تغطّى الصحف بشكل يومي تطورات علوم الفضاء، ويقع جانبٌ كبيرٌ من تلك التغطيات الصحفية في نطاق الأخبار.. الأمر الذي يعني أنّ هناك من "الأخبار العلمية" الجديدة ما يكفي للمتابعة اليوميّة.

في السابق كان على قراء صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية الانتظار إلى حين صدور عدد يوم الثلاثاء من كل أسبوع لمتابعة حركة العلم في العالم. واليوم تقدِّم المواقع الصحفية الكبرى تلك الأخبار على مدار الساعة.

إنّ عمليات الرصد ونتائج التلسكوبات الكبرى تعطي نتائج مستمرة لمتابعاتٍ شتّى، وربما تلجأ الصحف في المستقبل إلى تخصيص أبواب صحفية من نوع "أخبار القمر"، "أخبار المريخ"، "أخبار الشمس"، "أخبار المجرة".. وهكذا.

لقد أدى التطور الهائل في تكنولوجيا الرصد والقياس إلى تقديم الكثير من الجديد، وهو ما أصبحَ يسبِّب قلقًا لعلماء الفلك الذين باتَ عليهم أن يلاحقوا هذا التطور التكنولوجي، الذي طالما جاء بقياساتٍ ونتائجَ جديدة.

تذهب البروفيسورة، أولجا سيلتشينكو، أستاذة علوم الفلك في جامعة موسكو الحكومية ومؤلفة كتاب "نشوء المجرات وتطورها" إلى أن "كل ما يتعلق بنشأة الكون وتشكل المجرات يتطور بسرعة، كما أن عمليات الرصد التطبيقية تسبق ثبوت النظرية، وما إنْ تُثبت نظريات الفيزياء الفلكية الجديدة حضورها، حتى تأتي معطيات أحدث تلغي ما سبق".

دعتْ "سيلتشينكو" - في حديث لها إلى التليفزيون الروسي - إلى "وجوب مراجعة النظريات السابقة باستمرار، حيث أن معدلات دحض النظريات تتزايد، وفي كل سنة تتغيّر نظرتنا للكون بناءً على هذا الجديد من أدوات وإمكانات الرصد. وهكذا تتراجع الفيزياء النظرية السابقة".

يسوق دعاة "تجديد الفيزياء" نماذج عديدة تدعو إلى المراجعات اللازمة في العلم الكبير. فقبل عام 1999 - على سبيل المثال - كان السائد أن الكون يتوسّع، ولكنّه يتوسّع بلا تسارع. وبعد ذلك العام أصبح السائد أن الكون يتوسع، وهو يتسارع في ذلك التوسّع.

يسوق، أنيل أنانثاسوامي، مؤلف كتاب "حافة الفيزياء" نموذجًا آخر يتعلق بقياس ثقل الكون، وبهاتيْن الطريقتيْن المستقلتيْن لحساب "ثابت هابل". وثابت هابل هو المعدل الذي يتمدّد به الكون حاليًا. ووفق مقال لـ" أنانثاسوامي" نشره في "ساينتيفيك أمريكان" يونيو 2020، فإن الاختلاف بين هذين القياسيْن والذي أدى إلى وجود ما يسمى "توتر هابل".. قد يقود إلى إصلاحات في الفيزياء الجديدة، بل إن الإجابات المتضاربة على سؤال: ما مدى ثقل الكون؟ قد تؤسس لفيزياء جديدة".

الأمر في هذا النموذج يتعلق باحتمالات مراجعة النموذج القياسي للكون، وهو ما يشمل كمية وطبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة، وما يقع بينهما وبين غيرهما من تفاعلات.

لقد قاد "تعديل 1999" بأن الكون يتجدد بتسارع لا بتباطؤ، إلى تعزيز نظرية "تعدد الأكوان" بناءً على نظرية "التمدد اللانهائي".

ما هو مستقر - حتى الآن - أن المجرات لا تتوسع ولكن الكون هو الذي يتوسع. فالمجرة  تضبطها الجاذبية، وهى التي تمنعها من التوسع. ولكن "الطاقة المظلمة" في الفضاء تمثل "القوة المضادة" لقوة "الجاذبية" وهى التي تدفع المجرات بعيدًا عن بعضها البعض، ما يؤدي إلى تمدد الكون وتوسعه.

إن الطاقة المظلمة ذات حجم مناسب لتشكيل الكواكب والنجوم، فلو أنها كانت أقل مما هى عليه لانهارت على نفسها، ولو أنها كانت أكبر لاستمرت في الانطلاق في إطار التمدّد اللانهائي، ولكانَ ذلك مانعًا لاندماج المادة، وتكوين الكواكب والنجوم.

في تشبيه مثير لوثائقي بثته محطة "ناشيونال جيوجرافيك" فإن المشهد العام يبدو كفندق كبير فيه أعداد هائلة من الغرف. وبينما يبحث أحد النزلاء عن الغرفة رقم (10) مليون وواحد، فإنه يمرّ بملايين الغرف. كل غرفة كأنها كون، وكل كون فيه قيمة محددة للطاقة المظلمة، ومعظمها لا يصلح للحياة، لكنها في غرفتنا أو كوننا تسمح بذلك وإلّا لما كنا هنا.

وطبقًا للمثال الفندقي، فإن معظم غرف الفندق غير صالحة، بينما يسعى النزيل إلى الوصول إلى غرفته الصالحة للعيش بها.

بحسب علماء الفيزياء النظرية فإن ذلك التمدد اللانهائي قد بدأ بالانفجار الكبير "The Big Bang" والذي استغرق (1) على تريليون جزء من الثانية. وقع ذلك الانفجار الكبير قبل 13.8  مليار سنة، وكان حجم المادة التي انفجرت وخرجت منها كلّ الكون - بحسب بعض الفيزيائيين - يوجد في حيّز يقل حجمه عن (1) على تريليون من حجم النقطة التي تنتهي بها هذه الجملة.

في غضون زمن الانفجار الضئيل للغاية (1) على تريليون جزء من الثانية، ومن ذلك الحجم الضئيل (1) على تريليون جزء من النقطة.. توسع الكون إلى مسافة عدة سنوات ضوئية، والسنة الضوئية تساوي ما يزيد عن (9) تريليون كيلومتر.

وفق أغلب العلماء فإن المادة الأولية التي تشكلت عقب الانفجار الكبير كانت من البروتونات والنيترونات. لم تكن هناك "ذرات" ولا حتى "نوى الذرات"، ولكن التصادم الشديد بين "البروتونات" و"النيترونات" قد أنتج - بحسب نظرية النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات - جسيمات أوليّة لها كتلة ولكن أبعادها متناهية الصغر صفرية تسمى "الكواركات".

لم تكن هناك مجرات ولا نجوم ولا كواكب في ذلك "الكون المبكّر". لقد نشأ الهيليوم والهيدروجين، ثم تشكلّت العناصر الأثقل. وتعتمد قياسات تتبع مسار الكون من الآن إلى الكون المبكر على علم الرياضيات.

كان على علم الرياضيات أن يجد حلولًا اختصاريّة لتلك الأرقام العملاقة التي تتعلق بقياسات الكون. فالمسافة من الأرض إلى الشمس تصل إلى (149.6) مليون كيلومتر، وأمَّا المسافة من المجموعة الشمسية إلى مركز المجرة "درب التبانة" فهى (27) ألف سنة ضوئية، ولحساب المسافة يجب الوصول إلى حاصل ضرب (27) ألف في (9) تريليون، وذلك لحساب المسافة بالكيلومتر.

وبينما يوجد ما يصل إلى (400) مليار نجم في مجرة درب التبانة، فإن تجمعًا نجميًا مثل "برج العذراء" يحتوى على عشرات الآلاف من المجرات. وإذا ما تمت قراءة ذلك في ضوء نظرية "تسارع تمدد الكون" و"تعدد الأكوان"، فإن الأرقام تجد صعوبات أكبر في التعبير عن ذلك الحجم اللامتناهي.

إن هذه الأرقام بدورها هى عرضةٌ لإعادة النظر، كما أنّه وسط التوافق العلمي الكبير لدى علماء الكونيات على نظرية الانفجار الكبير، فإن البعض لايزال يراها غير كافية للتفسير. ثم إن بعض الأسئلة لا تجد إجابات: ما الذي كانت تحويه المادة التي وقع بها الانفجار الكبير؟ ولماذا لم تنفجر من قبل أو من بعد؟ وماذا كان قبل الانفجار الكبير؟ وكيف كان المحيط من حول تلك المادة التي وقع بها الانفجار الكبير؟

لقد اعترف كثير من العلماء باستحالة الإجابة عن ذلك، وحسب عالم  الكونيات،جيمس بيبلز، الحائز على جائزة نوبل عام 2019.. فإننا "لا نعرف ماذا حدث في الانفجار الكبير، ولا ما حدث بعد الثانية الأولى من الانفجار".

إن نظرية الانفجار الكبير على ما تحظى به من احترام في أوساط الفيزياء النظرية، فإنها لا تحظى بالقدر ذاته داخل الأديان، كما أنها ربما لا تكون مقنعة فلسفيًّا، ويمكن أن تواجه تحديات عديدة من علم المنطق. ولربما كان خصوم النظرية في انتظار العصف بها إذا ما جرى العصف بالفيزياء المعاصرة، والانطلاق إلى فيزياء جديدة.. وربما استند هؤلاء إلى نظرية فيلسوف العلم، كارل بوبر، المتعلِّقة بـ"القابلية للتكذيب".. حيث تكون النظرية علمية بالقدر الذي يمكن دحضها والنيل منها.

سوف تفتح أطروحات "تجديد الفيزياء" أو "الإصلاح العلمي للفيزياء النظرية".. بناء على تطورات التكنولوجيا المعاصرة، وذلك النمو المتسارع الذي يشهده علم الرياضيات.. إلى مزيد من متعة المتابعة لتلك المباريات العقلية المذهلة، في محاولة تفسير وتحليل ما حدث بعيدًا للغاية.. في الزمان وفي المكان.