سفن مهجورة وألواح خشبية مبعثرة، ربما مثلت تلك المشاهد "فصل النهاية" لبحيراتٍ كانت -حتى عقود مضت- جزءًا رئيسًا من تضاريس كوكب الأرض، الذي طالما أظهرته الصور الملتقَطة من الفضاء في صورة "كوكب أزرق" بفعل حجم المياه الهائلة التي تغطي سطحه.

على مدى السنوات الماضية، تعرضت البحيرة الكبرى في "يوتا" بالولايات المتحدة الأمريكية، والبحر الميت في منطقة الشرق الأوسط، وبحر "آرال" في آسيا الوسطى، وبحيرة "لوب نور" شمالي غرب الصين، إضافة إلى بحيرة "بوبو" في بوليفيا، لعمليات تجفيف واسعة؛ إذ تقلصت مساحتها بوتيرة عالية.

وكذلك هو الحال مع بحيرة "أرومية" الواقعة شمالي غرب إيران، التي تقلص حجمها في السنوات الأخيرة، وأصبحت مساحتها لا تزيد على ألف كيلومتر مربع، وسط مخاوف من اختفائها بعد أن كانت حتى وقت قريب إحدى كبريات بحيرات الكرة الأرضية، إذ انخفض مستوى المياه فيها بنحو 25 سنتيمترًا؛ بسبب التقلبات المناخية، والإسراف في استخدام مياهها في مشروعات الري.

والأمر ذاته بالنسبة لبحيرة "أوينز" في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، التي بلغت مستوى يشرف على الجفاف في عام 1941 بعدما قامت هيئة الماء والطاقة في لوس أنجلوس بتحويل مسارات المياه التي تغذي البحيرة في إطار نظامها المائي المتبع، ما أدى إلى تراجُع حاد في منسوب المياه بالبحيرة، حتى إن الهيئة تضخ من حين لآخر كميات من المياه فيها؛ للحد من العواصف الترابية التي تسبب متاعب صدرية لسكان المنطقة.

ناقوس خطر

تشير دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين بجامعة "يوتا" الأمريكية، وخبراء مياه في "يوتا" و"مونتانا"، ونُشرت في أكتوبر الماضي بدورية "نيتشر جيوساينس"، إلى أن البحيرات المالحة الكبيرة تمثل 44% من الحجم الإجمالي للبحيرات على سطح الأرض، و23% من إجمالي مساحتها.

يقع معظم البحيرات المالحة في المناطق الجافة، ويُعَدُّ بحر قزوين في غرب آسيا أكبرَ هذه البحيرات؛ إذ يشكل وحده 41% من حجم البحيرات المالحة الكبيرة حول العالم.

ركزت الدراسة على البحيرة الكبرى في "يوتا" للبرهنة على تأثير الاستغلال البشري الكبير لمياه البحيرة، فضلًا عن التغيرات المناخية طويلة الأمد، التي أدت إلى تناقُص حجمها بقدرٍ كبير، كما أدت إلى تراجع البحيرة بحوالي 11 قدمًا، وفقدان نحو 50% من مساحتها.

كما تمكَّن الباحثون من تقدير التدفقات المائية اللازمة للحفاظ على البحيرة كموئل للطيور المهاجرة، إضافة إلى الحصول على معلومات تفيد في فهم العلاقة التبادلية المعقدة بين الاستفادة المباشرة من استغلال مياه البحيرة وصيانة النظام البيئي فيها، وذلك من خلال تحديد الموازنة المائية للبحيرة.

أهمية البحيرات المالحة

تحذر الدراسة من أنه على الرغم من الأهمية الاقتصادية الكبيرة للبحيرات المالحة ودورها المهم في الحياة البرية بوصفها موئلًا للطيور المهاجرة، فهي تتعرض لتقلُّصات كبيرة في حجمها؛ نتيجةً تعرُّضها لمشكلات بيئية خطيرة، إضافة إلى التدخل البشري الذي من شأنه تغيير طبيعة هذا النظام البيئي الدقيق من خلال استغلال مياه هذه البحيرات المالحة في الاستخدامات البشرية المختلفة بالتزامُن مع تراجع حجم التدفقات المائية الواردة إلى البحيرات، الناتج عن التغيُّرات المناخية والعوامل البيئية.

كما تشير الدراسة إلى أهمية البحيرات المالحة باعتبارها مصدرًا للمياه اللازمة لري الأراضي الزراعية، إضافة إلى أهميتها في الصناعة والتطبيقات الحضرية.

ونظرًا لقدرة البحيرات المالحة على تخزين المغذيات الطبيعية وإعادة إنتاجها بكفاءة أكبر من المياه العذبة، فإن هذه الأنظمة البيئية تنتج في العادة كميات أكبر من غذاء الأسماك، كما هو الحال في بحر "آرال".

ووفق الدراسة فإن ارتفاع نسبة الأسماك في البحيرة المالحة يجعل من الأحياء المائية اللافقارية غذاءً متاحًا للطيور المهاجرة التي تتخذ من هذه البحيرات موئلًا لها.

كما أن للبحيرات المالحة أهمية أيضًا في أغراض السياحة والترفيه والسباحة والصيد والاستمتاع بمشاهدة الطيور، فضلاً عن أهميتها الصناعية؛ نظرًا لتركُّز المعادن فيها.

ويؤدي تجفيف البحيرات المالحة إلى أن تصبح قيعان هذه البحيرات مصدرًا للغبار الناعم، الذي يضر بصحة الإنسان، ويسبب الربو وأمراض الجهاز التنفسي.

وثَّقت الدراسة هذا التأثير في بحر آرال؛ إذ تقلصت مساحته بنسبة 74%، ما أدى إلى تكشُّف 12.700 كيلومتر من قاع البحيرة؛ نظرًا لسحب المياه منها لاستخدامها في الزراعة، وتعرضت بحيرة أرومية في إيران لظروف مشابهة. وأشارت الدراسة إلى انخفاض منسوب البحر الميت في المنطقة العربية بقرابة 28 مترًا خلال الـ140 عامًا الأخيرة.

على مَن يقع اللوم؟

تلقي الدراسة باللوم في تقلص حجم البحيرات المالحة على مستوى العالم على "التدخلات البشرية والاستغلال المفرط لموارد هذه البحيرات، إضافة إلى التغيرات المناخية التي تؤدي في بعض الحالات إلى تقليل التدفقات المائية في البحيرات المالحة".

يقول وايني إ. وارتسبو -الباحث بجامعة "يوتا" الأمريكية، والباحث الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النتيجة الأبرز لهذه الدراسة هي أن الاستغلال المتنامي للمياه في الاستخدام الزراعي بشكل أساسي يمثِّل مشكلة مُلِحَّة، تتسبب في تقلص حجم البحيرات الملحية الطرفية، كما أن تراجُع حجم البحيرة مع زيادة ملوحتها يدمر موائل الطيور، ويزيد من العواصف الترابية التي تضر بصحة الإنسان"، موضحًا أن "المشكلة الأساسية التي تسبب كل هذا هي الزيادة السكانية، التي تزيد الطلب على المنتجات الزراعية".

من جهته، يؤيد مجدي تراب -أستاذ الجيومورفولوجيا بجامعة دمنهور، ورئيس الجمعية المصرية للتغيرات البيئية- ما ذهبت إليه الدراسة بشأن دور التغيرات المناخية في تراجُع حجم البحيرات الملحية.

يقول "تراب" لـ"للعلم": "إن كمية الأمطار التي تزوِّد هذه البحيرات بالمياه قلَّت نتيجة للتغيرات المناخية، فضلاً عن تقلُّص حجم البحيرات المالحة ومساحتها بسبب العوامل البشرية، مثل تحويل مجاري الأنهار، وإنشاء السدود، وزيادة استغلال مياه الأنهار والمطر ومنع وصولها للبحيرات".

ووفقًا لـ"تراب" فإن أكثر البحيرات المصرية تأثُّرًا بالتغيرات المناخية، بحيرة قارون في محافظة الفيوم، التي تحاول تعويض نقص إيرادها المائي بمياه الصرف الزراعي، التي ترفع نسبة التلوث فيها وتضر بالأسماك التي بدورها تضر بصحة الإنسان.

ووفقًا لدراسة كان قد أعدها باحثون جيولوجيون بجامعة "ماكجيل" الكندية، واعتمدوا فيها على صور التقطتها الأقمار الصناعية، يوجد بالكوكب 1.42 مليون بحيرة طبيعية، تحتوي على ما بين 176 إلى 180 ألف متر مكعب من الماء.

إحياء البحر الميت

وفيما يتعلق بالبحر الميت، فإن الدراسات التفصيلية لبيئة البحر الميت تشير إلى أن تراجُع مستوى المياه يتجاوز نسبة التراجع التي ذكرتها الدراسة (28 مترًا) بكثير؛ إذ قاربت قيمة التراجع في منسوب المياه بالبحر 40 مترًا خلال النصف قرن الماضي، إذ انخفض منسوب مياهه من 392 مترًا تحت مستوى سطح البحر إلى 432 مترًا في الوقت الحالي، وفق ما يذهب إليه نجيب أبو كركي -أستاذ الجيوفيزياء وعلم الزلازل والبيئة بكلية العلوم في الجامعة الأردنية- في تصريحات لـ"للعلم".

 يؤيد أبو كركي -الذي تتركز أبحاثه حول البيئة الطبيعية للبحر الميت- ما خلصت إليه الدراسة من أن "سبب تراجع مستوى المياه في البحيرات المالحة هو التوسع في استخدامات المياه التي تغذي تلك المسطحات المائية لأغراض الاستعمال الحضري للري والزراعة والصناعة، وأن تأثير هذه التدخلات البشرية يتفوق على تأثير التغيرات المناخية التي تحدث على المدى الطويل".

يضيف أنه "منذ تحويل مجرى مياه نهر الأردن بمنتصف ستينيات القرن الماضي وحرمان مصبه في البحر الميت من زهاء مليار وثلاثمئة مليون متر مكعب من الماء العذب، بدأ مستوى المياه في البحر الميت بالتناقص التدريجي المتسارع عامًا بعد عام. وهو تناقص يقدر بنحو 1.1 متر في السنة، حتى إن مستوى منسوب مياه البحر الميت كانت حوالي 430 مترًا عند مشارف العام 2016".

يعتقد أبو كراكي أن مشروع نقل تدفقات مائية من البحر الأحمر إلى البحر الميت عبر خط أنابيب قد يُسهِم في حل جزئي للمشكلة، لكنه يرى أن هذا الأنبوب لن يحل مشكلة الانهيارات الخسفية بالبحر الميت؛ لعدم تناسُب ما يفقده البحر سنويًّا بالتبخر، وما يخطط أن ينقل إليه عبر خط الأنابيب.

التحكم في الزيادة السكانية

يرى وارتسبو أن الحل المؤقت لمشكلة تقلص حجم البحيرات المالحة هو صيانة المياه، مضيفًا أنه "يمكن، على سبيل المثال، الري بالتنقيط بدلاً من الري بالغمر، أما الحل طويل الأمد فهو أيضًا صيانة موارد المياه مع التحكم في الزيادة السكانية".

يشير وارتسبو إلى أنه يواصل العمل والبحث في هذه المشكلة، في بحيرة "يوتا" الكبرى بشكل أساسي، إضافة إلى بحيرة أرومية في إيران.