بات مصطلح «الحرب ضد الإرهاب» راسخًا في المفاهيم الاستراتيجية والعسكرية؛ فعلى مدى أكثر من عقدين، لم تتوقف جيوش وقوى كبرى عن محاربة التنظيمات الإرهابية، وبالرغم من ذلك، فإن تلك التنظيمات لم تنهزم كليًّا، بل إنها غالبًا ما تنجح في إعادة تشكيل ذاتها، بالرغم من تلقِّيها العديد من الضربات القاصمة.

ترى دراسة حديثة نشرتها دورية "نيتشر هيومن بيهيفير" أن الجوانب الروحية تُعَد سببًا رئيسيًّا وراء جعل تلك المجموعات المسلحة العنيفة أعداءً من الصعب الانتصار عليهم؛ إذ تخلق لديهم دوافع قوية للقتال دفاعًا عن مُثُل عليا براقة، كما ترى أنه في سبيل ذلك تخلق تلك الجماعات بديلًا للجماعات التقليدية للانتماء مثل جماعات الوطن والأهل والأصدقاء.

تتصدى الدراسة -التي أجراها باحثون من جامعة ميتشيجان الأمريكية وجامعة "أرتيس إنترناشيونال" النمساوية- لبحث عنصرين أساسيين يكوِّنان إطارًا نظريًّا يُطلَق عليه "القيم المخلِّصة": الأول تمثل في "القيم المقدسة" مثل الإخلاص للوطن كما هو الحال بالنسبة للأكراد، أو فرض الشريعة الإسلامية بالنسبة لداعش، والثاني تمثل في "الانضمام لجماعات ذات هوية مشتركة".

عوامل حاسمة

تكشف الدراسة عن ثلاثة عوامل حاسمة في هذا الإطار، وهي: الالتزام بالقيم المقدسة غير القابلة للتفاوض، والاستعداد للتخلي عن الأهل والأصدقاء من أجل الانضمام لجماعات أخرى متشابهة في الأفكار، والإيمان بأن القوة الروحية التي تربط بين الجماعات ذات الأفكار المتشابهة أكثر أهمية من عوامل القوة المادية في مواجهة الأعداء.

وتعمل الدراسة على الربط المباشر بين الإعراب عن مجرد الرغبة في اتخاذ إجراء (القتال- الجهاد- العمل الانتحاري) والقيام فعليًّا بهذا الإجراء، وذلك بهدف التحقُّق من الادعاءات التي ترى أن القرارات على جبهات القتال في الصراعات المتطرفة تقودها حسابات الربح والخسارة.

 استقت الدراسة نتائجها من عينات مختلفة تضمنت أكثر من 3000 مقاتل التقتهم في الجبهات الأمامية للقتال، منهم مقاتلون جرى القبض عليهم وينتمون لداعش، ومقاتلون من خلفيات إثنية مختلفة، ومنهم مَن يقاتل ضد داعش، كما شملت العينة مقاتلين من حزب العمال الكردستاني. أُجريت مقابلات مباشرة مع هؤلاء المقاتلين، بالإضافة إلى مقابلات مع مقاتلين تابعين لحكومة إقليم كردستان بشمال العراق، يُسمَّون اختصارًا "البيشمركة" وتعني باللغة الكردية "الذين يواجهون الموت"، وأكراد ينتمون للجيش العراقي وعناصر تابعة لميليشيات سنية عربية.

عزيمة الانغماسيين

كشفت المقابلات أن كل المقاتلين اندمجوا بمجموعة قتالية واحدة على الأقل، وتقاسموا معهم قيمة مقدسة واحدة على الأقل، وجميعهم تعرض لتهديدات وكانت حياتهم دائمًا على المحك.

يرفض الباحثون التسليم بالافتراضات القائلة بأن البشر ينضمون للجماعات والتنظيمات الإرهابية ويحاربون ويقتلون نتيجة اضطرابات عقلية أو لتعرُّضهم لغسيل أدمغة على يد تلك التنظيمات أو نتيجة لمحاولات تجنيد بارعة من التنظيمات الإرهابية، وإنما هناك أسباب أخرى مثل قناعاتهم بأن الانضمام إلى تلك التنظيمات يمثل التزامًا بالقيم المقدسة، وكذلك بحثهم عن الاندماج في هوية اجتماعية تعطي لحياتهم معنى، حتى إن عددًا كبيرًا منهم يتصلون بالإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي لتكوين مجتمع عالمي من الشباب المستعدين لتقديم تضحيات كبرى؛ إذ تتفاعل هذه العناصر عند تعرُّض قيَمهم المقدسة أو جماعتهم لأي خطر، ما يخلق لديهم "عزيمة الانغماسيين" المستعدين للتضحية بالنفس من أجل رفقاء القتال.

واعتمدت الدراسة على تحليل هذه الجوانب من القِيَم المخلصة في مسارين: أحدهما من خلال إجراء مقابلات على خط المواجهة، والآخر عبر الإنترنت، وانتهت إلى أن فكرة القيمة المقدسة اختلفت من فصيل إلى آخر.

وأوضحت المقابلات أن أكثر من نصف المشاركين على خط المواجهة أصيب في المعارك، وأن لديهم استعدادًا أكبر لتقديم تضحيات باهظة التكلفة، ما يدل على التقارب بين الرغبة المعلنة والتضحيات الحقيقة على جبهة القتال.

وتخلص الدراسة إلى أنه من منظور مادي، يُفترض أن يعطي الإنسان الأولوية للأقارب والأهل والأصدقاء مقارنة بالقيم المجردة إذا حدث تعارُضٌ ما يستوجب التضحية، لكن النتائج كشفت أن المقاتلين يتخذون قرارات مؤلمة وشديدة التكلفة عندما يتطلب الأمر إعطاء الأولوية للقيمة المقدسة على حساب القرابة.

دوافع الإرادة القتالية

 يقول سكوت أتران -أستاذ علم النفس بجامعة ميتشيجان، والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": "نحتاج إلى فهم دوافع الإرادة القتالية لدى المقاتلين في تنظيمات مثل داعش، وفهم الحافز الذي يدفع الأشخاص للانضمام إلى مثل هذه التنظيمات وإيجاد وصف للتحولات الشخصية التي تدفعهم إلى الانجذاب للتضحية بالذات".

ويضيف: مثلت عملية الوصول إلى جبهة القتال واكتساب ثقة المقاتلين كي نجري مقابلات معهم تحديًا صعبًا؛ لأن ذلك تطلَّب كسب ثقة المقاتلين من داعش في مقابل كسب ثقة مقاتلين من جيوش تحاربهم في الوقت ذاته، موضحًا أنه لكسب تلك الثقة لم نوجه أسئلة عن العمليات العسكرية أو المسائل الاستخباراتية، واستخدمنا سبلًا سهلة لا تؤدي إلى خلق أي مشاعر عدائية محتملة.

يرى أتران أن هذه الدراسة يمكن أن تساعد في مكافحة الإرهاب، وصياغة تدابير تساعدنا على معرفة المدى الذي وصل إليه المجندون في تلك الجماعات على طريق السلوك المتطرف، كما أنها تعزز الجهود التي تحاول منع المقاتلين من الانضمام إلى تنظيمات مثل داعش.

ويشدد على أنه في عالمنا المادي قد نقلل من قيمة البعد الروحي للعمل الذي يُقدِم شخص على فعله، ما يجعلنا معرضين لخطر داهم يتمثل في أولئك الأشخاص الذين تحركهم دوافع وقيم روحية ومقدسة بصورة أعمق من محاولاتنا فهم تصرفاتهم، وفقاً لمقاييس مادية، مؤكدًا أن النتيجة الأساسية التي توصلت إليها هذه الورقة البحثية هي ضرورة دراسة أولئك الذين هم على استعداد للقتل والموت من أجل قضية، وتحديدًا فيما يتعلق بالدوافع التى تقف وراء استعدادهم للانغماس في جماعة معينة وقبول التضحية بالنفس من أجل قيم أيدلوجية.

بدوره، يقول الخبير العسكري، اللواء جمال مظلوم، في تصريحات لـ"للعلم": إن القادة الميدانيين لتلك التنظيمات يعزلون المجندين في محيط معلوماتي من صنعهم، ويخلقون لديهم سياجًا معلوماتيًّا بديلًا للحقائق المتعلقة بضَعف الجماعات ماديًّا وتنظيميًّا، كما يركزون على القوى الروحية وبث أكبر قدر ممكن من الحماس والتبشير بالجنة وغيرها من القيم؛ لجذبهم نحو التضحية بالنفس.

من الفكرة إلى الموت

يقول علي النبوي -استشاري الأمراض العصبية والنفسية- في تصريحات لـ"للعلم": "تؤكد الدراسة حقيقة مهمة، هي أن المتشددين أو المقاتلين في جماعات متشددة ليسوا بالضرورة مضطربين نفسيًّا، لكنهم يبحثون عن هويات اجتماعية بديلة تحقق لهم مُثُلهم العليا التي فشلت المنظومات الاجتماعية التقليدية -كالأسرة والأحزاب والأندية وغيرها من أشكال الانخراط الجماعي العام- في تحقيقها".

ووفق النبوي فإن الشخص الذي يضحي بنفسه من أجل عقيدة يمر بدورة متعارَف عليها في علم النفس المعرفي والسلوكي، تبدأ بالفكرة، ثم تصديق هذه الفكرة، ثم تعميقها بحيث تتملك الشخص قبل أن تتحول الفكرة المعمقة المصدقة لرؤية ووجهة نظر، ثم تتحول تلك الرؤية إلى عقيدة، لتنتهي في الأخير بفكرة مغلوطة وغير متوائمة مع المجتمع المحيط، وتصبح غير قابلة للنقاش أو التفاوض أو التغيير.

يعلق النبوي على نتائج الدراسة قائلًا إن ما يميز تلك الدراسة هو أنها تتعرض لأنواع مختلفة من المقاتلين، لكنها في المقابل تذكر القيم الروحية التي تحققها الانتماءات المختلفة بشكل عام وغير محدد، كما أنها لم تشر إلى الآليات النفسية الأهم التي تستخدمها قيادات تلك الجماعات، مثل ما يُتعارف عليه بـ"غسيل الأدمغة"، وهو ما يُطلَق عليه علميًّا العديد من المصطلحات، منها "التحكم في العقل" و"إعادة تكوين العقل" أو "الإقناع القسري"؛ فهناك العديد من الأدوات التي تؤدي إلى صياغة عقلية جديدة لدى المجندين وإلغاء قدرتهم تمامًا على التفكير النقدي أو التفكير المستقل، مما يجعل عقولهم منفصلة عن العالم الخارجي؛ إذ يسهل استمرار تبعيتهم وولائهم لتلك الجماعات.