ما زالت صحراء منخفض الفيوم تكشف عن المزيد من أسرارها، لترسم بعضًا من ملامح شكل الحياة في صحراء مصر الغربية قبل ملايين السنين، وتقدم أدلةً جديدةً للباحثين عن فهمٍ أعمق لأصول بعض أنواع من الثدييات، خاصةً القوارض، كما تكشف عن جانب من التداعيات التي خلَّفتها نوبات التغيرات المناخية الحادة، التي شهدها كوكب الأرض في عصور سحيقة.

أحدث هذه الأسرار يتمثل في كشف علمي على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية، من شأنه أن يعيد النظر في أصول بعض أنواع من القوارض القديمة من مجموعة الثدييات المعروفة باسم «هستريكوجناسي»، في تسجيل نوع وجنس جديد من القوارض، عاش في منطقة «جبل قطراني»، شمال بحيرة قارون، في منخفض الفيوم، بصحراء مصر الغربية، قبل ما يقرب من 34 مليون سنة، أًطلق عليه اسم «قطرانيميز سفروتس».

الكشف الجديد توصل إليه فريق من الباحثين في مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة، بالتعاون مع معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية بالجامعة الأمريكية في القاهرة، وقطاع حماية الطبيعة في جهاز شؤون البيئة المصري، بالإضافة إلى باحثين من جامعة جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وجامعة سالفورد بالمملكة المتحدة.

الفأر القزم «سفروتس» يزن 45 جرامًا

شروق الأشقر، باحثة بمركز الحفريات الفقرية، التابع لكلية العلوم بجامعة المنصورة، المؤلف الرئيسي للدراسة، تؤكد لـ«للعلم» أن النوع الجديد من الفئران (Safroutus)، الذي تم تسجيله في موسوعة بنك الحيوان العالمية (ZooBank)، يتميز بصغر حجمه، مقارنةً بالأنواع المعروفة الأخرى، مضيفةً أنه اكتُشف من عينات صغيرة جدًّا استُخرجت من قبل على مدار عشرات السنين.

وتصف مؤلفة الدراسة النوع الجديد بأنه من «القوارض الأقزام»، إذ لا يتخطى طول الأسنان ملليمترًا واحدًا، كما أن طول الجمجمة لا يتجاوز 1.5 سنتيمتر، ويبلغ إجمالي وزنه -وفق التقديرات التي وضعها فريق الدراسة- حوالي 45 جرامًا، وهو ما دفع الباحثين إلى تسميته «سفروتس»، نسبةً إلى كلمة «سفروت» المستخدمة بين المصريين، وتعني صغير الحجم، كما تمت تسمية الجنس «قطرانيميز»، وهو اسم مكون من مقطعين، الأول نسبةً إلى جبل قطراني في منخفض الفيوم، أما مقطع «ميز» فمعناه فأر باللاتينية.

وتقول «الأشقر» إنها "المرة الأولى التي يتم فيها تسجيل عظام جمجمة لهذه المجموعة من القوارض"، مشيرةً إلى أن الاكتشاف من شأنه أن يفتح المجال لإجراء مزيد من دراسات أخرى موسعة لبحث صفات هذه المجموعة، ومعرفة أسباب صغر حجمها وتقزُّمها، وما الأنواع الأخرى المحتملة التي يمكن أن تنتمي إليها، من خلال رسم «شجرة أنساب» لهذه الأنواع.

هجرات متوالية بفعل التغيرات المناخية

ووفق الدراسة، فإن هذا النوع من الفئران يعود أصله إلى قارة آسيا، جاء إلى أفريقيا على جذوع الأشجار التي انتقلت عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر، بفعل موجات المد والجزر، أو نتيجة فيضانات ناجمة عن التغيرات المناخية، وذلك قبل حوالي 34 مليون سنة، ثم انتقلت أنواع من تلك المجموعة من أفريقيا إلى أمريكا الجنوبية، عبر المحيط الأطلسي بالطريقة نفسها، على الأرجح.

ويرجح علماء الحفريات والتاريخ الطبيعي أن تكون مجموعة القوارض «هستريكوجناسي» قد نشأت في منتصف العصر الأيوسيني (Eocene)، وهي حقبة تمتد إلى ما بين 56 و34 مليون سنة، وخلال فترة زمنية قصيرة، انتشرت هذه المجموعة عبر قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، ورغم أن أقدم الحفريات المعروفة لكائنات هذه المجموعة تم اكتشافها في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، إلى أن المناطق الاستوائية في آسيا تُعتبر هي الموطن الأصلي لأجدادها.

أحفاد «سفروتس» العمالقة

وترى المؤلفة الرئيسية للدراسة أن الفأر «سفروتس» يُعتبر من أجداد القوارض الحالية في دول جنوب وغرب أفريقيا، مثل فأر الخلد العاري (Naked Mole Rat)، وفأر الخيزران (Cane rat)، الذي يُعد إحدى الوجبات الرئيسية في بعض الدول الأفريقية، كما يُعتبر أحد أجداد أكبر حيوان قارض يعيش على الأرض حتى اليوم، وهو المعروف باسم «خنزير الماء - كابيبارا» (Capybara)، في أمريكا الجنوبية، ويصل حجمه إلى حجم الخروف.

وتشير "الأشقر" إلى أنه من ضمن أحفاد «سفروتس» أيضًا، أكبر فأر عاش على الأرض قبل نحو 5 ملايين سنة، يُعرف باسم «جوزيفرتجازيا»، كان حجمه يصل إلى حجم الجاموس، وهو ما يعني أن بعض أحفاد أصغر فأر يتم تسجيله إلى الآن، كانت من أنواع القوارض العملاقة.

ويصف هشام سلام -أستاذ الحفريات بجامعة المنصورة والجامعة الأمريكية في القاهرة، ومؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية- الاكتشاف الجديد بأنه "مهم جدًّا"، موضحًا أنه تم الحصول على عينات الحفريات من منطقة جبل قطراني بمنخفض الفيوم، عبر رحلات استكشافية من بعثات دولية، على مدار عشرات السنين.

الثدييات تغزو الأرض

وعن ظروف نشأة هذا النوع من القوارض، يوضح "سلام" -وهو أحد أعضاء الفريق العلمي المشارك في الدراسة- أن الديناصورات كانت تسود الأرض، وكانت الأنواع الأخرى تعيش تحت ضغوط "سادة الأرض"، التي لم تكن تسمح لها بالانتشار والتنوع، ولكن بعد انقراض الديناصورات قبل نحو 66 مليون سنة، بدأت أنواع من الثدييات تخرج من جحورها، بل وبدأت تمتلك الأرض.

ويؤكد "سلام" أن أجداد أنواع القوارض التي تعيش على الأرض حاليًّا، تنتمي إلى مجموعة «هستريكوجناسي»، ومنها نوع القوارض الضخمة المعروف باسم «موناميز»، وهو أحد اكتشافات "سلام" وفريق مركزه العلمي، ويُعتقد أنه أحد أكبر أجداد القوارض الأخرى، إذ يشترك معها في العديد من الصفات التشريحية.

ويوضح "سلام"، في تصريحاته لـ"للعلم"، أن فأر «موناميز»، الذي سماه نسبةً إلى زوجته «منى شاهين»، وعاش على الأرض قبل 34 مليون سنة، هو أحد أحفاد الفأر «سفروتس»، الذي استوطن صحراء الفيوم قبل نحو 34 مليون سنة، إذ ساعدت الأجواء الحارة على انتعاشه، قبل أن يحدث «انقراض كبير»، نتيجة تكوُّن القطبين الجنوبي والشمالي، قبل حوالي 33 مليون سنة، أدى إلى اختفاء حوالي 70% من الثدييات التي كانت تعيش على الأرض في ذلك الوقت.

المضاهاة مع 13 نوعًا وجنسًا من القوارض

من جانبه، يرى عبد الجليل عبد الحميد هويدي -أستاذ الجيولوجيا في جامعة الأزهر- أن نتائج الدراسة تحظى بمصداقية علمية على المستوى العالمي، إذ قُبلت للنشر في إحدى المجلات العلمية المرموقة التي تُعنى بنشر كل ما هو جديد يتعلق بأنواع القوارض، سواء من السناجب أو الفئران.

ويضيف أستاذ الجيولوجيا، الذي شارك في تحكيم الدراسة بجامعة المنصورة، في تصريحاته لـ«للعلم»، أنه تم قبول النوع الجديد «سفروتس» للتسجيل ضمن موقع رصد الأنواع والأجناس الجديدة، ليكون مرجعًا للباحثين من مختلف أنحاء العالم، مما يؤكد أنه تم تعريف هذا النوع من الفئران صغيرة الحجم وتوثيقه، بشكل علمي صحيح.

ويستطرد "هويدي" أن فريق الدراسة استند إلى إجراء مقارنات للمضاهاة مع 13 نوعًا وجنسًا من القوارض معروفة ومسجلة في كلٍّ من ليبيا وسلطنة عُمان، شملت قياسات للأسنان والجمجمة وحجم الجسم ووزنه، أثبتت أن هذا النوع، الذي حصلوا على حفرياته من جبل قطراني بمنخفض الفيوم، هو نوع جديد ومختلف عن الأنواع المعروفة الأخرى.

ويرى أستاذ جامعة الأزهر أن "هذه هي المرة الأولى التي أصبح لدينا وثيقة تحكي لنا قصة القوارض، من اكتشاف نوع وجنس جديدين من الفئران، وتفسير علاقته بباقي الأنواع والأجناس الأخرى"، قبل أن يختتم بقوله: "إن منطقة الصحراء الغربية في مصر تُعتبر أكبر مكان في العالم يحتوي على مناجم للحفريات الفقارية"، على حد وصفه، مشيرًا إلى أن منطقة جبل قطراني وحدها تحتوي على حفريات لأكثر من 100 نوع من الثدييات المختلفة التي عاشت على الأرض قبل عشرات الملايين من السنين.