تواجه العديد من بحار وبحيرات العالم المالحة تحديات كثيرة، لعل أبرزها مخاطر التلوث، وما طرأ على مناخ الكرة الأرضية من تغيُّرات حادة، إضافة الى تقلُّص مساحات بعضها بدرجة ملفتة، ووصول مستويات الملوحة في بعضها الآخر إلى نسب غير مسبوقة أثرت على عناصر الحياة فيها.

مجلة «للعلم» تتناول في هذا الملف التحديات والمشكلات التي تواجه الماء المالح في بحيرات وبحار العالم المختلفة، في مقابل فرص الاستثمار والحلول الواعدة التى ما زالت هذه المسطحات المائية تبشر بها.

 ولعل أبرز التحديات هو ما يواجه العديد من البحيرات المالحة في العالم من خطر التقلص بمعدلات مثيرة للقلق، ما انعكس فعليًّا على موائل الطيور المائية وكذلك الفوائد الاقتصادية التى كانت تُجنى منها، بل أصبح بعضها في وضعه الحالي مصدر خطر يهدد صحة الإنسان.

تحذر دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين بجامعة "يوتا" الأمريكية من أنه على الرغم من الأهمية الاقتصادية الكبيرة للبحيرات المالحة ودورها المهم في الحياة البرية بوصفها موئلًا للطيور المهاجرة، فهي تتعرض لتقلُّصات كبيرة في حجمها؛ نتيجةَ تعرُّضها لمشكلات بيئية خطيرة.

تلقي الدراسة باللوم في تقلص حجم البحيرات المالحة على مستوى العالم على التدخلات البشرية والاستغلال المفرط لموارد هذه البحيرات، إضافة إلى التغيُّرات المناخية التي تؤدي في بعض الحالات إلى تقليل التدفقات المائية في البحيرات المالحة.

ووفق الدراسة التى قام بتغطيتها لمجلة «للعلم» محمد السعيد، فإن للبحيرات المالحة أهمية أيضًا في أغراض السياحة والترفيه والسباحة والصيد والاستمتاع بمشاهدة الطيور، فضلاً عن أهميتها الصناعية؛ نظرًا لتركُّز المعادن فيها.

ويؤدي تجفيف البحيرات المالحة إلى أن تصبح قيعانها مصدرًا للغبار الناعم، الذي يضر بصحة الإنسان، ويسبب الربو وأمراض الجهاز التنفسي، فضلًا عن تَراجُع أهميتها الاقتصادية.

يقول وايني إ. وارتسبو -الباحث بجامعة "يوتا" الأمريكية، والباحث الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النتيجة الأبرز لهذه الدراسة هي أن الاستغلال المتنامي للمياه في الاستخدام الزراعي بشكل أساسي يمثِّل مشكلةً مُلِحَّة، تتسبب في تقلُّص حجم البحيرات الملحية الطرفية، كما أن تراجُع حجم البحيرة مع زيادة ملوحتها يدمر موائل الطيور، ويزيد من العواصف الترابية التي تضر بصحة الإنسان".

واحدة من أبرز المشكلات التى تواجهها البحيرات المالحة هي مشكلة التلوُّث، وتُعَدُّ بحيرة قارون بمحافظة الفيوم المصرية مثالًا صارخًا لما وصلت إليه مستويات التلوث من معدلات غير مسبوقة. في تحقيق استقصائي أجرته نجوى طنطاوي لمجلة «للعلم» وقع الاختيار على قرية "شكشوك" الواقعة جنوب البحيرة، والتي تتبع مركز "إبشواي" في محافظة الفيوم، لدراسة ما وصل إليه الحال؛ نظرًا لموقعها المباشر على البحيرة دون أي فواصل طبيعية أو صناعية، ما جعلها نموذجًا معبِّرًا عما أحدثه "طفيل الأيزوبودا" بها، وفى حياة سكان القرية البالغ عددهم 15 ألف نسمة، وفقًا لإحصاء التعداد السكاني لعام 2017.

ووفق التحقيق فإن طفيل الأيزوبودا سكن البحيرة منذ أربع سنوات من خلال الزريعة، ووجد البيئة الملائمة له في مياهها الملوثة؛ فهي تستقبل مياه الصرف الصحي والزراعي من مصرفين رئيسيين هما "البطس" شمالًا و"الوادي" جنوبًا، بالإضافة إلى 13 مصرفًا فرعيًّا، والنسبة الأكبر هي مياه صرف صحي بسبب التعديات على الأراضي الزراعية والمباني المخالفة.

وتشير داليا أشرف -مدرس أمراض الأسماك بكلية الطب البيطري بجامعة القاهرة- إلى أن التحليل الفيزيائي والكيميائي لمياه البحيرة، والذي ضمَّنته رسالتي الماجستير والدكتوراة الخاصتين بها، كشف ارتفاع درجة ملوحة مياه بحيرة قارون لتصل إلى 39-45 جزءًا في الألف، وارتفاع درجة الأس الهيدروجيني لما بين 7.6 إلى 7.7، في حين يتراوح مقدار الأمونيا من 0.89 إلى 2.03 ملج/لتر، وبلغ معدل النيتروجين النيتراتي 2.63 ملج/لتر بعد أن كان صفرًا، أما معدلات الحديد فتتراوح بين 0.8 و1.95 ملج/لتر.

 تصف الباحثة هذه النِّسب -في تصريحات لـ"للعلم"- بأنها "أعلى من المستويات الطبيعية بمراحل، ما وفَّر بيئةً مناسبةً للطفيل، وعزَّز من قدرة الميكروبات المُمْرِضة على إصابة الأسماك".

نداءات متعددة رفعها عدد من الصيادين والسكان المحليين لإنقاذ البحيرة من تداعيات التلوث المرتفع، وهو ما قضى على الأسماك التي تشكِّل مصدر الرزق الرئيسي للكثير من الأسر.

ولقد شجع التدهور في نوعية المياه في تلك البحيرة وغيرها من البحيرات فريقًا علميًّا من الجامعة المصرية اليابانية للتكنولوجيا والمعلومات على إنشاء محطة لتنقية مياه الصرف الصحي باستخدام تقنية "الإسفنج المعلق" في محافظة "الفيوم" بصعيد مصر.

ووفق التحقيق الذى أعدته أمنية حسني كُريّم، جرى تجهيز المراحل الأولى من المحطة، والتي تُعَد ثمرة لسلسة أبحاث أجراها على مدى 10 سنوات، الدكتور أحمد توفيق، رئيس قسم الهندسة البيئية في الجامعة، بهدف الحد من التلوث وإنتاج مياه مطابقة للكود المصري واستخدامها في الري.

والمياه المالحة -كما عودتنا- سخية وواعدة، فبالرغم من كل التحديات والمعوِّقات التى تسعى للنَّيل من جدواها، ما زالت قادرةً على العطاء، وبسخاء غير محدود.

ففي خطوة جديدة نحو إيجاد مصدر لوقود نظيف، تمكن فريق من الباحثين بجامعة فلوريدا الوسطى الأمريكية من استحداث طريقة جديدة لتوليد وقود هيدروجيني من مياه البحر.

تُعَدُّ الطريقة الجديدة -وفق التغطية التى قام على إعدادها محمد السنباطي لمجلة «للعلم»- أقلَّ كلفةً وأكثر كفاءةً من الطرق المستخدمة حاليًّا، الأمر الذي قد يؤدي إلى طفرة في إنتاج الوقود الهيدروجيني، خاصةً أن غاز الهيدروجين من المركبات الغنية بالطاقة، كما أنه من أكثر العناصر توافُرًا في الطبيعة؛ إذ يوجَد في الماء والمركبات العضوية والهيدروكربونية.

وفق الدراسة المنشورة في دورية إنيرجي& إنفيرومنتال ساينس، طور الباحثون مادة هجينة، عبارة عن غلالة رقيقة من ثنائي أكسيد التيتانيوم، تضم تجاويف نانوية مغطاة برقائق نانوية سمكها ذرة واحدة من ثاني كبريت الموليبدينوم، بحيث تعمل تلك المادة كعامل محفِّز يحوِّل الضوء إلى طاقة تُستغَل في توليد الهيدروجين من المياه المالحة.

وفي مسار آخر مُوازٍ، تسعى مصر لمواجهة شح المياه بالطاقة النووية. فوفق تقرير منشور على مجلة «للعلم»، كتبه رضا القاضي، طوّر علماء من جامعة البحوث النووية الوطنية في روسيا تكنولوجيا هجينة، تجمع بين استخدام مصادر الطاقة داخل المحطة النووية من جهة ووحدة معالجة أولية تستكشف درجة الملوِّثات بالمياه ونسب ملوحتها، من خلال التركيز على تعدد مراحل المعالجة لإنتاج مياه نظيفة بجودة وكمية عاليتين.

ويُنتظر أن تُستخدم نتائج الدراسة في مشاريع كبرى لشركة "روس آتوم" الروسية في المحطة النووية المُزمَع إنشاؤها في مصر لتوليد 1200 ميجاوات لكل مفاعل من مفاعلاتها الثمانية، وإزالة ملوحة 170 ألف متر مكعب من مياه البحر المتوسط يوميًّا لسد احتياجاتها من مياه الشرب.

في الختام، لا يفوتنا استطلاع مستقبل الثروة السمكية التى تحظى بها البحار والمحيطات، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتطرفة التى تجتاح العالم الآن.

فبينما يتفق الكثير من العلماء وخبراء البيئة والمناخ على أن التغيرات المناخية ستدفع آلاف الأنواع من البرمائيات والثدييات والطيور للانتقال إلى مناطق أكثر برودةً خارج موائلها الطبيعية، فإن ما يثير التساؤل هو مدى الفرص التي تحظى بها الأسماك للبقاء على قيد الحياة، وسط ما تفرضه عليها التغيُّرات المناخية من تهديدات بالفناء، في مختلِف أنحاء العالم.

محمود العيسوى قام باستطلاع سيناريوهات ثلاثة تفرضها التغيُّرات المناخية على الأسماك وغيرها من الكائنات البحرية؛ من جَرَّاء الارتفاع الملحوظ في درجة حرارة المياه إلى معدلات غير مسبوقة. وذلك وفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في دورية نيتشر كلايمت تشينج أغسطس الماضي.