لا يكتفي فيروس كورونا بمهاجمة الرئة فحسب؛ إذ وجد العلماء أنه قادر على إصابة أعضاء وأجهزة أخرى في جسم الإنسان، وتبيَّن أنه يستطيع إصابة خلايا الدماغ والأمعاء، وارتبط مرض كوفيد-19 الناجم عن الإصابة به بمجموعة من اضطرابات الجهاز العصبي الطرفي والمركزي (CNS)، كما أن الاستجابة المناعية الناتجة عنه تؤدي إلى أعراض متنوعة ومتباينة.

وأظهرت نتائج دراسة أمريكية حديثة نُشرت في دورية جاما نيورلوجي JAMA Neurology شيوع التورط العصبي Neurologic Involvement -أي ظهور أعراض عصبية- لدى الأطفال والمراهقين من مرضى كوفيد-19 ومرضى متلازمة الالتهاب متعدد الأنظمة عند الأطفال (MIS-C).

تقول كيري لاروفيري، أستاذ مساعد في علم الأعصاب بكلية الطب، جامعة هارفارد، والباحثة الأولى في الدراسة: تنوعت الأعراض العصبية التي عانى منها المرضى قيد الدراسة، ولاحظ الفريق البحثي أنها تختلف باختلاف العمر، موضحةً: "عانى الأطفال الأصغر من 5 سنوات من نوبات عصبية أو حالات صرع أكثر من غيرهم، بينما رصدنا فقدان حاستي الشم والذوق بشكل أكثر شيوعًا لدى الأطفال الأكبر سنًّا والمراهقين، ولكن قد يكون ذلك بسبب عدم قدرة الأطفال الأصغر سنًّا على التعرف على هذه الأعراض"، لم تقتصر الأعراض على ذلك؛ إذ شملت الاجهاد والصداع والتهاب الأعصاب، كما عانت حالة من كل أربع حالات من ارتباك وتغيير في درجة الوعي.

أراد الفريق البحثي تحديد مدى شدة الأعراض العصبية وانتشارها بين الأطفال والمراهقين المصابين بكوفيد-19، درس الباحثون 1695 حالة مرضية من سجل الصحة العامة في 61 مستشفى في الولايات المتحدة.

كان عمر الأشخاص المسجلين في الدراسة أقل من 21 عامًا، وتم نقلهم إلى المستشفى في الفترة ما بين 15 مارس 2020 و15 ديسمبر 2020، من جَرَّاء الإصابة بمرض كوفيد-19 أو متلازمة الالتهاب متعدد الأنظمة (MIS-C)، وهي حالة خطيرة، تصاب فيها عدة أعضاء من الجسم بالالتهاب في آنٍ واحد، تتضمن أعضاء القلب والرئتين والكلى والدماغ والجلد والعينين أو أعضاء الجهاز الهضمي، ويبدو أنها مرتبطة بمرض كوفيد-19.

من ضمن الحالات المرضية التي تمت دراستها كان 365 (22٪) لديهم تورط عصبي، أصيب منهم 43 مريضًا باضطرابات عصبية مهددة للحياة مرتبطة بكوفيد-19، وتوفي من بينهم 11 مريضًا .

كوفيد-19 والجهاز العصبي

لا تزال العلاقة بين فيروس كورونا المُستجد والجهاز العصبي يحيطها الغموض، ويرجح الباحثون عدة آليات محتملة لتفسير هذه العلاقة، خاصةً مع وجود طيف واسع من التداخلات فيما بينهما، تقول "لاروفيري": "من الممكن أن يكون التورط العصبي لدى مرضى كوفيد-19 راجعًا إلى غزو الفيروس للخلايا العصبية بشكل مباشر أو من خلال دخول الخلايا عن طريق الإنزيم المحول للأنجيوتنسين ACE أو السَّبيل الشَّمِّيّ".

يُعتبر مُستقبل الإنزيم المحول للأنجيوتنسين هو بوابة دخول فيروسات الكورونا إلى الخلايا البشرية؛ إذ يتعرف هذا النوع من الفيروسات على هذا المُستقبِل أولًا ويرتبط به مُحدثًا تآلفًا كيميائيًّا، مما يسمح بدخول الفيروس واستيطانه الخلية.

والسَّبيلُ الشَّمِّيُّ هو مجموعة من الألياف العصبية المسؤولة عن حاسة الشم. 

كما تُرجع "لاروفيري" التورط العصبي إلى عدة أسباب، منها التهابات نتيجة الاستجابة الخلوية المناعية المبالغ فيها، مما يؤدي إلى انهيار الحاجز الدموي الدماغي (BBB) والسماح بمرور الفيروس إلى المخ، أو حدوث خلل في التنظيم المناعي بعد العدوى، أو التعرض لإصابة ثانوية ناتجة عن مضاعفات الالتهاب الجهازي، أو فشل عضو آخر غير عصبي.

يعتبر الحاجز الدموي الدماغي إحدى وسائل حماية الدماغ في جسم الإنسان، وهو حاجز يسمح بمرور المُغذيات الأساسية ويمنع وصول المواد الكيميائية الضارة والميكروبات من الدم إلى المخ.

متلازمة الالتهاب متعدد الأنظمة

خلصت الدراسة إلى أن معظم الأعراض كانت مؤقتة، ونادرًا ما كانت مهددة للحياة، يرى سامح عبد العظيم -أخصائي طب الأطفال وحديثي الولادة- أن معدل إصابات كوفيد-19 بين الأطفال لا يزال منخفضًا حتى الآن، وأن "غالبية الأطفال الذين تعرضوا للإصابة بالفيروس كانت أعراضهم بسيطة، ومن غير الشائع إصابة الأطفال بأعراض خطيرة بسببه، وما زلنا نعتقد أن الأطفال مقاوِمون للفيروس بشكل أو بآخر".

يتفق لورانس شتاينمان -أستاذ طب الأعصاب والعلوم العصبية وطب الأطفال في مركز بيكمان للطب الجزيئي بجامعة ستانفورد- مع "عبد العظيم"، موضحًا أن إصابات كوفيد-19 أقل شيوعًا بين الأطفال أصغر من 10 سنوات، ويقول: "الأطفال الذين يصابون بكوفيد-19 غالبًا ما يعانون من عوامل الخطر الكامنة، مثل الأمراض المزمنة وخاصةً السمنة".

تُشير الدراسة إلى أن الأطفال الذين تتفاقم حالتهم يصابون بمتلازمة الالتهاب متعدد الأنظمة (MIS-C)، إذ إن بعض الأعضاء والأنسجة لديهم تصاب بالتهاب شديد، مثل القلب أو الرئتين أو الأوعية الدموية أو الكلى أو الجهاز الهضمي أو الدماغ أو الجلد أو العينين. 

لا تعتبر مُتلازمة (MIS-C) مرضًا بحد ذاتها، ولكنها مجموعة من العلامات والأعراض، ويقول "شتاينمان": "مُتلازمة (MIS-C) نادرة الحدوث، ومضاعفاتها لا تحدث سوى لدى رُبع الحالات المرضية".

يضيف "شتاينمان": "من بين الأطفال الذين يعانون من متلازمة (MIS-C)، عانى حوالي 22٪ من اضطرابات عصبية سابقة، تتضمن النوبات العصبية، والاضطرابات العصبية العضلية والتوحد وتأخر النمو، بينما لم يكن هناك أي تاريخ من المشكلات العصبية لدى غالبية الأطفال الذين عانوا من المضاعفات العصبية نتيجة الإصابة بمُتلازمة (MIS-C)".

المضاعفات العصبية لدى الأطفال تضمنت الإصابة بالمُتلازمة المعروفة باسم متلازمة "غيَلان باريه"، التي يهاجم فيها الجهاز المناعي الأعصاب مسببًا إزالة طبقة الميالين، وذلك في الجهاز العصبي المركزي والجهاز العصبي الطرفي، كما تشمل المضاعفات الوذمة الدماغية، وهي تورم يحدث نتيجة زيادة في السائل الدماغي، وقد تصل المضاعفات إلى سكتة دماغية.

الجدير بالذكر أن دراسات سابقة رصدت حالات ارتباط متلازمة "غيَلان باريه" بكوفيد-19 سواء عند الأطفال أو الكبار، وأفادت دراسة أوروبية منشورة في دورية "Neuromuscular" أغسطس الماضي بأن ثلث الحالات التي تمت دراستها أُصيبت بفشل تنفسي، وأن 40% من الحالات تطلبت رعايةً مركزة. 

مُتابعة مُستقبلية

أفاد "شتاينمان" أن الأساس الجزيئي وراء ندرة تأثر الأطفال بمرض كوفيد-19 مقارنةً بالبالغين هو أمرٌ يحظى باهتمام الباحثين، وأن مقاومة الأطفال لكوفيد-19 قيد التحقيق.

ويعتقد "عبد العظيم" أن الأطفال الذين شملتهم الدراسة قد يكونون مصابين بأمراض في الجهاز العصبي بالفعل، وتأثروا نتيجةً للعدوى، كما أن التأثير على الجهاز العصبي قد يكون نتيجةً لرد فعل مناعي للجسم أو ناتجًا عن تغيرات في الدم وسرعة التجلط، كما أشار إلى اقتصار عينة الدراسة على الولايات المتحدة الأمريكية، ويقول: "لاحظنا تباينًا شديدًا في شدة الإصابات ومعدلاتها في مختلِف دول العالم، وقد يكون هناك تأثير للاختلاف في البنية المناعية للأعراق المختلفة على رد فعل الجسم للفيروس، الأمر الذي يتطلب دراسات مماثلة في مناطق مختلفة ومتعددة من العالم".

قد توفر الدراسات المستقبلية حول الاستجابة المناعية الخلوية لمرض كوفيد-19 لدى الشباب نظرةً ثاقبةً حول سبب الأعراض العصبية، وربما تكون هناك حاجة إلى متابعة طويلة الأمد للأطفال المصابين بتورط عصبي مرتبط بـكوفيد-19، تقول تينا بوسان، مدير التصوير العصبي بمستشفى بوسطن للأطفال، والباحث المشارك في الدراسة: "هناك حاجة إلى متابعة طويلة الأمد للأطفال المصابين بتورط عصبي مرتبط بـكوفيد-19، وذلك لتقييم أي تأثير على الإدراك والتنمية".

يتفق "عبد العظيم" مع ذلك، ويوضح: "قد تظهر تأثيراتٌ بعيدة المدى بسبب عدم اكتمال تطور الجهاز العصبي في فترة الطفولة".

تُلقي الدراسة الضوء على نقطة شديدة الأهمية، تتعلق بأن الأطفال والمراهقين الأصحاء يمكن أن يصابوا بمضاعفات عصبية من جَرَّاء الإصابة بكوفيد-19، وأن الأمر غير مُقتصر على البالغين، تُشير "بوسان" إلى ضرورة أن يكون الأطباء على دراية بذلك الاحتمال لدى أي مريض يعاني من مجموعة واسعة من الأعراض العصبية أو حالات عصبية شديدة بعد الإصابة بكوفيد-19، وتُؤكد أهمية تقليل فرص العدوى بالفيروس حتى للأطفال؛ لأن النطاق الكامل للمضاعفات العصبية وتوابعها على المدى الطويل لا يزال غير معروف.