يُعد الاستثمار في إستراتيجيات التكيف مع الفيضانات إحدى الوسائل التي يلجأ إليها كثيرٌ من الدول للتقليل من الخسائر في الأرواح والممتلكات التي قد تنتج عن حدوث الفيضانات -أو ما يعرفه البعض باسم «الطوفان»- التي تضرب مناطق مختلفة من العالم بوتيرة متسارعة، لتحصد في طريقها الأخضر واليابس.

وتمثل الفيضانات عقبةً كبرى أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ إذ تشير تقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن الفيضانات تسببت على مدار الـ50 عامًا الماضية في حصد أكثر من 55 ألفًا و763 حالة وفاة حول العالم، كما كبدت اقتصادات الدول والمناطق التي ضربتها خسائر مالية تتجاوز 115 مليار دولار.

تساؤلات شغلت البشرية

لطالما سعى خبراء البيئة والمناخ إلى الإجابة عن مجموعة من التساؤلات التي شغلت البشرية لسنوات، حول كيفية حدوث الفيضانات، والأماكن المعرضة لها، وكيف يمكن للبشر تفادي هذا النوع من المخاطر الجارفة، أو تخفيف وطأتها، وكيفية تجنُّب إقامة تجمعات بشرية في مناطق السهول الفيضية، كتلك التي يجري إنشاؤها في بعض مسارات مخرات السيول.

سعى فريق من الباحثين إلى وضع إجابات لتلك التساؤلات، عبر دراسة نشرتها دورية "نيتشر" (Nature)، اعتمدت على تحليل مجموعة كبيرة من صور الأقمار الصناعية لمئات الفيضانات المسجلة على مدار عقدين.

من جهتها، تؤكد بيث تيلمان -أستاذ جغرافية البيئة البشرية في جامعة كولومبيا الأمريكية، ومؤلفة الدراسة- أنها قامت بمعاونة فريقها البحثي بتحليل عدد كبير جدًّا من صور الأقمار الصناعية، كان يجري التقاطها يوميًّا، بدقة تصل إلى 250 مترًا، لتقدير مستويات الفيضانات، وحجم السكان المعرضين للمخاطر الناجمة عنها.

تضرر ملايين البشر

تضيف "تيلمان" في تصريحات لـ«للعلم» أن الدراسة شملت 913 فيضانًا كبيرًا، خلال الفترة بين عامي 2000 و2018، وتغطي الصور الملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية مساحةً إجماليةً تُقدر بحوالي مليونين و230 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها ما بين 255 و290 مليون شخص، تأثروا بشكل مباشر بهذه الفيضانات والتداعيات الناجمة عنها.

وتابعت مؤلفة الدراسة بقولها: نقدر أن إجمالي عدد السكان، في المناطق التي جرت مراقبتها عن طريق الأقمار الصناعية، قد ارتفع بما يتراوح بين 58 و86 مليون شخص، في الفترة من عام 2000 حتى عام 2015، وهذه التقديرات تمثل زيادةً بنسبة من 20 إلى 24% في عدد السكان المعرضين للفيضانات بمختلف أنحاء العالم، وهي نسبة أعلى بنحو 10 مرات من التقديرات السابقة.

ووفق الدراسة، فإن التوقعات الخاصة بالتغيرات المناخية لعام 2030 تكشف زيادة نسبة السكان المعرضين للفيضانات بشكل كبير، لذا تساعد صور الأقمار الصناعية التي ترصد أماكن الفيضانات ومواعيدها بدقة عالية، في تحسين توقعاتنا بتغير أماكن الفيضانات ومساراتها، وبالتالي في وضع أفضل الطرق للتكيف.

كما تساعد قاعدة بيانات الفيضانات العالمية التي أُعدت استنادًا إلى تلك الملحوظات، على تحسين تقييمات القابلية للتأثر، ودقة نماذج الفيضانات العالمية المحلية، وكفاءة تدخُّلات التكيُّف، بالإضافة إلى تحسين فهمنا للتفاعلات فيما بين تغييرات الغطاء الأرضي والمناخ والفيضانات.

التكيف مع المناخ

وتختلف شدة الفيضانات ومدة حدوثها ومعدلات تكرارها وفقًا لعدة أسباب، في مقدمتها التغيرات المناخية واستخدام الأراضي والبنية التحتية والتركيبة السكانية، وبلغت قيمة الخسائر الناتجة عن الفيضانات على مستوى العالم، في الفترة بين عامي 2000 و2019 ما يعادل 651 مليار دولار، ومع ذلك، فإن 13% فقط من الاعتمادات المخصصة لمواجهة الكوارث توجه إلى التأهب والتخفيف والتكيف.

تقول "تيلمان": النتائج التي توصلنا إليها يمكن أن تساعد في تحديد أولويات الاستثمار العالمي في التكيف مع الفيضانات، وإبلاغ إستراتيجيات التكيف على المستويات المحلية، وتُظهر مجموعة البيانات الخاصة بنا الأماكن التي سجلت ارتفاعًا في نسبة السكان المعرضين للفيضانات بشكل كبير خلال الفترة بين عامي 2000 و2015، وجارٍ مقارنة ذلك بمخرجات نموذج توقعات المناخ في المستقبل القريب 2030.

وأكدت أن هناك حاجة ملحَّة إلى ضمان أن يكون التمويل اللازم للاستثمار في التكيف مع الفيضانات متوافرًا لدى البلدان التي شهدت ارتفاعًا كبيرًا في مستويات التعرض للفيضانات في الماضي، ومن المتوقع أن تشهد مزيدًا من الارتفاع في المستقبل القريب، وتابعت بقولها: لا أعتقد أن هذا يحدث في الوقت الحالي.

وضربت مؤلفة الدراسة -في تصريحاتها لـ"للعلم"- عددًا من الأمثلة عن الوضع الحالي لتمويل التكيف مع المناخ، ومقارنة ذلك بقاعدة البيانات العالمية للفيضانات، فمثلًا تتلقى جمهورية أفريقيا الوسطى 10 ملايين دولار فقط في شكل أموال للتكيف مع المناخ، وهناك 106 دول تتلقى أموالًا أكثر من ذلك، رغم أن بيانات الأقمار الصناعية تشير إلى أن الدولة الأفريقية شهدت زيادةً في مستويات التعرض للفيضانات، خلال الفترة بين عامي 2000 و2015 بنسبة 76%، كما تُظهر قاعدة البيانات العالمية أن أفريقيا الوسطى سجلت أعلى زيادة متوقعة في نسبة السكان المعرضين للفيضانات بنسبة تصل إلى 87%.

السودان.. الخطر يقترب

وتأتي جمهورية السودان كمثال آخر؛ إذ تحتل المركز الثاني في الزيادة المتوقعة للتعرض للفيضانات بحلول عام 2030، بنسبة تصل إلى 67%، ورغم أن الدولة العربية لم تسجل ارتفاعًا في نسبة السكان المعرضين للفيضانات خلال الفترة من 2000 إلى 2015، إلا أنه من المتوقع أن تتعرض لمخاطر الفيضانات بشكل كبير، الأمر الذي يتطلب بنيةً تحتيةً ومؤسسيةً قوية، لضمان عدم تسبُّب هذا الخطر المتزايد في سقوط خسائر بالأرواح، ومع ذلك نجد السودان في المركز الـ30 بقائمة صندوق التكيُّف مع تغيُّر المناخ، بإجمالي تمويل قدره 44 مليون دولار، وفق "تيلمان".

وأوضحت "تيلمان" أن الدراسة تسلط الضوء بشكل أساسي على 25 دولة، قد تتعرض لمخاطر كبيرة بسبب الفيضانات، وقد لا تصمد بنيتها الأساسية أمام تحديات تغيُّر المناخ، مشيرةً إلى أن هذه الدول لا توجد فقط في النصف الجنوبي من العالم، بل في الشمال أيضًا، مثل كندا والولايات المتحدة وأيرلندا والنمسا وفرنسا وبلجيكا.

واستطردت مؤلفة الدراسة بقولها: للأسف، رأينا قبل أيام قليلة، في بلجيكا، العواقب المحتملة للأحداث الجديدة والمتطرفة، التي يبدو أنها ستتحدى منظومات الإنذار المبكر، وخطط الإخلاء، وإجراءات الدفاع ضد الفيضانات.

استثمارات التكيف غير كافية

وعما أوردته الدراسة من أن أفريقيا جنوب الصحراء هي المنطقة الوحيدة التي تشهد معدلات وفيات متزايدة بسبب الفيضانات، أشارت "تيلمان" إلى دراسة سابقة حول "التعرض لفيضانات الأنهار على مستوى العالم خلال الـ50 عامًا الماضية"، موضحةً أنه "إذا ما نظرنا إلى عدد الأشخاص الذين يلقون حتفهم نتيجة الفيضانات، ومقارنة ذلك بحجم الفيضان، فسنجد أن عددًا أقل من الناس يموتون في كل فيضان مع مرور الوقت، في معظم مناطق العالم".

وضربت مثالًا على ذلك بدولة بنجلاديش، حيث كانت الأعاصير الكبيرة تحصد أرواح آلاف الأشخاص في كل مرة، ولكن بعد قيام الدولة الآسيوية بتطوير منظومة الإنذار المبكر، واعتماد خطط إجلاء متطورة وفعالة، لم تعد تعاني من خسائر كبيرة في الأرواح مع حدوث الفيضانات الكبيرة.

وتابعت: لسوء الحظ، لا نرى استثماراتٍ كافيةً للتكيف مع الفيضانات وأنظمة الإنذار المبكر، في أفريقيا جنوب الصحراء، ويرجع ذلك غالبًا إلى الميزانيات المنخفضة أو نتيجة الإرث الاستعماري، وهو ما يعني أن الخسائر في الأرواح مع كل فيضان لا تزال كبيرة جدًّا؛ فعلى سبيل المثال، نجد أن إعصار إيداي، الذي ضرب موزمبيق وملاوي وزيمبابوي في عام 2019، حصد أرواح أكثر من 1300 شخص، بينما أدت الفيضانات التي حدثت في ألمانيا الشهر الماضي إلى مصرع 177 شخصًا فقط.

تهديدات عالمية

من جهته، اعتبر هشام العسكري -أستاذ علوم نظم الأرض والاستشعار عن بُعد، ومدير برامج الدراسات العليا في كلية شميد للعلوم والتكنولوجيا بجامعة تشابمان- أنه رغم أن هذه النتائج كانت متوقعةً على نطاق واسع، إلا أنها بمنزلة جرس إنذار جديد للتحذير من تداعيات التغيرات المناخية، كواحدة من أكبر التهديدات العالمية، وهذا أحد الأمور التي طالما حذر خبراء المناخ منها.

يقول "العسكري" في تصريحات لـ"للعلم": هناك خلط لدى البعض عند الحديث عن الفرق بين الطقس والمناخ، وافتقارنا إلى القدرة على التنبؤ بالطقس على المدى القصير لا يعني بالضرورة أنه لا يمكننا وضع توقعات ذات مصداقية عن حالة المناخ خلال العقود القليلة المقبلة.

وتبرز تهديدات التغيرات المناخية على المستوى العالمي، من خلال الأحداث المتطرفة التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم، وتتمثل في موجات البرد الشديد، أو ارتفاع درجات الحرارة إلى معدلات غير مسبوقة، وكذلك موجات الجفاف التي تضرب مناطق من العالم، في الوقت الذي تشهد فيه مناطق أخرى -وربما المناطق نفسها في أوقات سابقة- فيضانات جارفة.

حرارة المحيطات أكبر التحديات

لكن "العسكري" يؤكد أن "الأمر المثير هنا أنه في الوقت الذي تسجل فيه مناطق من العالم موجات برد شديدة، أو هطول أمطار غزيرة، نجد أن متوسط درجة حرارة الكوكب يواصل الارتفاع، باتجاه مزيد من الاحترار العالمي".

وأوضح أن الارتفاع في درجات الحرارة يتوزع على مجالات الأرض المختلفة، مثل الغلاف الجوي، والغلاف المائي، والمحيط الحيوي، ونجد هنا أن المحيطات وحدها تستحوذ على 93% من ذلك الارتفاع، وهو ما يؤدي إلى حدوث ما نراه من أحداث مناخية متطرفة، ومنها الأعاصير والفيضانات المدمرة، وتدهور التنوع البيولوجي، واختلاف مناطق المياه الدافئة والباردة في المحيطات، مما يسبب ظواهر «النينو» و«النينا»، التي عادةً ما تخلِّف أضرارًا كبيرةً وراءها.

مصر في دائرة الخطر

وردًّا على سؤال عما إذا كانت مصر، أو دول أخرى بمنطقة الشرق الأوسط، قد تكون ضمن قائمة الدول المهددة بأخطار الفيضانات في المستقبل القريب، أجاب "العسكري": مصر تقع ضمن المنطقة الاستوائية، وبالتالي يمكن أن تتعرض -في بعض الأوقات- لموجات برودة شديدة وفترات من الصقيع، مشيرًا إلى أن مصر سبق أن شهدت إعصارًا ضرب عدة دول في حوض البحر المتوسط في عام 2019، وهو الإعصار "ميديكين"، الذي تعامل معه البعض بطريقة ساخرة، بعيدة تمامًا عن أيٍّ من الطرق العلمية المتبعة.

وأضاف أن "ارتفاع مستوى سطح البحر يُعد أحد أهم التأثيرات الناجمة عن التغيرات المناخية، مما يمثل تهديدًا بالغًا للمناطق الساحلية ومناطق الدلتا المنخفضة، ومنها دلتا نهر النيل في مصر، كما أن مدينة الإسكندرية تأتي كواحدة من ضمن 5 مدن في العالم على رأس قائمة المدن التي قد تعاني لفترات طويلة، نتيجة التداعيات الناجمة عن تغيُّر المناخ".

ولفت "العسكري" إلى أن العلماء بدأوا، خلال الفترة الأخيرة، يتحدثون عن حقبة جديدة على كوكب الأرض، أُطلق عليها اسم "الأنثروبوسين"، وهي حقبة مقترحة يعود تاريخها إلى بداية التأثير البشري الكبير على جيولوجيا الأرض والنظم الإيكولوجية.

وأضاف: قبل بضع سنوات، ناقش القائمون على تلك الحقبة المقترحة سيناريو ارتفاع درجات الحرارة لكوكب الأرض، نتيجة تأثيرات من صنع الإنسان، بمقدار 1.5 درجة بحلول عام 2030، وإذا حدث ذلك بالفعل، فإننا سنقترب من زيادة بمقدار 3 درجات بحلول عام 2100، وهذه نتيجة كارثية من حيث حجم الضرر الناجم عنها، ومدى تأثيراتها، ومعدلات تكرارها.