على مدار ملايين السنوات، تطورت أدمغة البشر للكشف عن العلاقة بين الأنماط المختلفة. فمثلًا، يُدرك البشر أن هناك علاقةً تربط شروق الشمس بسطوع الضوء وارتفاع حرارة الجو، في تلك الحالة، استخدم الدماغ قدراته للربط بين نمط أول وهو "الشروق"، وأنماط أخرى مثل "السطوع والحرارة".

ورغم أن ذلك الربط عملية تبدو لنا حاليًّا أمرًا غاية في السهولة، إلا أن الآليات الأساسية التي استخدمها الدماغ لكشف العلاقة بين الأنماط المختلفة تبقى عصيةً على الفهم، إذ إن بناء العلاقات بين الأشياء يتضمن عمليات ذهنية متطورة غاية في التعقيد، وإدراك أن ارتفاع الشمس في كبد السماء يرتبط بالضوء والحرارة أمرٌ أصعب مما يُمكن أن نتخيله.

يعتقد العلماء أن الدماغ يربط بين الأنماط المختلفة بشكل مبني على الحدس ورؤية الصورة الكاملة لكل نمط على حدة، إلا أن دراسة جديدة تم عرضها خلال اجتماع الجمعية الأمريكية للفيزياء تقول إن ذلك التصور ربما يكون خطأً بحتًا.

ووفق الدراسة، فإن البشر لا يُعالجون كل المعلومات الواردة من النمط الواحد، لكنهم يُضحون بمعظم تلك المعلومات في سبيل رؤية الصورة الكاملة.

يتعامل الدماغ مع الأنماط المكوِّنة للصورة الكاملة بالتعبير الاصطلاحي الإنجليزي الشهير "الشيطان يكمن في التفاصيل". فمثلًا، إذا اقتربنا كثيرًا من لوحة فنية للفنان الهولندي "فان جوخ"، سنلاحظ آثار ضربات فرشاة ذلك الفنان الشهير على قماش اللوحة، وحين نبتعد عن اللوحة، ستختفي ضربات الفرشاة من أمام أعيننا، وتظهر تفاصيل أخرى أجمل، ويتضح جمال اللوحة حين نبتعد عنها أكثر؛ إذ ندرك هيكلها العام، وجمالها، حين تختفي بعض الأنماط –وهي هنا آثار ضربات الفرشاة- من أمام أعيننا.

ويشير الباحثون إلى أن العقل البشري يتخذ أقصر الطرق وصولًا إلى فهم الأشياء، وهي التضحية بالأنماط وتفاصيلها؛ لإدراك الواقع المُشكَّل من اتحاد تلك الأنماط معًا.

ولا تقتصر نتائج تلك الدراسة على ذلك الأمر فحسب، بل تمتد لتؤكد حقيقةً مُذهلة، ألا وهي أن الدماغ البشري مستعد تمامًا لارتكاب أخطاء في فهم تفاصيل الأنماط المكونة للواقع لإدراك الصورة الكاملة بشكل أفضل.

من جهته، يقول "كريستوفر لين" -الفيزيائي في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، المؤلف الأول للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن أدمغة البشر –وربما الحيوانات أيضًا- على استعداد لصناعة أخطاء في إدراك الأنماط بغرض تحقيق فهم للصورة الأكبر".

ويضيف "لين" أن "الدراسة –التي استمر العمل عليها عامًا كاملًا- تكشف أمرًا غاية في الخطورة، وهو أن الأخطاء في التعلُّم والإدراك -التي يصنعها الدماغ في محاولة فهم الصورة الكبيرة للعالم- تؤدي إلى تحيُّز منهجي في توقعات الناس حول العالم؛ فمثلًا، تسلك أدمغة الناخبين سلوكًا قد يراه البعض غريبًا حين يذهبون إلى الصناديق لاختيار رجل يعلمون تمام العلم أنه ديكتاتور، ويتوقعون أنه قادر على تولِّي زمام الأمور والحكم بطريقة ديموقراطية".

في تلك الحالة -والكلام لا يزال على لسان "لين"- لا يرى هؤلاء الناخبون السمات الفردية أو الأنماط الفردية لذلك المرشح، بل تخدعهم أدمغتهم ويخطئون في إدراك تلك الأنماط عبر النظر للفوائد المحتملة المستقبلية حال انتخاب ذلك المرشح.

يقول "لين": يُمكن استغلال نتائج تلك الدراسة لمساعدة البشر على التعلُّم بشكل أكثر كفاءة، عبر تدريبهم على النظر للتفاصيل الموجودة في الأنماط الفردية، لتكوين صورة أفضل عن الواقع المُكون من تلك الأنماط.