يومًا تلو يوم، كان الطفل يعود غاضبًا من المدرسة. يحتل آخر قائمة مدرسته في المستوى التعليمي. يستيقظ صباحًا رغمًا عنه للذهاب إلى فصله الدراسي. يُعاني مع الاستذكار، ويرفض حفظ دروسه المدرسية. لم يكن أحدٌ ليستطيع أن يتصور أن يحوز ذلك الطفل في يوم من الأيام أعلى الدرجات الجامعية. ويشغل مناصب قيادية مهمة في واحدة من أهم الجامعات المصرية. ويتلقى أرفع الأوسمة والجوائز داخل بلده الأم، ويلقى تكريمًا دوليًّا واسعًا من محافل ذات سُمعة عالمية.

في مدينة شربين بمحافظة الدقهلية، وُلد "صلاح صبري أحمد عبية" عام 1969. شأنه شأن أطفال مدينته، التحق بالتعليم الحكومي، غير أنه في البدايات المبكرة عانى من "التنمر" لأسباب مجهولة. ومع زيادة وتيرة ذلك التنمر، كره الطفل المدرسة، واعتبرها عبئًا لا يُمكن التعامل معه. لم يفطن والداه لطبيعة معاناته من تنمر زملائه، إلا أن شقيقته الكبرى تساءلت عن سبب كره أخيها للدراسة، وتحققت من الأمر، فطلبت من الأب توفير "مُدرس خصوصي" في المنزل لأخيها. كما تواصلت مع إدارة المدرسة لتجنيب "صلاح" شرور التنمر، الذي يقول عنه إنه "الآفة التي تعصف بتلاميذ المرحلة الابتدائية والإعدادية".

وبالفعل، وبعد أن حُلت تلك المشكلة، تصاعد نجم التلميذ، وحصل على الشهادة الابتدائية بتفوق، ومنها انتقل إلى المرحلة الإعدادية. وخلال تلك المرحلة، قابل الرجل الذي أحدث تحولًا في حياته.

"لا أزال أذكر بكل الفخر اسم معلم الرياضيات عادل السواح"، يقول "عبية" في تصريحات خاصة لـ"للعلم". مشيرًا إلى أن ذلك المعلم انتبه لتفوقه في الرياضيات. "اهتم بي بشكل خاص.. وشجعني على التبحر في ذلك العلم.. قال لي إنه يجب عليَّ دراسة الهندسة.. حققت أمله بالفعل، وتخرجت في كلية الهندسة بجامعة المنصورة.. ليته كان حيًّا الآن ليرى ما صنعته يداه".

في عام 1991، حصل "عبية" على درجة البكالوريوس فى علوم هندسة الاتصالات، ثم حصل على درجة الماجستير من جامعة المنصورة عام 1994، فالدكتوراة من جامعتي المنصورة وجامعة سيتي الإنجليزية عام 1999، ومن وقتها وإلى الآن، كسب "عبية" مكانةً دوليةً متميزةً في مجال الضوئيات المُصممة بتكنولوجيا النانو صديقة البيئة؛ إذ تُركز أبحاثه على النمذجة الحاسوبية الذكية للأجهزة الضوئية النانوية الحديثة.

قاد "عبية" الفريق الذي طور واحدةً من أفضل الحِزَم الرقمية الشاملة في العالم، الخاصة بتحليل أجهزة النانو الضوئية وتصميمها، وكذلك النظم الفرعية وتعظيم الاستفادة منها؛ إذ جرى تطوير عدد من النُّهج الرقمية (الأولى على العالم)، وتم اعتماد هذه الحزمة الرقمية على نطاق واسع من قِبَل المجتمعات المعنية بمجال الضوئيات وعمليات التحليل والتصميم الخاصة بأجهزة النانو الضوئية والمستخدمة في تطبيقات الخلايا الشمسية، والاتصالات البصرية، والاستشعار عن بُعد والتصوير الضوئي وغيرها من التطبيقات، ليستحق بذلك الحصول بجدارة على درجة الدكتوراة الفخرية في العلوم من جامعة لندن سيتي بالمملكة المتحدة عام 2016، وهي درجة تُمنح فقط لأساتذة الكرسي المتميزين عالميًّا، ووفقًا للتقاليد الأكاديمية في بريطانيا، تُمنح هذه الدرجة كل عدة سنوات من الجامعة تقديرًا لإسهام العلماء على مستوى العالم.

مع فريق من طلابه credit: Salah Obayya

أسهَمَ "عبية" في ابتكار تقنيات حديثة لتحقيق مجتمع نظيف من الكربون. ونشر 239 بحثًا علميًّا في المجلات والدوريات العلمية، وكذلك 252 بحثًا في المؤتمرات الدولية. وتم الاستشهاد بهذه الأبحاث حوالي 3200 مرة، كما ألف ثلاثة كتب باللغة الإنجليزية في النمذجة الحاسوبية.

قام "عبية" بجذب تمويل خارجي بقيمة تبلغ حوالي 4 ملايين دولار من الجهات الصناعية والمجالس البحثية الموجودة في المنطقة العربية، وكذلك من المملكة المتحدة. وأشرفَ على 35 طالب دكتوراة وأكثر من 70 طالب ماجستير و15 زميلًا بحثيًّا بمرحلة ما بعد الدكتوراة، كما خدم المجتمع العلمي الدولي في مجال الضوئيات من خلال الإسهام الفعال في اللجان الفنية لعدد من المؤتمرات الدولية وكذلك في تنظيمها. ومنذ 2007 يعمل نائبًا لرئيس التحرير في الـIEEE Photonics Technology Letters، ونائبًا لرئيس التحرير في Journal of Optical and Quantum Electronics، وعمل رئيس تحرير شرفيًّا في Journal of Optical and Quantum Electronics عام 2010.

ومنذ العودة إلى مصر في عام 2012، أدى دورًا نشطًا في التعريف بأهمية علم الضوئيات، ليس فقط للأوساط الأكاديمية، ولكن أيضًا للمجتمع العام، وعمل بنجاح على تشجيع طلاب المدارس وأولياء أمورهم للاهتمام بالعلوم والتكنولوجيا، وذلك من خلال عدة فعاليات، أهمها ورش العمل والزيارات والمحاضرات في الجامعات والمدارس، وعقد دورات تدريبية لطلاب الدراسات العليا في مجال أخلاقيات البحث العلمي.

تدرج "عبية" في مناصب عدة، إذ كان الرئيس الأكاديمي الأسبق لمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا منذ أبريل 2015 وحتى مارس 2017؛ إذ قام بالإشراف الإستراتيجي والتنفيذي والإداري والمالي لكل النواحي البحثية والأكاديمية بالمدينة، كما كان الرئيس العام للمعاهد البحثية بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا منذ سبتمبر 2014 حتى أبريل 2015، حيث قام بالإشراف العلمي على وضع إستراتيجية البحث العلمي بالمدينة، والإسهام في تأسيس 7 معاهد بحثية تعمل على إيجاد حلول مبتكرة للمشكلات التي تواجه المجتمع، وربط مُخرجات البحث العلمي بالصناعة؛ بهدف إنتاج تكنولوجيات جديدة مصرية خالصة، تُسهم في إحداث نهضة اقتصادية بمصر.

credit: Salah Obayya 

ويُعد "عبية" المدير المؤسس لمركز الفوتونيات والمواد الذكية. ففي أغسطس 2012 قام بتأسيس مركز بحثي عالمي في تطبيقات تكنولوجيا علوم الضوئيات في مجالات مهمة مرتبطة بتحديات المجتمع، مثل الطاقة الجديدة والمتجددة، والصحة، وأنظمة الاتصالات الحديثة وفائقة السرية.

حصل "عبية" على وسام العلوم والفنون عام 2019، كما عُين أيضًا أستاذًا لكرسي اليونسكو للتكنولوجيات الحديثة للتنمية المستدامة في أفريقيا في العام ذاته، ونشر مجموعة كبيرة من الأبحاث في العام ذاته، يبلغ عددها 34 بحثًا علميًّا.

تحتوي السيرة الذاتية لـ"صلاح عبية" على مجموعة كبيرة من التكريمات والإنجازات في المجال البحثي وفي خدمة المجتمع أيضًا. لكن، كيف حقق "عبية" تلك الإنجازات؟ وما نصائحه للباحثين من الشباب؟

يقول "عبية" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الأستاذ المصري –سواءٌ في مراحل التعليم الأساسية أو الجامعة- مميز للغاية. والدليل يظهر "حين يُسافر الأستاذ للعمل خارج القطر المصري". يتساءل: فلماذا لا يُحقق أساتذة الجامعات النجاح نفسه داخل مصر؟

credit: Salah Obayya 

يرى "عبية" أن النجاح معادلة ذات طرفين. إذ يُساوي وجود أفراد مؤهلين بالتدريب للنجاح، علاوةً على وجود المنظومة البحثية المتكاملة. "لدينا في مصر علماء مؤهلون في كل المجالات، لكن المنظومة غائبة"، يقول عبية في تصريحاته لـ"للعلم".

المنظومة -في رأي عبية- لا تعني الدولة فقط، لكنها أيضًا تعني "سلوكيات الأفراد"، فالأستاذ الجامعي يجب "أن يُفعِّل الرقابة الذاتية" ويُحدد أهدافه التي لا تشمل "إنتاج المعرفة" فحسب، بل "نقلها والتأثير على المجتمع بواسطتها" أيضًا.

يبحث "عبية" طيلة الوقت عن وسيلة يُنفذ بها ما يعتقد أنه الطريق الصحيح للنهوض بالبحث العلمي في مصر، ويرى الرجل الستيني أن حل أزمة البحث العلمي في مصر يبدأ بربط الصناعة بالبحث. "العلم يبحث عن الأفكار.. والاقتصاد الآن يُبنى على المعرفة. ولا اقتصاد قوي من دون استثمار جيد في العلوم".. وبالتالي "يجب علينا نحن الباحثين أن نكون مبدعين.. أن نعمل في أبحاث لها تطبيقات حقيقية.. فالطريق لتحقيق الرخاء –رخائنا نحن ورخاء المجتمع- يبدأ بالإبداع".

أبرز انجازات العلماء المصريين في 2019