عندما يُذكر اسم الصحراء الكبرى لا يتبادر إلى الأذهان سوى أشعة شمس ملتهبة ومتوهجة، ورمال متلألئة، ودرجات حرارة مرتفعة، ولكن لن يخطر ببال أحد أن هذه البقعة الحارة كانت في يومٍ من الأيام واحةً خضراء مغطاة بالمروج والأنهار والنباتات والغابات والمراعي. وتعتبر الصحراء الكبرى منذ قديم الزمان من أكثر المناطق غموضًا في كوكبنا، ولذا سعى علماء إلى فك شيفرة طبيعة هذه الرقعة الشاسعة من كوكبنا عبر دراسة مناخها القديم.

وفي تعاون علمي مصري -أمريكي لعلماء متخصصين في علوم (المناخ) والهيدرولوجيا (المياه)، كشفت دراسة جديدة نُشرت في دورية رسائل الأرض وعلوم الكواكب (Earth and Planetary Science Letters) عن تعديل لتاريخ الفترات المطيرة خلال نصف المليون سنة الماضي في مناطق الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا، وعن أن الصحراء الكبرى كانت واحةً خضراء ممتلئة بالأنهار والبحيرات وينابيع المياه الجوفية.

شارك في إعداد الدراسة فريق مكون من 9 باحثين، في مقدمتهم العالم المصري "أبو طالب زكي أبو طالب"، زميل أبحاث ما بعد الدكتوراة في مركز أبحاث المناخ والمياه بجامعة جنوب كاليفورنيا. تمحورت نتائج الدراسة الجديدة حول التحديد الدقيق والصحيح للفترات المطيرة خلال نصف المليون سنة السابق؛ لأن تلك الفترة هي ذاتها التي تغذت وامتلأت فيها خزانات المياه العملاقة في المنطقة، مثل خزان الحجر الرملي النوبي.

وتقع الصحراء الكبرى في الجزء الشمالي من أفريقيا، وهي أكبر صحراء ساخنة بالعالم (أكثر جهات العالم جفافًا)، فهي تغطي أكثر من 9 ملايين كيلومتر مربع، ويحدها شرقًا البحر الأحمر، وتمتد غربًا إلى المحيط الأطلسي، أما الحدود الشمالية فتتمثل في البحر الأبيض المتوسط، وأما في الجنوب فتنتهي بمنطقة الساحل، وهي منطقة تتميز بالمناظر الطبيعية الصحراوية في السافانا الاستوائية شبه القاحلة.

بيانات المحاكاة الهيدرولوجية

درس الفريق البحثي الظواهر الجيوكيميائية والهيدرولوجية للينابيع الحديثة من ينابيع الواحات والآبار النشطة في الصحراء الغربية المصرية، باستخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد والبيانات الجيولوجية والهيدرولوجية، بالإضافة إلى نظائر السترنشيوم (87Sr/86Sr) (تحليل يُستخدم لتحديد أعمار الصخور والمعادن) للتأكيد على أن رواسب البحيرات والينابيع قد تكونت من مياه جوفية عميقة وخرجت إلى السطح عن طريق فوالق وصدوع قاطعة للعمود الصخري على حواف المنخفضات الطبيعية بالصحراء الكبرى.

استخدمت الدراسة بيانات المحاكاة الهيدرولوجية للخزان الرملي النوبي لتوضيح أن المياه الجوفية قد يرتفع منسوبها في خلال الفترات المطيرة ويستمر هذا المنسوب مرتفعًا حتى بعد انقطاع الأمطار والتغذية لمدة قد تمتد إلى أكثر من 15 ألف عام. وخلال هذه الفترة تظل المياه الجوفية العميقة تتدفق إلى المنخفضات الطبيعية وينتج عنها تكوين رواسب البحيرات ورواسب الطوفا حتى خلال الفترات الجافة. وبالتالي فإنه عند حساب عمر هذه الرواسب لا يمكن الاستدلال على الفترات المطيرة باستخدام عمر الرواسب فقط، إذ إنها تكونت خلال الفترات المطيرة والفترات الجافة التي تليها أيضًا.

وخزان الحجر الرملي النوبي هو مصطلح جيولوجي يطلق على أحد أكبر خزانات المياه الجوفية في كوكب الأرض بالكامل -إن لم يكن أكبرها بالفعل- من حيث الامتداد الجغرافي ( 2.6 مليون كيلومتر مربع في مصر وليبيا وتشاد والسودان، وبسُمك مشبع يصل إلى أكثر من 1000متر) وخزان شمال غرب الصحراء الكبرى الذي يمتد بين الجزائر وليبيا وتونس.

أما التوفا أو "الطوفا" فهي عبارة عن رواسب جيرية مسامية إسفنجية الشكل. تتكون حول حواف بعض الينابيع والعيون المائية والنافورات والينابيع الحارة، كما قد تترسب أحيانًا عند بعض جوانب المجاري النهرية التي ترتفع نسبة كربونات الكالسيوم في مياهها.

تقول "لميس محمد" -مدرس الاستشعار عن بُعد بقسم الجيولوجيا، كلية العلوم بجامعة المنصورة والباحثة غير المشاركة في الدراسة- لـ"للعلم": تستخدم هذه الدراسة طرقًا عديدة، أولاها الاستشعار عن بعد، وذلك لتحديد هذا التعقيد في حساب عمر رسوبيات العصر الرباعي (Quaternary) وهو أحدث العصور الثلاثة لحقبة الحياة الحديثة في مقياس الزمن الجيولوجي. ويمتد من 2,6 مليون سنة مضت إلى الآن، وترجع أهمية تحديد الفترات المطيرة في الصحراء الكبرى إلى أن هذه الفترات حدث فيها أول عبور للإنسان القديم من أفريقيا ومن ثم انتشر في باقي مناطق العالم.

وتضيف لـ"للعلم": تمثل نتائج الدراسة أهميةً بالغةً لجهود استخدام النمذجة الحاسوبية لتحديد سيناريوهات توافر ومناسيب المياه الجوفية بالمنطقة؛ إذ إن أي نمذجة حاسوبية لحركة المياه الجوفية تحتاج إلى بيانات عن الفترات المطيرة التي جرت تغذية الخزانات خلالها، وبالتالي فإن الحساب الخطأ لهذه الفترات قد يؤدي إلى نتائج مغلوطة عن استجابة المياه الجوفية لعمليات الاستخراج في الصحراء الكبرى.

وتسهم هذه الدراسة بشكل كبير في فهم التغير المناخي خلال نصف المليون عام السابق، مما يفيد في فهم التغيرات المناخية الحالية، كما يضيف إلى دقة نمذجة التغيرات المناخية طويلة المدى والتنبؤ بمستقبل المناخ في الصحراء الكبرى والعالم أجمع، وفق قول "لميس محمد".

نسخة مصغرة

ويتحدث "أبو طالب" -الباحث الأول في هذه الدراسة- لـ"للعلم" قائلًا: يوضح البحث أن المياه الجوفية العميقة والتي خرجت إلى السطح عن طريق الفوالق العميقة خلال هذه الفترات المطيرة نتيجةً لارتفاع مناسيب المياه في الخزان ربما تكون قد عقَّدت عملية تحديد عمر الرسوبيات التابعة لتلك الفترة، التي كانت تمثل فيما سبق حجر الأساس لتحديد الفترات المطيرة وفترات هجرة الإنسان القديم من أفريقيا وانتشاره في بقية مناطق العالم.

credit: Abotalib Z.Abotalib مثال لرواسب الانهار القديمة فى سيناء والتى تم استخدامها لتحديد عمر الفترات المطيرة فى الصحراء الكبرى. تظهر الرواسب باللون الاصفر الفاتح تعلو الصخور النارية داكنة اللون

ويستطرد بقوله: فإذا كانت هذه الرواسب قد تكونت نتيجة انسياب ينابيع المياه العميقة على سطح الفوالق المحيطة بالمنخفضات الطبيعية في الصحراء الغربية المصرية، فإنه بمعلومية ضعف توصيلية الخزان الرملي النوبي وطول المسافة بين مناطق شحن الخزان ومناطق انسياب هذه الينابيع قد تكون هناك فترة زمنية مفقودة بين تغذية الخزانات التي حدثت خلال الفترات المطيرة وخروج هذه المياه على شكل ينابيع وتكوين رواسب الطوفا والبحيرات، مشددًا في حديثه لـ"للعلم" على أنه: ما زلنا بحاجة إلى الكثير من المعلومات لفهم طبيعة الصحراء الكبرى.

ولتأكيد هذه النظرية قام الفريق البحثي بتجميع كل البيانات المتاحة عن رواسب البحيرات والينابيع في الصحراء الكبرى ومقارنتها بالفترات المطيرة والجافة خلال فترة نصف المليون سنة الماضية، وبينت نتائج هذا التحليل أن الأعمار المستخلصة من هذه الرواسب تتراوح بشكل كبير بين الفترات الجليدية Glacial periods (التي يُعتقد أنها كانت جافة وباردة) والفترات بين الجليدية التي كان يُعتقد أنها دافئة ورطبة، وبالتالي فإن هذه البيانات تحتاج إلى تمحيص وتدقيق لفهم هذا التراوح الكبير. من أجل هذا، قام الفريق البحثي بتجميع مجموعة من الرواسب الموجودة في المنخفضات لتحديد عمرها باستخدام تقنية اليورانيوم المشع ولكن بطريقة مختارة، إذ جرى فقط تجميع عينات من المناطق ذات السُّمك الكبير والمناسيب المرتفعة، والتي يُعتقد أنها تكونت خلال أعلى منسوب للمياه الجوفية في الفترات المطيرة فقط، كما جرى تجميع رواسب من شبه جزيرة سيناء لتحديد عمرها باستخدام طريقة الاستحثاث الضوئي للرواسب. وقد تم اختيار منطقة شبه جزيرة سيناء لأنها ليس فيها مياه جوفية عميقة قد تكون سببًا في تعقيد عمر هذه الرواسب.

قد يدور في ذهنك سؤال: لماذا جرى استخدام هذه الأماكن بالتحديد في هذه الدراسة؟ ويجيب عن هذا السؤال "غلوريا جيمينيز" -متخصصة علوم المناخ بجامعة أريزونا- لـ"للعلم" قائلة: المناطق التي جرت دراستها مثالية؛ لأنها تعتبر نموذجًا مصغرًا للصحراء الكبرى، كما أنها تحتفظ وبشكل رائع بنسبة اليورانيوم المشع فيها عبر الزمن، مما يعطي نتائج دقيقة عند استخدامها في قياس العمر .

وتضيف "جيمينيز": بينت دراسة تحديد عمر الرواسب التي تم تجميعها بعناية للتدليل على الفترات المطيرة أن هذه الرواسب قد تكوَّن معظمها خلال الفترات الجليدية، وخصوصًا الفترة الممتدة ما بين 191 ألف عام إلى 130 ألف عام مضت، والمعروفة بفترة النظائر البحرية السادسة (Marine Isotope Stage 6)، وليس كما كان يُعتقد سابقًا أن أهم فترة مطيرة مرت على الصحراء كانت فترة النظائر البحرية الخامسة (Marine Isotope Stage 5e) التي امتدت من الفترة 129 إلى 115 ألف عام مضت، وعليه فإن التغيرات المناخية بين فترات المطر وفترات الجفاف لا يمكن أن تُعزى بالكلية إلى التحرك الشمالي للرياح الموسمية الصيفية، وأنه غالبًا كان هناك دور كبير للرياح الغربية القادمة من شمال المحيط الأطلنطي، التي تغذي حاليًّا جنوب أوروبا بالأمطار.

طرق إحياء المناخ القديم

ويمكن تخزين بصمات نظائر هطول الأمطار في محفوظات تاريخية مستقرة، مثل الأنهار الجليدية والجليد القطبي، ورواسب المحيطات والبحيرات، وخواتم الأشجار، والمياه الجوفية القديمة. ويتم استخدام هذه المحفوظات المناخية القديمة لإعادة بناء الظروف المناخية السابقة وتوثيق التغيُّرات البيئية على مدى قرون وآلاف السنين.

ولتحديد عُمر المحفوظات المناخية القديمة، يمكن استخدام العديد من النظائر المشعة، أما النظائر المستقرة للأكسجين والهيدروجين فتُعدُّ الأدوات الرئيسية لإعادة بناء درجة الحرارة الماضية والظروف البيئية. ويستخدم باحثو المناخ وخبراء النمذجة منذ عقود نظائر الماء للتوصل إلى فهم أفضل لأنماط دوران الغلاف الجوي، وعمليات الأرصاد الجوية الحالية، والظروف المناخية السابقة في نطاقات زمانية ومكانية مختلفة. ومن الموارد الرئيسية لبحوث المناخ القديم الشبكةُ العالمية لاستخدام النظائر في دراسة الأمطار، وهي قاعدة بيانات للمعلومات النظائرية تديرها الوكالة والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية منذ عام ١٩٦١.

تقول "لورا كروسي" -أستاذة العلوم الهيدرولوجية والجيوكيمائية بجامعة نيو مكسيكو، والباحثة المشاركة في الدراسة- لـ"للعلم": كانت الأساليب التي استخدمناها هي مقياس الإشعاع المحفز بصريًّا (OSL)، وهو وسيلة لقياس الإشعاع الأيوني، بطريقتين: تأريخ إشعاع المواد القديمة: مثل الرواسب الجيولوجية أساسًا والفخار في بعض الأحيان.

كما تم استخدام مقياس مراحل النظائر البحرية (MIS)، وهو عبارة عن قياس لنسبة أكسجين -18 في عينات حبوب اللقاح والفلورامينيرا (العوالق) في بقايا الرواسب البحرية المحفورة، وتُستخدم الحفريات لتحديد درجات حرارة المحيطات على مدار الزمن الجيولوجي؛ إذ تتم دراسة حفريات متعددة من النوع نفسه في طبقات مختلفة، ويشير الفرق بينها إلى تغيُّرات طويلة الأجل.

هجرة الإنسان القديم

في ضوء هذه النتائج، ناقشت الدراسة أول هجرة لـ"الإنسان العاقل الحديث تشريحيًّا" (AMH) خارج أفريقيا. ويُعتبر "الإنسان العاقل الحديث تشريحيًّا" مصطلحًا يُستخدم لتمييز نوع Homo sapiens الذي يمتلك تركيبًا تشريحيًّا يتفق مع الأنماط الظاهرية للبشر المعاصرين من أولئك الأنواع الأوائل المنقرضة من البشر، كإنسان النياندرتال وغيره.

وتتحدث الدراسة عن أنه إذا كان "الإنسان العاقل الحديث" لا يمكنه قطع الصحراء الكبرى خلال فترات الجفاف؛ إذ تحتاج هذه العملية إلى آلاف السنين لقطع الطريق من إثيوبيا -حيث عاش ذلك الإنسان- إلى الجزيرة العربية وصحراء النقب حيث يمكنه من هناك الانتشار في باقي مناطق العالم، فإن هذه الهجرة لا بد أن تكون قد حدثت خلال الفترات المطيرة، حين كانت الصحراء الكبرى تعج بالبحيرات والينابيع وبالتالي بالحياة البرية التي توفر الغذاء والشراب للإنسان خلال رحلة الهجرة.

كان يُعتقد قديمًا أن أول هجرة للإنسان العاقل الحديث قد حدثت خلال فترة النظائر البحرية الخامسة، التي امتدت من الفترة 129 إلى 115 ألف عام مضت، ولكن هذه النتائج تتعارض مع التسجيلات الحديثة لآثار ذلك الإنسان في الجزيرة العربية وبلاد الشام، حيث سُجِّلت مجموعة من الآثار داخل الكهوف في تلك المناطق يرجع عمرها إلى 170 و165 ألف عام، وبالتالي لا بد أن تكون هجرة هذا الإنسان القديم قد حدثت خلال فترة سابقة لفترة النظائر البحرية الخامسة.

 ونظرًا إلى أن نتائج الدراسة قد بينت أن فترة النظائر البحرية السادسة كانت مطيرة فوق الصحراء الكبرى وقد امتدت حوالي 60 ألف عام، فإن هذه الفترة هي الأكثر توافقًا مع المعطيات الحديثة لتكون فترة هجرة الإنسان القديم خارج أفريقيا وانتشاره في باقي مناطق العالم. ويعتقد "أبو طالب" وزملاؤه أن "الإنسان العاقل الحديث" ربما هاجر خارج أفريقيا لأول مرة في الفترة من 191 إلى 130 ألف سنة مضت.