لسنوات طويلة، اعتمد الباحثون والمؤسسات الدولية على رصد الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها الشعوب على مستوى العالم من خلال البيانات التي يتم جمعها عن طريق "المسح الأسري"، وهي وسيلة غالبًا ما تكون مكلفة وغير متكررة.

ومن هنا تأتي أهمية الدراسة التي أجراها فريق من الباحثين بجامعة "آرهوس" الدنماركية حول إمكانية استخدام بيانات الأقمار الصناعية عالية الدقة لرسم خريطة للظروف المعيشة الاقتصادية للسكان في البلدان الفقيرة على مستوى العالم، بما يضمن تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، التي تتصدى للتحديات العالمية المتعلقة بالفقر وعدم المساواة والمناخ وتدهور البيئة والازدهار والسلام والعدالة.

يقول "جارى واتموه"-الباحث الرئيسي في الدراسة التي نشرتها مجلة "PNAS" الأمريكية، اليوم "الإثنين" 7 يناير- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة تبحث كيفية استخدام المعلومات التي تجري مشاهدتها في الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية عالية الدقة في المستقبل، ونستهدف من ذلك تحسين كيفية مراقبة الفقر والتنمية في المناطق الريفية، واعتمدنا في دراسة الحالة التي أجريناها على كينيا".

يضيف "واتموه" أن "رصد الفقر والتنمية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مثل كينيا كان يتم في الماضي عن طريق المسح الأسري، وهو وسيلة غالبًا ما تكون مكلفة وغير متكررة؛ وبالمقارنة، فإن صور القمر الصناعي عالية الدقة رخيصة (وغالبًا ما تكون مجانية)، كما أنها توفر معلومات كثيرة، ويمكن أن تعرض لنا صور الأقمار الصناعية معلومات حول منظر طبيعي وطريقة استخدام الأرض وكيفية تغيُّرها بمرور الوقت".

ويقول "ينس كريستان سفينينج" -الباحث بقسم العلوم البيولوجية في جامعة آرهوس، ورئيس فريق البحث- وفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: "إنه بناء على صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، يمكن للباحثين أن يقيِّموا بدقة متناهية حالة الفقر على مستوى الأسرة في المناطق الريفية في البلدان النامية، وإذا أردنا تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، التي التزمت بها 93 دولة، فإنه من المهم تتبُّع الظروف المعيشية في الدول الفقيرة حول العالم، خاصةً أن التوقعات تشير إلى أن تلك الدول ستكون صاحبة النمو السكاني الأعلى في المستقبل".

وقد قام الباحثون-استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية- بقياس حجم المباني ومناطق التربة غير المزروعة في منطقة زراعية في كينيا، وكذلك طول موسم النمو في عدد من المزارع العائلية.

وتكشف الصور أيضًا كيف يستخدم الناس المناطق المحيطة بمنازلهم، وكيفية تغيُّرتلك الاستخدامات مع مرور الوقت.

وأظهر الباحثون في دراستهم أن التحليل الشامل للصور الملتقطة بالأقمار الصناعية يمكن أن يفسر 62٪ من التباين في الظروف الاقتصادية المعيشية للأسر، وهو الأمر الذي قد يحتاج إلى أكثر من 250 مليار دولار في حالة إجرائه بالوسائل التقليدية.

وتوضح الدراسة أن المراقبة بالأقمار الصناعية طريقةٌ فعالة من حيث التكلفة لتعقُّب التنمية الاجتماعية والاقتصادية كمكمل للدراسات الاستقصائية الأسرية الكلاسيكية والمكلفة للغاية، والتي تعتمد على إجراء المقابلات المباشرة وغيرها من الطرق التقليدية؛ إذ إن استخدام البيانات التى يتم الحصول عليها عن طريق الأقمار الصناعية يجعل من الممكن تحليل التنمية الاقتصادية على نطاق جغرافي أكبر بكثير وبتواتر زمني كبير.

ووفقًا للدراسة فقد تم تصميم الطريقة التي قام الباحثون بتطويرها لتحليل صور الأقمار الصناعية بحيث تأخذ في الاعتبار أن الأشخاص يمكنهم الوصول إلى موارد مختلفة في المناطق المحيطة بهم، واستخدامها بمستويات مختلفة، ما يساعد على رصد الوضع المالي للسكان وإدارة أدوات التنمية في المنطقة بشكل أفضل بكثير مما كان عليه الوضع في السابق، على حد وصف "سفينينج".

يقول "واتموه": "إن الدراسة يمكنها توفير تكنولوجيا واعدة وضرورية للرصد الفعال لمستويات المعيشة، بما يضمن تحديد الجهود اللازمة لمحاربة الفقر في جميع أنحاء العالم".