لم يكن غريبًا أن تصور الحضارة الإغريقية القديمة "هيبينوس" -الذي لقبته بـ"إله النوم"- في صورة "شاب عطوف محب للبشر، يخفف شعورهم بالتوتر والقلق".

ولم يكن عجيبًا أن يقولوا عن النوم قديمًا إنه "سلطان"، لكن أجنحة العلم التي لا تتوقف عن التحليق تثبت يومًا بعد يوم أنه أقوى من أي سلطان مر على تاريخ البشرية.

وفي السياق، كشفت سلسلة من التقارير التي نشرتها مجلة "للعلم" أن النوم يؤدي دورًا بارزًا في تنظيم إيقاع "الساعة البيولوجية للجسم"، وأن تنظيم إيقاع النوم يساعد الخلايا العصبية على تجديد نشاطها واستعادة حيويتها، وإعادة ضبط الحالة المزاجية للأشخاص".

ويشير تقرير، أعدته الزميلة "هبة حسين" تحت عنوان "اضطرابات النوم تزيد احتمالات الإصابة بأمراض القلب"، إلى أن "اضطراب نمط النوم يرفع معدل الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية إلى الضِّعف، وأنه من بين كل 1000 شخص منتظم في نومه، يصاب ثمانية بمشكلة في القلب كل عام، مقابل 20 شخصًا من كل 1000 ممن تضطرب لديهم أنماط النوم".

وتنقل "حسين" عن الباحث الرئيسي في الدراسة "تيانيي هوانج" قوله: إن العوامل الوراثية ليست وحدها التي تؤثر في الأجناس المختلفة، فقد أظهرت الدراسة أن الأمريكيين السود أكثر عُرضةً للأثر السلبي لارتباك النوم على صحة القلب والأوعية الدموية، ويرجع ذلك جزئيًّا الى أن هذه الفئة هي الأكثر اضطرابًا في أنماط النوم، مقارنةً بالأمريكيين البيض مثلًا.

وتوصي الدراسة باتباع جدول نوم منتظم يوميًّا، وتقليل الفارق في موعد النوم بين أيام العمل والعطلة الأسبوعية. كما تنصح بتجنُّب السلوكيات التي من شأنها إحداث اضطراب في تثبيت جدول النوم، مثل مشاهدة التلفاز أو استخدام التليفون المحمول في الفراش قبل الإخلاد إلى النوم.

من جهتها، شددت الزميلة "دينا درويش" في تقرير حمل عنوان "مَطالب برسم خريطة دقيقة لحياتنا الرقمية" على ضرورة الالتزام بـ"المبادئ التوجيهية" التي وضعتها منظمة الصحة العالمية، وفي القلب منها ضرورة أن "يقضي الأطفال دون سن الخامسة وقتًا أقل في الجلوس لمشاهدة الشاشات أو في عربات الأطفال والمقاعد وهم مقيّدو الحركة فيها، وأن يحصلوا على قسط أوفر من النوم، ويُمضوا وقتًا أطول في اللعب بنشاط إذا ما أُرِيدَ تنشئتهم أطفالًا صحيحي البدن".

كما نشرت مجلة "للعلم" خبرًا حمل عنوان "مزايا عديدة لاقتسام الفراش مع شريك الحياة"، يوضح أن "النوم في الفراش نفسه مع شريك الحياة يؤدي إلى تحسين التفاعلات الاجتماعية والتقليل من التوتر العاطفي".

وأرجع الباحثون تلك الآثار الإيجابية إلى "استقرار نوم حركة العين السريعة، الذي يشير حدوث أي اضطراب فيه إلى آثار نفسية وصحية وعصبية، أما استقراره فيساعد على تنظيم العواطف وتحسُّن الوظائف المعرفية مثل القدرة على حل المشكلات، وأن اقتسام الفراش مع الشريك يساعد أيضًا على تنظيم بنية النوم والمراحل المختلفة التي يمر بها الفرد في أثنائه".

وتحت عنوان "النوم المتأخر يرتبط بشيوع الربو لدى المراهقين"، ذكر تقرير أعدته الزميلة "هبة حسين" أن "المراهقين الذين يفضلون السهر ليلًا والاستيقاظ في وقت متأخر يكونون أكثر عرضةً للإصابة بالربو والحساسية، مقارنةً بمَن يخلدون للنوم في وقت مبكر ويستيقظون مبكرًا".

ونقل التقرير عن "سابهابراتا مايترا" -باحث ما بعد الدكتوراة بقسم الطب الرئوي بجامعة "ألبرتا" الكندية- قوله: من المعروف أن النوم وهرمون النوم (الميلاتونين) يؤثران على احتمالات الإصابة بمرض الربو، وقد أردنا معرفة ما إذا كان تفضيل المراهقين للسهر ليلًا أو الخلود للنوم مبكرًا يتداخل مع مخاطر الإصابة بالربو أم لا.

وأوضح التقرير "أن فرصة الإصابة بالربو تزيد 3 مرات لدى المراهقين الذين يفضلون النوم في وقت متأخر، مقارنةً بمَن ينامون مبكرًا، وأن احتمال الإصابة بالتهاب الأنف التحسسي يتضاعف لدى المجموعة الأولى مقارنةً بالمجموعة الثانية".

كما نشرت مجلة "للعلم" مقطعًا صوتيًّا –ضمن نشرة الأخبار العلمية التي يقدمها الزميلان داليا عبد السلام ومحمد منصور- كشف أن "ريجيم اللسان يمنع الشخير ويُحسِّن التنفس في أثناء النوم".

وأوضح التقرير الصوتي أن "باحثين من جامعة بنسلفانيا اكتشفوا أن التحسُّن في أعراض مرض يُسمى بانقطاع التنفس الانسدادي يرتبط بتقليل الدهون في جزء واحد متوقع من الجسم، ألا وهو اللسان".

يقول التقرير: إن انقطاع التنفس الانْسدادي النومي يُعَد أحد الاضطرابات الخطيرة. يتسبَّب ذلك المرض في انقطاع التنفس في أثناء النوم؛ بسبب استرخاء عضلات الحلْق وغلْقها لمجاري الهواء، ما يؤدي إلى استيقاظ المرضى على نحوٍ عشوائي طوال دورات نومِهِمْ. ويمكن أن تؤدي تلك النوبات -التي تتميز عادةً بالشخير العالي- إلى ارتفاع خطرِ الإِصابةِ بضغط الدم والسكتة الدماغية.

وقالت الدراسة المنشورة في دورية الجمعية الأمريكية لطب الجهاز التنفسي والعناية المركزة: "إن الحَدَّ من دهون اللسان حسَّنَ منَ الشخير في أثناء النوم، كما أَسهم في تقليل نوبات انقطاع النفس إسهامًا ملحوظًا".

ووفق التقرير، فإن "المستقبل قد يشهد تصميم أنظمة غذائية خالية من الدهون أو قليلة الدسم باعتبارها ريجيمًا مخصصا لِلِّسان. كما يمكن إجراء تدخلات جراحية خاصة لتقليلِ الدُّهونِ في تلكَ المَنْطِقَةِ عِنْدَ المَرضى الَّذِينَ لا يَستجيبونَ للعِلاجاتِ التَّقلِيديَّة؛ وهو الأمر الذي من شأنه أن يُحسِّن التنفُّس في أثناء النوم".