يُعَد تلوث الهواء إحدى أخطر المشكلات التي تهدد الصحة العامة في مصر، ما يتطلب اتباع أساليب جديدة في رصد نوعية الهواء، وفق دراسة أجراها فريق من الباحثين، ضم باحثين مصريين، وبتمويل من "الهيئة الأوروبية للعلوم والتكنولوجيا".

أظهرت نتائج الدراسة أن تلوث الهواء يُعد إحدى أخطر المشكلات البيئية في منطقة الدلتا بمصر على مدار العقود القليلة الماضية، بسبب عدم التخطيط ووجود الصناعات الملوثة للهواء وسط المناطق السكنية، وإنتاج الطاقة الذي أسهم في التلوث المفرط للهواء بالغازات والجزيئات والهباء الجوي، بمستويات تتجاوز غالبًا إرشادات منظمة الصحة العالمية.

يقول هشام العسكري -أستاذ الاستشعار عن بعد وعلوم نظم الأرض بجامعة "تشابمان" الأمريكية، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة اهتمت ببحث تركيبات مختلفة من شحنات الهباء الجوي (إيروسولات) خلال مدة امتدت قرابة 20 عامًا (1999 إلى 2018)، وغطت منطقة القاهرة ودلتا النيل الكبرى". وهي المناطق التي يحدها البحر المتوسط شمالًا، والصحراء الغربية غربًا، والصحراء الشرقية وسيناء شرقًا، ووادي النيل جنوبًا، وتبلغ مساحتها حوالي 35 ألف كيلومتر مربع، وتشمل مدنًا حضرية كبرى مثل القاهرة والإسكندرية وطنطا، وتستوعب حوالي 55٪ من السكان، وتعتمد على الزراعة كنشاط رئيسي.

أُجريت الدراسة بالتعاون مع جهاز شؤون البيئة المصري، الذي وفر لفريق العمل البيانات الخاصة بأنواع الملوثات التي تشهدها مناطق "القاهرة الكبرى" و"دلتا النيل الكبرى" طوال الفترة التي استهدفها فريق البحث، وجرى نشرها على منصة "معهد النشر الرقمي متعدد التخصصات" (MDPI)، وهي عبارة عن منصة إلكترونية تنشر أكثر من 120 دورية علمية متنوعة، وهي دوريات مفتوحة المصدر تجري إدارتها من خلال المعهد الذي يقع في مدينة "بازل" السويسرية.

تغطي الدراسة منطقة دلتا النيل ومنها مدنا رئيسية مثل القاهرة والإسكندرية وبورسعيد وطنطا. credit:Hesham Elaskary

اعتمدت الدراسة على البيانات المستمدة من القمر الاصطناعي "تيرا" (Terra)، الذي أطلقته وكالة الفضاء والطيران الأمريكية "ناسا" عام 1999، ويحمل خمسة أجهزة لمراقبة الغلاف الجوي للأرض والمحيطات والأرض والثلج والجليد، ورصد كيفية عمل نظام الأرض والتغيرات التي يتعرض لها "الكوكب الأزرق".

كما اعتمد الباحثون على البيانات المستمدة من القمر الاصطناعي "أكوا" (Aqua)، الذي أطلقته "ناسا" في 4 مايو عام 2002، لدراسة دورة المياه على الأرض، وتدفقات الطاقة الإشعاعية، والهباء الجوي، وغطاء الغطاء النباتي على الأرض، والعوالق النباتية والمواد العضوية الذائبة في المحيطات، ودرجات حرارة الهواء والأرض والمياه، إضافةً إلى البيانات المستمدة من مشروع (AERONET)، الذي يستهدف قياس الهباء الجوي.

القاهرة صاحبة الهواء الأسوأ

فيما يتعلق بتركيز المواد الجزيئية، شهدت القاهرة في عام 2007 ما جرى وصفه بأنه "الهواء الأسوأ في العالم"؛ إذ تم تسجيل حوادث تلوُّث هواء متكررة في القاهرة، في حين يعاني أكثر من 20 مليون من سكان القاهرة والدلتا من المخاطر الصحية التي تصيب الرئتين بشدة؛ بسبب الغبار والسناج والجسيمات العالقة، وفق نتائج الدراسة، التي أوضحت أن "القاهرة تقع عند قمة دلتا النيل، التي تحدها تلال المقطم والارتفاعات الغربية. وخلال فصل الربيع، تنتج تلال المقطم تجمعات كبيرة من الرمال المحمولة جوًّا بفضل العواصف الترابية الطبيعية التي تؤدي دورًا في مستوى الهباء في الجو، وخاصةً في فترة هبوب رياح الخماسين".

وتتشكل أبرز أنواع ملوثات الهواء في مصر من رماد الفحم والغبار المعدني، إلى جانب غازات ثاني أكسيد النيتروجين (NO2)، وأول أكسيد الكربون (CO)، وثاني أكسيد الكبريت (SO2)، بالإضافة إلى الجسيمات العالقة (SPM)، والرصاص (Pb)، والأوزون (O3).

تكون هذه المستويات من الغبار والجسيمات الدقيقة والسناج (دقائق من الكربون تتخلَّف عن النقص الحاصل في عمليات حرق الوَقود) أكثر ظهورًا في مصر، مقارنةً بتلك الموجودة في البلدان الصناعية؛ بسبب الصناعات الملوثة للبيئة، وحركة المرور داخل وسط القاهرة والمناطق المحيطة بها، التي تنبعث منها الجسيمات بلا انقطاع على مدار العام.

يقول "العسكري": استخدمت الدراسة تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات الأرصاد الجوية الأخرى للتنبؤ بالملاحظات الأرضية، من خلال دمج عمليات رصد الأرض عن بُعد، وحصر بيانات وتقدير قيم جسيمات PM10، وهى جسيمات يبلغ قطرها 10 ميكرومترات أو أقلّ من ذلك، ويمكنها النفاذ إلى الرئتين ودخول مجرى الدم، مضيفًا أنه عن طريق استخدام طرق مختلفة من القياس نستطيع الوصول إلى أفضل القيم المتوقعة لحدوث الهباء الجوي، الذي يشكل خطرًا كبيرًا على صحة الإنسان في المناطق الحضرية.

وتشير تقديرات "منظمة الصحة العالمية" إلى أنّ نحو مليوني شخص حول العالم يقضون نحبهم سنويًّا نتيجة استنشاق جسيمات صغيرة موجودة في الهواء الداخلي والخارجي، وأنّ جسيمات مثل PM10 تتسبب في أمراض القلب وسرطان الرئة والربو، وأنواع العدوى الحادة التي تصيب الجهاز التنفسي السفلي.

وقد حدّدت مبادئ منظمة الصحة العالمية التوجيهية الخاصة بنوعية الهواء المتوسط السنوي الذي لا ينبغي تجاوزه فيما يخص تلك الجسيمات، بحيث يبلغ 20 ميكروجرامًا/م3، ولكنّ بيانات المنظمة تبيّن أنّ ذلك المتوسط بلغ في بعض المدن 300 ميكروجرام/م3.

توضح نتائج الدراسة أن "دخان النفايات الزراعية أسهم في تلوُّث الهواء في المناطق الحضرية، إضافةً إلى ارتفاع مستويات غاز الأوزون خلال فصل الصيف بفعل العوامل المناخية، في حين تزداد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون نتيجة التلوث الصناعي".

يقول "العسكري": يجب أن نهتم بمراقبة جودة الهواء في المناطق الحضرية في ظل التأثيرات الخطرة الأخرى للهباء الجوي على الرؤية، وعمليات التوازن الغذائي، وحموضة التربة.

مخاطر صحية

تدق الدراسة ناقوس خطر، محذرةً من أن "الملوثات تزيد من تركيز الأشعة فوق البنفسجية، التي يسبب التعرض الطويل لها مشكلات خطيرة على الصحة العامة؛ إذ يؤدي إلى إعتام عدسة العين (تكون الرؤية لدى المصابين بها من خلال العدسات الغائمة أشبه إلى حدٍّ ما بالنظر من نافذة متجمدة أو ضبابية)، كما يؤدي إلى حدوث ما بين 65٪ إلى 90٪ من حالات الإصابة بسرطان الجلد، وتؤثر الأشعة فوق البنفسجية أيضًا على مستويات فيتامين "د"، الذي جرى الإبلاغ عنه كعامل وقائي ضد سرطان القولون والمستقيم "Colorectal cancer".

وتزداد حدة مخاطر هذا النوع من التلوث بالنسبة للأجنة؛ إذ أكدت دراسة سابقة نشرتها دورية "أمريكان كوليدج أوف كارديولوجي" (American College of Cardiology) أوائل سبتمبر 2019 أن الأمهات اللاتي يعشن في بيئة تسمح لهن بالسير وسط المساحات الخضراء خلال فترة الحمل، يكون معدل ضغط الدم لدى أطفالهن طبيعيًّا، على النقيض من ذلك فإن أطفال الأمهات اللاتي يعشن في بيئة لا تساعدهن على السير وسط مساحات بيئية غير صحية يكون أطفالهن أكثر عرضةً للإصابة بمعدل ضغط دم مرتفع عند الكبر.

وأشارت دراسة نشرتها دورية "أمريكان إيكونوميك جورنال" (American Economic Journal) إلى أن التعرُّض لمستويات مرتفعة من تلوث الهواء على مدى عدة أسابيع يقلل من إنتاجية الموظفين، موضحةً أن "زيادة جسيمات PM2.5، التي يبلغ قطرها أقل من 2.5 ميكرومتر، بمقدار 10 ميكروجرامات/ متر مكعب على مدى 25 يومًا تقلل الإنتاج اليومي بنسبة 1٪، مما يضر بالشركات والعمال، وأن دخول هذه الملوثات إلى الرئتين ومجرى الدم يؤثر سلبًا على الحالة النفسية للعامل، وبالتالي على معدلاته الإنتاجية".

السحابة السوداء

يشدد مصطفى مراد -رئيس قطاع نوعية الهواء بوزارة البيئة المصرية، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم" على أن استخدام آليات الاستشعار عن بُعد ودراسات علم الأرض لقياس معدلات التلوُّث يساعدان على تغطية أماكن كان يصعب الوصول إليها بالوسائل العادية.

يقول "مراد": مصر لديها أكبر شبكة رصد لتلوُّث الهواء في الشرق الأوسط وأفريقيا، ولكنها تغطي مساحات معينة؛ لأن هناك مساحات وأماكن يصعب فيها الرصد، بسبب الطبيعة الجغرافية أو عدم وجود الكهرباء، وهذه الآليات الجديدة ستساعد في توسيع نطاق بحث مؤشرات التلوث.

وأضاف أنه من المنتظر تطبيق هذه المعايير الجديدة في دراساتنا المستقبلية حول السحابة السوداء، التي تعانى منها القاهرة خلال التوقيت الحالي من كل عام نتيجة حرق المخلفات الزراعية.

تعد دراسة العلاقات المتبادلة بين ملوِّثات الهواء (الأيروسولات العالقة في الجو) وتغيرات المناخ هي علاقة معقدة للغاية، لكنها مهمة؛ لأنها تربط بين توزيعات الأيروسولات وتركيبها وكمية الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى سطح الكرة الأرضية credit:Hesham Elaskary

من جهته، يرى إبراهيم عبد الجليل -الرئيس الأسبق لجهاز شؤون البيئة- أن الدراسة تقدم طرقًا جديدة للتعرُّف على نمط انتشار ملوثات الهواء ومكوناتها في منطقة دلتا نهر النيل، وهي منطقة زراعية في الأساس وضمن المناطق الأكثر عرضةً في العالم للتأثيرات المحتملة لتغير المناخ العالمي، وخاصةً فيما يتعلق بتداعيات ارتفاع منسوب سطح البحر، وفق قوله.

يضيف "عبد الجليل" أن "دراسة العلاقات المتبادلة بين ملوِّثات الهواء (الأيروسولات العالقة في الجو) وتغيرات المناخ هي علاقة معقدة للغاية، لكنها مهمة؛ لأنها تربط بين توزيعات الأيروسولات وتركيبها وكمية الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى سطح الكرة الأرضية، كما أن أي زيادة محتملة لدرجات الحرارة نتيجة تغيُّرات المناخ قد تؤدي الي زيادة تركيزات الجسيمات العالقة PM2.5".

وبالرغم من أن "عبد الجليل" يعتقد أن مثل تلك الدراسات لا تزال تشوبها نسب عالية من عدم اليقين العلمي، فإنه يرى أن أهميتها تكمن في استخدامها لنظم الاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي؛ لدراسة نمط توزيع ملوثات الهواء وانتشارها، والعوامل الطبيعية والبشرية التي تسهم في هذه التوزيعات، مشددًا على أن "هناك ملوثات أخرى تحتاج إلى التركيز عليها ولم يتناولها البحث، وهى موجودة في هواء القاهرة، مثل عشرات الملوثات الكيميائية السامة الأخرى التي لا يتم قياسها بانتظام، مثل الدايوكسين والبنزين"، على حد وصفه.

بدوره، يقول ياسر حسن -رئيس قسم نوعية الهواء بالمركز القومي للبحوث- في تصريحات لـ"للعلم": "إن البحث قدم فكرًا مختلفًا في تقييم معدلات التلوث على مدى 20 عامًا، وإن تعميم تلك النتائج يمكن أن يتم دون اللجوء إلى إنشاء محطات أرضية لرصد الملوثات، التي تعتبر الأعلى تكلفةً في عمليات التشغيل والصيانة. وتوقع "حسن" أنه "مع التوسع الجغرافي، سيكون للدراسة أثرٌ كبير في المستقبل فيما يخص عمليات التصوير والرصد، وبالتالي الحصول على قاعدة بيانات دقيقة على المدى البعيد".