حصادٌ حزينٌ يعيشه مزارعو قرية أبو زعبل التابعة لمحافظة القليوبية. عامٌ من الفلاحة لم يؤتِ ثماره بعدما احترق الزرع بفعل انبعاثات مصنعٍ للأسمدة الفوسفاتية مجاور لأراضيهم.

"مجهود موسم كامل ذهب أدراج الرياح بسبب دخان المصنع، ألا يكفي ما نعانيه من أمراض صدرية، هيبقى موت وخراب ديار؟!".. يشكو "ياسر بيومي"، أحد مزراعي "عزبة شكري" التي لايفصلها عن مصنع أبو زعبل للأسمدة سوى مجرى ترعة الإسماعيلية، بعد أن احترقت الأوراق الخضراء المُغذية لمحصول القلقاس بقطعة الأرض الخاصة به.

يُرجع "سيد التهامي"، رئيس بحوث قسم البيئة بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة، ما يحدث إلى ترسُّب حامض الفوسفوريك على المزروعات. ويقول في حديثه لـ"للعلم": إن صخر الفوسفات هو المادة الخام الرئيسية في صناعة الأسمدة الفوسفاتية التي ينتجها مصنع أبو زعبل. وينتج عن عملية الصناعة حامض الفوسفوريك المُتسبب في تلف المحاصيل.

وفقًا لما ورد في "دليل التفتيش على صناعة الأسمدة" الصادر عن وزارة البيئة عام 2002، تتسبب صناعة الأسمدة الفوسفاتية والنيتروجينية –وهما النوعان الرئيسيان في مصر- في انبعاثات تُلوِّث الهواء بالجسيمات الدقيقة وأكاسيد الكبريت والكربون وفلوريد الهيدروجين والجبس الفسفوري وحامض الفوسفوريك والأمونيا وأكاسيد النيتروجين ونترات الأمونيوم. أما المخلفات السائلة والصلبة فأبرزها الفسفور والفلورايد والسيليكات والزرنيخ والأمونيا والنترات والنيتروجين العضوي والكادميوم والرصاص.

فائض من الأمراض

وكشفت دراسة بعنوان "تأثير صناعة الأسمدة على التربة وجودة المياه الجوفية"، نُشرت في مجلة (IOSR) للهندسة الميكانيكية والمدنية، عام 2015، أن تسرب النفايات السائلة للصناعة إلى التربة يؤثر على خواصها الفيزيوكيميائية.

وتبيَّن من فحص عينات من المياه والتربة حول مصنع للأسمدة بمدينة بولجون الهندية وجود مستويات من النيتروجين والبوتاسيوم والفسفور في التربة أعلى من المسموح به، وقد تتسرب إلى المياه الجوفية وتغيِّر نوعية المياه وتؤثر على جودتها.

وأشارت الدراسة إلى احتمالية أن يؤدي تناوُل النباتات المزروعة فيها إلى الإصابة بالسرطان.

والتأثيرات السلبية للصناعة لا تتوقف عند تلوث البيئة، بل تمتد لصحة الإنسان، وتتسبب في العديد من الأمراض، بدايةً من تهيج الجلد والعين والأنف ونوبات الإغماء، مرورًا بالأمراض الصدرية كالربو والسعال والأزمات التنفسية، انتهاءً إلى الأمراض السرطانية والوفاة، وفق دليل وزارة البيئة.

ويصف "صابر بيومي" (72 عامًا) معاناته اليومية مع الأدخنة التي ينفثها مصنع أبو زعبل: "العمل يبدأ في المساء ويستمر حتى الفجر، نحاول طول الوقت أن نغلق النوافذ والأبواب، لكن لا مفر، فالدخان يغلق الصدر ويجعل من التنفس عملية شاقة".

يحتاج صابر إلى عمل جلستي تنفس أو أكثر كل شهر؛ حتى يستطيع أن يتنفس بشكل طبيعي.

يقول "حسام الحسني"، استشاري أمراض الصدرية وأستاذ أمراض الصدر بكلية طب القصر العيني، لـ"للعلم": إن انبعاثات مصانع الأسمدة تؤدي إلى زيادة احتمالات الإصابة بأمراض حساسية الصدر والتهابات الشعب المزمنة وتليفات الرئة عند الأصحاء عند استمرار التعرُّض لها، أما مرضى الصدر فهي تنشِّط لديهم حساسية الصدر وتصعِّب من السيطرة عليها، وتجعلهم يعتمدون بشكل مكثف على الأدوية.

ويضيف أن أول أكسيد الكربون، على سبيل المثال، حين يتحد مع هيموجلوبين الدم يقلل من قدرته على نقل الأكسجين، مما يؤدي إلى تلف أعضاء الجسم ومن ثَم إلى الوفاة.

الأمونيا تهدد أهالي المنصورة

وفي المنصورة، يعاني أهالي قرى "ميت عنتر" و"الطويلة" من معاناة شبيهة، حيث رائحة غاز النشادر النفاذة الصادرة عن مصنع طلخا للأسمدة النيتروجينية.

وكشفت دراسة ميدانية أُجريت عام 1999 بعنوان "التلوث الناتج عن مصنع سماد طلخا" عن وجود طبقات سطحية من الجير تغطي التربة بالقرب من موقع المصنع. وهي تؤثر على إنتاجية الأرض الزراعية وتُضعف من نمو النباتات.

كما كشف تحليل لعينات مياه من مصرف الطويلة، حيث يصب المصنع مخلفاته، عن وجود نسب من الرصاص والزرنيخ والأمونيا تتسبب في نفوق الأسماك الصغيرة، وتضر بالثروة الحيوانية والنباتية التي تعتمد على مياه المصرف في سد احتياجاتها من المياه.

يقول مؤلف الدراسة "محمد عبد الحميد الجزايرلي"، أستاذ الجغرافيا البشرية بكلية الآداب جامعة المنصورة، لـ"للعلم": إنه "بناء على ما كشفته الدراسة من أضرار بالغة يسببها المصنع، فهناك حاجة ملحة إلى نقله خارج الكتلة السكنية".

ويشير إلى أنه قام بحصر أبرز الأمراض التي يتعرض لها العمال عبر الاطلاع على سجلات مستشفى مصنع طلخا، وتَبيَّن أنها تشمل نوبات من الاختناق وهبوطًا في القلب، وأمراض الرئة والأعصاب.

وبلغ عدد العمال المصابين بهذه الأمراض 3787 عاملًا من إجمالي 9600 عامل في الفترة من عام 1987 حتى عام 1995، وفق دراسة الجزايرلي.

وأشارت الدراسة إلى حادثة وقعت عام 1992، إذ أدى تسرب غاز النشادر بالمصنع إلى وفاة 24 عاملًا وإصابة 72 آخرين بإصابات بالغة، فضلًا عن تعرُّضهم للاختناق.

يقول "أيمن"، أحد سكان مدينة "السماد" بالمنصورة: إن رائحة غاز الأمونيا تنتشر في الجو، ولا تقتصر على المناطق المجاورة للمصنع، وتزعجه مثل باقي الأهالي، وإن كان لا يعلم شيئًا عن أضرارها الصحية.

ويشير إلى أن والدته عملت كإدارية بالمصنع لنحو 40 عامًا، وهي الآن تعاني من الجيوب الأنفية، وعانت من لحمية الأنف لسنوات طويلة، وبعد إجراء عدة عمليات جراحية لاستئصال اللحمية فقدت حاسة الشم.

وفق كتيب "آفاق التنمية الزراعية المستدامة" الصادر عن مركز البحوث الزراعية عام 2015، للدكتور "نبيل فتحي قنديل"، حصلت معدَّة التحقيق على نسخة منه من المركز، فإن استنشاق جرعات زائدة من الأمونيا أو غاز النشادر يؤدي إلى أمراض مثل السكتة القلبية واختلال في كفاءة المخ وجلطات في شرايين الرئة.

أما الأضرار الخاصة بالصناعة، فيشير إلى أنه يتم استهلاك نحو 10 ملايين متر مكعب من المياه العذبة سنويًّا في عملية التبريد، ثم تُلقى كمخلفات سائلة في المجاري المائية فتلوث المياه وتهدد التنوع البيولوجي، كما أنها تلوث التربة ومياه الصرف ببعض العناصر الثقيلة مثل الكادميوم والنيكل والكروميوم، والتي عادةً ما تكون شوائبَ مصاحبة لعملية تصنيع الأسمدة الكيماوية.

التسميد الأخصر

Credit: Mohamed Bakr

ويرى قنديل الحل في اتباع نظام الزراعة العضوية وإحلال الأسمدة العضوية والمخصبات الحيوية محل الأسمدة الكيماوية، قائلًا: "نحتاج إلى الاعتماد على التسميد الأخضر والسماد العضوي المصنَّع من المخلفات الزراعية. من شأن ذلك أن يزيد خصوبة التربة. كما يوفر لنا غذاءً آمنًا وخاليًا من الكيماويات ويحمي البيئة من التلوث".

في حين يقول "أحمد عوض"، رئيس قسم بحوث خصوبة التربة وتغذية النبات بمركز البحوث الزراعية، لـ"للعلم": إنه لا يمكن الاعتماد على التسميد العضوي منفردًا لإعطاء الاحتياجات السمادية للمحاصيل.

ويوضح: "نزرع في مصر أصنافًا ذات احتياجات عالية لا تقدر عليها الأسمدة العضوية وحدها. ونعمل في الوقت الحالي على توعية المزراعين بالاعتماد على التسميد العضوي والتسميد بالبكتيريا إلى جانب الأسمدة الكيماوية. ومن شأن هذا أن يقلل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية بنسبة تتراوح بين 5% و10%"، وفق قوله.

ويضيف: "بعد توقف فيضان النيل، ومع الزراعة المكثفة استُنزفت الأراضي الزراعية، مما أثر تأثيرًا كبيرًا على خصوبتها، إضافة إلى عدم اتباع المزارعين لأساليب التسميد المتوازن".

أسيوط تتنفس الصعداء

وفي محافظة أسيوط، جنوبي مصر، يتنفس المزارعون الصعداء، وذلك بعد صدور قرار من رئيس الوزراء بنقل مصنع الأسمدة بمنقباد خارج الكتلة السكنية، خلال زيارة له للمحافظة أواخر سبتمبر الماضي. يأتي ذلك بعد سنوات طويلة من المعاناة من الأمراض وهلاك الزرع والحيوانات –لا سيما في قرى منقباد وبني غالب وجزر الأكراد والطوابية- بسبب مجاورتهم لهذا المصنع، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1960.

ويقول "عادل يوسف"، أحد سكان "بني غالب": إن الفلاحين توقفوا عن تربية الطيور والحيوانات؛ لأنها تتعرض للنفوق باستمرار، ولا تعيش سوى أشهر معدودة بسبب استنشاقها للغبار المتطاير. ويضيف: "المنطقة كانت مشهورة ببساتين النخل، التي كانت مصدرًا للدخل لكثير من الأهالي، لكن بسبب انبعاثات مصنع الأسمدة، بالإضافة إلى مصنع الأسمنت الموجودة في المنطقة، لم يعد النخل يطرح".

حلول وبدائل

ويرى "مجدي علام" -المستشار العلمي للاتحاد العربي للشباب والبيئة ومستشار وزير البيئة السابق- ضرورة عمل خطط إحلال وتجديد لمصانع الأسمدة القديمة كلها، قائلًا لـ"للعلم": "أغلب المصانع القائمة مصانع قديمة، لا يتوافر فيها أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا للسيطرة على الانبعاثات".

ويرى علام أن مصانع الأسمدة تحتاج إلى خطوط إنتاج جديدة في المناطق الصناعية، بعيدًا عن الكتل السكنية، ولا نقول لهم أن يغلقوا أبوابهم غدًا، ولكن يمكن عمل خط إنتاج في موقع جديد خلال 5 سنوات بتكنولوجيا صديقة للبيئة، والإحلال التدريجي لكافة خطوط الإنتاج خلال 15 سنة، على أن يُغلَق بعدها المصنع القديم.

ويشدد علام على أن "الحل الأمثل هو التوقف عن استخدام الأسمدة الكيماوية. وتصنيع أسمدة عضوية من المخلفات الزراعية".

ويشير إلى أن مصر تنتج 49.515 مليون طن مخلفات زراعية سنويًّا، وفق أحدث إحصاء صادر عن وزارة البيئة، قائلًا: "أنا مندهش جدًّا كيف ننتج أسمدة كيماوية ونحرق المخلفات الزراعية التي يمكن أن توفر لنا سمادًا عضويًّا بكميات تكفي احتياجاتنا الزراعية!".

يقول "سمير طنطاوي"، مدير مشروع بناء القدرات لخفض الانبعاثات، لـ"للعلم": إن وزارة البيئة قدمت خططًا لخفض الانبعاثات لخمسة مصانع أسمدة كبرى، كل خطة معدَّة خصوصًا لتلائم المصنع، في إطار مشروع بناء القدرات لخفض الانبعاثات التابع لوزارة البيئة (2013-2016) والممول من الاتحاد الأوروبي وحكومتي ألمانيا وأستراليا.

ويضيف أن هذا المشروع جاء تنفيذًا لاتفاقية باريس، التي تنص على مساهمة الدول الكبرى في بناء قدرات الدول النامية على خفض الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، عبر إعداد الدراسات وتمويل المشروعات.

وأشار إلى أن خطورة صناعة الأسمدة النيتروجينية مثلًا، تكمن في غاز أكسيد النيتروز الصادر عنها، وهو أحد غازات الدفيئة. ويعادل الطن منه تأثير 310 أطنان من ثاني أكسيد الكربون.

وأوضح أنه على الرغم من ترحيب مصانع الأسمدة بالخطط المقدمة إليها من وزارة البيئة، إلا أن تنفيذ الجزء الأكبر من هذه الخطط ظل مرهونًا بحصول المصانع على منح أو قروض خارجية؛ لأنه يفوق ما تستطيع أن تقدمه بالجهود الذاتية، وهو ما لم يحدث.

وأشار إلى أن هناك مشروعًا ألمانيًّا لتطوير مصانع الأسمدة في عدة دول منها مصر، وهناك لجنة فنية متخصصة تدرس هذا الموضوع حاليًّا، وستزور بعثة ألمانية مصر قريبًا لتفقُّد أحوال المصانع وطلباتها من أجل البدء بتنفيذ خطة التطوير.

"النانو" أحد الحلول

يمكن للبحث العلمي أن يؤدي دورًا داعمًا للصناعة، سواء على مستوى تطوير منتجاتها، أو الحد من المشكلات الناجمة عنها أو علاجها، وبخاصة فيما يتعلق بالتلوث البيئي.

وكان الفريق البحثي بمجال النانوتكنولوجي بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا قد توصل إلى تقنيات من شأنها حل كثير من المشكلات المتعلقة بالتأثيرات السلبية لصناعة الأسمدة على البيئة.

يقول "إبراهيم الشربيني"، رئيس مركز أبحاث علوم المواد بمدينة زويل ورئيس الفريق البحثي، لـ"للعلم" إنهم استغلوا تكنولوجيا النانو لعمل أشكال من السماد أكثر وفرة وصديقة للبيئة مثل "النانو فوسفات".

وهو إعادة تشكيل لسماد الفوسفات، بحيث تكون حبيباته بحجم النانو. ويشكل الكيلو الواحد من النانو فوسفات ما يعادل ربع طن من سماد الفوسفات العادي من حيث الفاعلية.

وهو ما يقلل من حجم المنتج المطلوب صناعته، ومن ثم التلوث الناتج عن العملية الصناعية.

ويبقى الأمل في التحول إلى الأسمدة العضوية والتسميد الأخضر ولو بشكل جزئي، ونقل مثل هذه الصناعات الخطرة خارج الكتلة السكانية مع تزويدها بتكنولوجيا صديقة للبيئة.