قضت صفاء قمري -اختصاصية فيروسات نباتية من سوريا- حياتها المهنية في إنقاذ المحاصيل الأساسية التي تنمو في المناطق الجافة من الفيروسات المميتة. وبفضل أعمالها حول التوصّل إلى أصناف من النباتات مقاوِمة للفيروسات وحماية البذور المهمة، تم اختيارها ضمن قائمة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لأكثر 100 امرأة تأثيرًا وإلهامًا في العالم للعام 2020.

عادت قمري إلى سوريا التي أنهكتها الحرب لتنقذ بذور صنف من نبات الفول كانت قد طوّرته لمقاومة فيروس اصفرار وموت الفول. ورغم ذلك، تؤْثر صفاء قمري ألا يتم تكريمها عن إنقاذها البذور، بل عن مجمل بحوثها على مدار 20 عامًا لتطوير الصنف المقاوِم للفيروسات.

يُعتبر نبات الفول الطبق الأساسي في الأنظمة الغذائية بمختلِف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومنذ أوائل تسعينيات القرن العشرين، كان فيروس اصفرار وموت الفول الذي تنقله الحشرات قد دمّر المحاصيل عبر أنحاء المنطقة، مما أضرّ ضررًا بالغًا بسبل كسب الرزق للسكان ذوي الدخول المنخفضة، وزاد بشدّة من انعدام الأمن الغذائي.

وخلال الموسم الزراعي 2010-2011، اكتشفت قمري أصنافًا من نبات الفول مُحصّنة لمقاومة الفيروس. ولعلّ هذا الاكتشاف من أبرز إنجازاتها العلمية.

في العالم التالي، كان اكتشاف ’قمري‘ على وشك الضياع. فبعد أن فقدت منزلها، قامت بتخزين البذور المقاومة للفيروس في منزل شقيقتها في حلب لحفظها في مأمن. ولكن في أثناء حضورها مؤتمرًا في إثيوبيا، تدهورت الأوضاع في الوطن، مما أجبر أسرتها على الفرار. ومن ثم، شعرت قمري بأن عليها العودة؛ فقد كانت تلك البذور تتويجًا لعقدين تقريبًا من العمل الشاق، ولم يكن هناك سواها! وتعلق قمري قائلةً: "لو كنت قد فقدت البذور، لضاع كل شيء فعلته لأصل إلى هذه المرحلة".

وبعد استعادة البذور، واصلت قمري بحوثها في تونس. وعملت في ظل ظروف الضياع وتشتُّت أسرتها في مختلِف أنحاء سوريا وتركيا وألمانيا، توصلت في النهاية إلى تحصين النبات بمناعة مستقرة في عام 2015.

قام المربون بتهجين بذورها المحصّنة مع سلالات جيدة من نبات الفول، تخضع الآن للتقييم في ظل مختلِف الظروف في كلٍّ من مصر وتونس. وتقول قمري إن عملية التهجين تستغرق وقتًا طويلًا، ولكنهم اقتربوا من النهاية. وتضيف قائلةً: "أتمنى أن يتم توزيع السلالات الجديدة ذات الجين المقاوِم للفيروس على المزارعين في غضون عامين أو ثلاثة".

تقيم قمري الآن في لبنان، حيث ينقسم وقتها بين بحوث علم الفيروسات النباتية ورئاسة "المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)" (ICARDA). ويتمحور عملها هناك على ضمان أن تكون البذور صحيةً وخاليةً من الأمراض وتتوافق مع المعايير الدولية المعمول بها لحماية النباتات.

ينصب تركيز بحوثها في علم الأوبئة النباتية على المحاصيل الأساسية للأمن الغذائي العالمي. وعن هذا تقول قمري: "إذا كانت الفيروسات أو غيرها من الأمراض تؤثر على المحاصيل الزراعية التي تنمو بالأراضي الجافة، مثل الفول والحمص والعدس والشعير والقمح، فهذا يعني أن المزارعين الفقراء لن يجدوا ما يأكلونه. فإذا فقدوا محاصيلهم، فلن يستطيعوا الاستمرار على قيد الحياة". ويُجري المركز بحوثًا مستمرةً على أبرز الفيروسات التي تؤثر على هذه المحاصيل. إنه عمل معقد، فنبات الفول وحده قد يُصاب بأكثر من 50 فيروسًا مختلفًا، وعلى خلاف الأمراض الفطرية التي يمكن التعرُّف عليها من الوهلة الأولى، تستلزم الأمراض الفيروسية التعرُّف عليها باستخدام المجهر الإلكتروني.

لقد تزايدت أهمية تحديد أصناف النباتات المُحصّنة بالتزامُن مع التغيُّرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة التي تسببت في تحويل معالم علم وبائيات الفيروسات النباتية، مما يوفّر ظروفًا مواتيةً أكثر لتزايُد نشاط الحشرات، التي تمكّن الأوبئة النباتية من الانتشار بوتيرة أسرع.

أرادت قمري في الأصل أن تكون طبيبةً بشريةً تعالج الناس، وليس النباتات، ولكن درجاتها التحصيلية حددت اختياراتها، وانتهى بها المطاف في كلية الزراعة. وفي أوائل الثمانينيات، كانت قلةٌ من السيدات ترتاد الجامعة في حلب، منهن عددٌ أقل يدرس الزراعة، ولكنها لم تشعر بالرهبة قط، إذ إن والدها ربّى أبناءه وبناته على قدم المساواة، كما أوضحت قمري.

وفي عامها الثالث بالجامعة، فتحت رحلة ميدانية تطويرية إلى "المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة" بحلب أعين ’قمري‘ على الإمكانيات المستقبلية. وعن هذا تقول: "أدركت أن هذا بالضبط ما كنت أريد فعله". فانضمّت قمري إلى المركز عقب التخرج، وتدرجت في السلم الوظيفي من اختصاصية فنية إلى عالمة فيروسات نباتية.

في الأوضاع المثالية، ينبغي أن يستعدّ علماء الفيروسات النباتية لفاشيات الأمراض في المستقبل، بحيث يتمكنون عند وقوعها من توفير الأصناف المقاوِمة للمزارعين بسرعة، على حد قول قمري. في الواقع، إن عبء العمل الثقيل يوميًّا يجعل التخطيط للمستقبل أمرًا بالغ الصعوبة. وتوضّح قائلةً: "ليس لدينا وقت للتعامل مع الكثير من المشكلات التي كان ينبغي أن نجد لها حلولًا منذ وقت طويل، ولا نملك الميزانية لذلك أيضًا".

والجزء الذي تفضله صفاء قمري من عملها هو السفر ومقابلة المزارعين. وعن ذلك تقول: "أودّ أن أرى كيف يعيش الناس وأجرّب طعامهم، وأتعلم كيف ينظف المزارعون بذورهم ويغرسونها، وكيف يبيعون منتجاتهم. أود أن أتعلم منهم وأرى كيف تُكتب لهم النجاة من المواقف الصعبة".