتل نحو 7500 شخص، وفي دمار العديد من المباني وعلى رأسها بعض الأماكن المصنفة ضمن التراث العالمي مثل معبد "برج داراهارا" المشيد عام 1832.

وأعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عن إطلاق مبادرة لاستكشاف الاستخدامات الممكنة للطائرات بدون طيار في حالات الطوارئ الإنسانية، وذلك بالتعاون مع الحكومة البلجيكية.

روبوتات البحار.. غواصات للإنقاذ

بعد وصول المساعدات لداخل الدولة يأتي دور إنقاذ الهاربين من ويلات الحروب عبر البحر، ففي تقدير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يغرق سنويًّا أكثر من 400 لاجئ في البحر الأبيض المتوسط، أغلبهم من سوريا.

ومن المبادرات التكنولوجية في هذا المجال الروبوت "إميلي" الذي انطلق في عام 2016 لخدمة عابري البحر المتوسط إلى الشواطئ اليونانية، والذي طوره مركز بحوث الروبوتكس في جامعة (A&M) بتكساس في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولدى إميلي القدرة على التحكم عن بُعد في تحديد موقع الشخص في البحر والتشبث به لإنقاذه، ولا يزال الروبوت في مرحلته الأولية، لكنه يعطينا أملًا حول قدرة التطور التكنولوجي على إنقاذ الأرواح.

ونظرًا لأهمية الأمر، يتم تنظيم مسابقة ROV منذ عام 2002 في الولايات المتحدة الأمريكية، كأهم مسابقة عالمية لتطبيقات الروبوتات البحرية، وتتوجه المشروعات المتقدمة لحل مشكلات مثل إنتاج مقاطع مصورة لمناطق يصعب الوصول إليها؛ لاستخدامها في أغراض البحث العلمي، وأعمال البحث والإنقاذ البحري، إلى جانب التنقيب عن النفط والغاز، والشحن التجاري.

وللمسابقة نسخة عربية يجري حاليًّا الاستعداد لإقامتها خلال شهر أبريل في مصر، ويتأهل الفائز للمشاركة في المسابقة الدولية، وتحظى بدعم من مركز تنظيم الاتصالات؛ إذ تهدف لاستخدام الروبوت لإصلاح الغواصات البحرية، وتم تطبيق هذا المشروع من خلال إنشاء شركة صيانة لقناة السويس.

يرى خميس أن المسابقات التي تطلقها دول مثل مصر والإمارات العربية المتحدة في هذا المجال أمر جيد، "الإمارات تقدم دعمًا ماديًّا كبيرًا وجوائز مالية ضخمة لهذه المسابقات؛ لأنها تدعم استخدام التكنولوجيا بشكل كبير في مختلف مجالات الحياة، لكن تقتصر باقي مسابقات الدول العربية على كونها مسابقات تعليمية للطلبة لكيفية ابتكار روبوت".

ويتمنى محاكاة مسابقة الكشف عن الألغام والمتفجرات وتطبيقها في العديد من المجالات بجانب مجال الألغام، مثل استخدام الروبوت في الكشف عن تلوث الهواء أو تلوث مياه نهر النيل، لأن الروبوت مزود بمجسات استشعار، ويستطيع العمل في كل مجال يتطلب الدقة.