في الوقت الذي يعاني فيه كوكب الأرض بسبب اندثار العديد من أنواع الكائنات الحية، وفي ضوء تنامي الحركات الداعية إلى الحفاظ على النظم البيئية للكوكب، ظهرت الدعوات الرامية إلى تحقيق أهداف طموحة للغاية، أبرزها الدعوة إلى حفظ 50% من سطح الكوكب من أجل الطبيعة، إضافةً إلى دعوات أخرى مماثلة، جذبت انتباه الكثيرين من دعاة حماية البيئة وصانعي السياسات.

وفي المقابل، ظهرت بعض المحاولات الضئيلة التي سعت لتقييم الآثار الاجتماعية والاقتصادية لمثل هذه الدعوات على سكان الأرض، ما دفع فريقًا من الباحثين البريطانيين لإجراء أول محاولة لتقييم عدد البشر الذين قد يتأثرون إذا ما تم "حفظ نصف الكوكب" بطريقة تضمن تنوُّع الموائل الطبيعية.

اعتمد الباحثون، في الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر سستينابيليتي" (Nature Sustainability)، على تحليل مجموعات من البيانات، تم جمعها من مختلف أنحاء العالم، من أجل تحديد المناطق التي يمكن إضافتها إلى "مظلة الحفظ"؛ حتى يمكن الوصول إلى حماية نسبة 50% من المناطق البيئية التي تحتوي على موائل فريدة، مثل غابات "المانجروف" في وسط أفريقيا، وغابات البلطيق المختلطة.

وتوصل الباحثون إلى أنه حتى مع تجنُّب المناطق التي تحمل "آثار أقدام الإنسان"، مثل المدن والأراضي الزراعية، فإن الحد الأدنى للتقديرات بشأن عدد مَن سيتأثرون بنظرية "نصف الأرض"، ربما يكون أكثر من مليار شخص، غالبيتهم تعيش في بلدان متوسطة الدخل.

كما أن العديد من الدول الغنية والمكتظة بالسكان في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، ستحتاج أيضًا إلى وضع مساحات شاسعة من الأراضي تحت مظلة الحفظ؛ للوصول إلى نسبة 50%، وقد يشمل ذلك أجزاءً من "لندن" على سبيل المثال.

تشير الدراسة إلى أنه "على الرغم من الحاجة الماسة إلى إجراءات شجاعة وجذرية لتحسين مستقبل الحياة على الأرض، فإن قضايا العدالة البيئية ورفاهية البشرية يجب أن تكون في مقدمة أولويات حركة حماية البيئة".

وقد حظيت فكرة تحويل "نصف الأرض" إلى محميات من أجل الطبيعة، بانتشار واسع في عام 2017، بعد أن عمل على الترويج لها عالِم الأحياء الأمريكي الشهير إدوارد ويلسون، وفي الآونة الأخيرة، تم اعتماد صفقة عالمية من أجل الطبيعة من قِبَل عدد من المنظمات البيئية الرائدة بهدف حفظ 30% من الأرض بحلول عام 2030، وصولًا إلى نسبة 50% بحلول 2050، إلا أن هذه المقترحات ما زال الغموض يكتنفها بشأن "الأنماط والمواقع على وجه التحديد".

ووفق نتائج التحليلات التي اعتمدت عليها الدراسة، يقدر الباحثون أن نحو 760 مليون شخص إضافي، على الأقل، سيجدون أنفسهم يعيشون وسط مناطق تخضع لاعتبارات جديدة للحفظ تمس حياتهم، بزيادة تقارب أربعة أضعاف حوالي 247 مليون شخص يقيمون حاليًّا داخل المناطق المحمية، ولذلك فقد دعا الباحثون كلًّا من مؤيدي فكرة "نصف الأرض" ودعاة الحفاظ على النظم البيئية، إلى "الاعتراف جديًّا" بطبيعة الآثار الإنسانية لمقترحاتهم، سواء كانت سلبيةً أو إيجابية.

تقول "جوديث شلايشر" -التي قادت فريق إعداد الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن البشر هم سبب أزمة انقراض الكائنات، ولكنهم هم أيضًا الحل، ويجب أن تؤدي القضايا الاجتماعية دورًا أكبر إذا ما أردنا تقديم نظام حماية فعال، يحقق مصالح الطرفين، وهما المحيط الحيوي والناس الذين يعيشون فيه".

تضيف "شلايشر"، من داخل "معهد بحوث الحفظ" التابع لجامعة كامبريدج، وقسم الجغرافيا بالجامعة، أن "قادة معظم الدول يسعون إلى الاتفاق على مجموعة من الأهداف العالمية بشأن مستقبل الحفاظ على الطبيعة في مؤتمر اتفاقية التنوع البيولوجي، المقرر عَقده في العاصمة الصينية بكين قبل نهاية العام المقبل، والأهداف التي تنبثق عن مؤتمر التنوع البيولوجي يمكن أن تحدد مستقبل الحفاظ على الطبيعة لمدة جيل كامل، إننا بحاجة إلى أن نكون طموحين عند التصدي لمختلِف الأزمات البيئية، وعلينا في الوقت ذاته أن نأخذ بعين الاعتبار الآثار الاجتماعية والاقتصادية على المستويات المحلية؛ إذ إن حياة الكثيرين من الناس، والحفاظ على تنوُّع الكائنات الحية، بمنزلة كفتي ميزان".

ووفق فريق الدراسة، فإنه في الوقت الذي تتزايد فيه مناطق الحفظ، تستمر أعداد الأنواع في الانخفاض، مما يشير إلى وجود "انفصال" بين الأهداف الدولية والخطط التنفيذية على الصعيدين المحلي والإقليمي.

يقول "كريس ساندبروك"، الأستاذ بقسم الجغرافيا في جامعة كامبريدج، والمشارك في الدراسة: "إن عملية الحفظ تلك تتطلب إجراءات قوية لحماية الحياة على الأرض، ولكن يجب عمل ذلك بطريقة تأخذ في اعتبارها البشر واحتياجاتهم المعيشية؛ إذ إن عدم مراعاة القضايا الاجتماعية سوف يؤدي إلى سياسة حفظ تسبب إضرارًا برفاهية السكان، وبالتالي تقل فرصة تطبيقها في أول موقع".

ولا تمثل خطط حفظ النظم البيئية مشكلةً بالنسبة لسكان النصف الجنوبي من الكوكب، في الوقت الذي أظهرت فيه تقارير حديثة عن الحياة البرية في المملكة المتحدة تراجعًا ملحوظًا في بعض الأنواع الفريدة، ومع ذلك فقد كشفت الدراسة أن تحقيق هدف حفظ 50% من المسطح الإيكولوجي قد يؤدي إلى إعلان أجزاء من وسط لندن كمحميات طبيعية.