كائن بكل المقاييس خارق، صحيح أنه يكاد يكون مجهريًّا تَصعب رؤيته بالعين المجردة، ويبلغ طوله في المتوسط نصف الملليمتر، إلا أنه قادر على الصمود طويلًا لما يمكن أن يقتل البشر وغير البشر في دقائق، إنه دب الماء، الكائن فائق الدقة الذى أخضعه العلماء للغلي عند 150 درجة مئوية، والتجميد في درجة الصفر المطلق، والتعرُّض للأشعة المؤينة على الأرض، وفي الفضاء، وعَبَرها جميعًا ليواصل الحياة.

ليس بدب ولا خنزير
     عام 1773، منحه القس الألماني المشتغل بالعلم "جوهان أوفرايم" اسم "دب الماء الصغير"؛ لتشابه مشيته مع مشية الدببة، وبعد ثلاث سنوات أطلق عليه العالِم والراهب الإيطالي "لادزارو سبالانسي" اسم "بطيء المشية" tardigrade، وثمة تسمية ثالثة له هي "خنزير الطحلب"؛ لأن جسمه برميلي كجسم الخنزير، ولكثرة العثور عليه ملتصقًا بالطحالب والأشنات التي يتغذى عليها إضافةً إلى البكتيريا والكائنات وحيدة الخلية، وبرغم تبايُن هذه التسميات الثلاث، إلا أن فيها ما يُلمح إلى أن الماء والأجواء الرطبة هي البيئات التي يكثر الحصول عليه فيها.

     وبرغم وجوده في المياه المالحة، إلا أن وجوده الأكثر والأغزر يكون في المياه العذبة بنسبة تصل إلى 25 ألف حيوان منه في اللتر الواحد، وقد ثبت وجوده عند قمم جبال الهيمالايا، وتحت جليد القطبين، وفي البرك الحامضية، وحتى في الأعماق السحيقة الحارة بقاع المحيطات، حول الشقوق التي تتسرب منها صهارة جوف الأرض، والمداخن السوداء التي تنفث عوادم هذا السعير تحت الماء.

    كائن اعتلى قائمة الخارقين بين كافة المخلوقات لأكثر من قرنين ونصف، حتى صار أسطورةً واقعية، وشَغَل العِلم القديم والحديث بسبر أغواره، فتراكمت عنه حقائق مدهشة، أُولاها أن قوته مدينةٌ لكونه يمارس نوعًا من السُّبات في مواجهة الضغوط البيئية القصوى، سواء كانت جفافًا شبه مطلق، أو صقيعًا ساحقًا، أو نقصًا حرجًا في الأكسجين، أو إشعاعات قاتلة، وثانيتها أنه يستدعي في مواجهة الشدائد سلاحين دفاعيين من ترسانة جسمه الضئيل الطبيعية، هما: التخلص شبه الكامل من الماء، وتشغيل نوع من بروتنيات الطوارئ لا تكاد توجد عند غيره.

الدفاع بالتجفُّف

    وأيًّا ما كانت الظروف البيئية المعاكسة، فإنه يواجهها بحالة استقلابية تسمى "الحيوية الخفية" أو "السُّبات" Cryptobiosis أو Anabiosis، يبدؤها بما يمكن تسميته "التجفُّف" Desiccation، مُزيلًا معظم ما في جسده من الماء، فينكمش، طاويًا أقدامه الثماني القصيرة السمينة ذات المخالب الدقيقة كالشراشيب، ويلتف على نفسه متحولًا إلى ما يشبه كرةً دقيقة، يابسةً صلبة، ينخفض معدل المحتوى المائي فيها إلى 1% من المعدل الطبيعي له قبل سُباته، ويهبط معدل التمثيل الغذائي داخله إلى أقل من 0.01%، وهذا يكفي لتغطيته مخزونٌ من سكر غير مختزل، مديد المفعول، يكفيه لفترات طويلة من الزمن، لهذا تُعرف دببة الماء في أثناء هذه الحالة من السبات باسم الخابية أو الدُّن tun، فكأنه وعاء أُقفل على ما فيه، يبدو مطلق السكون، بينما تدور داخله تفاعلات حيوية حثيثة لا تتوقف، ويستطيع دب الماء أن يبقى في هذه الخوابي يابسًا ساكنًا لعشرات السنين، حتى يغاث بالماء، فيستعيد جسمه الرطوبة، ليتمدَّد، ويتحرك، ويستعيد كامل نشاطه من جديد.

     تكتيك عجيب هذا التجفُّف، فنزح الماء من جسمه ينجيه من تحوُّل الماء عند التجمد إلى شظايا كالزجاج المسنون تمزقه من داخله، وبه تنكمش كل مكونات جسمه الغافي داخل دُنِّه الطبيعي، فلا يتطلب طاقةً تُذكَر للحفاظ على أكثر همسات الحياة خفوتًا التي يُسرُّها، وفي الوقت عينه، ومع انكماش سطوح أغشية وعُضيات الخلايا التي تجري عليها تفاعلات التمثيل الغذائي المتراجع، يندر التوليد الجانبي للأكسجين التفاعلي، أو الشوارد الحرة، فتَسلم الخلايا المنكمشة ومكوناتها من فعل التخريب الذي تمارسه هذه الشوارد.

دروع البروتينات المتمردة

       وبمصاحبة ذلك الدفاع بالتجفُّف، يبرز دورٌ داعم من بروتينات خاصة جدًّا بهذا الكائن، حتى إن تسميتها العلمية تقترن باسمه، وهي "البروتينات المضطربة لبطيئات المشية" tardigrade disordered proteins، ولا بد أن يستوقفنا وصفها بالمضطربة، فهو يدل على حيرة علمية حيال الاختلاف، فهذه البروتينات مختلفةٌ بالفعل عن البروتينات الشائعة، التي تخضع لعملية "الطي" Protein folding -وتذكِّرنا بفن الأوريجامي لطي الأوراق عند اليابانيين- ليكتسب كلٌّ منها شكلًا خاصًّا، ثلاثي الأبعاد، يحدد لكل بروتين وظيفةً تخصصيةً يكاد لا يتعداها.

     أما بروتينات بطيئات المشية المعنية بالعمل في أثناء السُّبات، فهي لا تخضع لطيًّ يحدد لها شكلًا معينًا، وهذا أبعد ما يكون عن الاضطراب، بل أقرب ما يكون إلى الإبداع الحيوي الخلَّاق؛ فهي بتمرُّدها على الطي، تتخذ أشكالًا حرةً تتيح لها أداء أدوار مختلفة، لإصلاح ما تفسده مختلِف الشدائد في الأحماض النووية لغيرها من البروتينات، وقد ثبت أن أحدها يُكوِّن درعًا فلوريًّا يقي من أضرار الأشعة فوق البنفسجية، على الأرض، وفي الفضاء!

أساطير غزو القمر والشمس والكواكب!

      في سبتمبر 2007، أُرسلت عينة من بطيئات المشية في حالة تجفُّف إلى الفضاء لاختبار متانة ما تُبديه من قوى خارقة على الأرض، ولمدة عشرة أيام في مهمة "فوتون 3" عُرِّضت للفراغ الساحق في الفضاء الخارجي، وللأشعة فوق البنفسجية الشمسية، وتكرر إرسال هذه الكائنات إلى الفضاء بعد ذلك، كما على متن المحطة الفضاء الدولية في الرحلة الأخيرة للمكوك "إندفور" في مايو 2011، وكانت النتائج تؤكد -جزئيًّا- مدى صمود هذه الكائنات لضغوط الفضاء، إن في حالة التجفف أو في الحالة الرطبة، ولا بد أن إرسالها إلى الفضاء لم ينقطع، لأسباب لا تخصها غالبًا، بل تخص الطموح أو الغرور البشريين لامتلاك أسطورة القوة الخارقة و"غزو الفضاء"؛ فقد كان تعليق علماء بيولوجيا الفضاء عليها: "إنها تمثل حيوانًا مفيدًا لأبحاث الفضاء"، وكأن ما فعلناه بكوكب الأرض لا يكفي!

     حتى في الفشل، ظل إرسال بطيئات المشية إلى الفضاء يشي بالتفكير الاستعماري، ففي أغسطس 2019 تبيَّن أن كبسولةً تحتوي على عينة منها، يمكن أن تكون قد نجت بعد فشل المركبة الفضائية الإسرائيلية "بيريشيت" في الهبوط على القمر وتحطُّمها على سطحه في أبريل 2019، وبدلًا من التركيز على حالة الفشل، قفز العقل الأسطوري، للتحدث عن احتمال أن تكون هذه العينة بدايةً لانتشار فضائي في كواكب أخرى عندما يصطدم كويكب بالقمر فيتناثر حطامه ويحط على كواكب أخرى تبدأ فيها هذه الكائنات خارقة الاحتمال "استيطان" هذه الكواكب، والأنكى من ذلك، هو ما أسقطه العقل البشري التوسعي حتى على الشمس، ففي 16 يوليو 2020 كشفت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) ووكالة ناسا النقاب عن أحدث الصور التي تم التقاطها لسطح الشمس من أقصى نقطة اقتراب عبر مهمة Solar Orbiter، وظهرت بقعة صغيرة داكنة على الجانب الأيسر من الصورة، فزعم بعض المهووسين بالقوة الخارقة أنها لبطيء المشية.

 ومن الغريب أن أول تعليق للباحث الرئيسي في هذه المهمة البلجيكي "ديفيد بيرغمانز"، أن هذه النقطة المظلمة "تشبه بطيئات المشية"، لكنه سرعان ما تراجع، معلنًا أنها كانت في الواقع عيبًا في جهاز الاستشعار نتج عنه عيب في الصورة أحدث له شكلًا يشبه بطيئات المشية، فهل انتهت الأساطير؟

كعب أخيلها وشعر شمشونها

     في معظم الأساطير القديمة عن البشر خارقي القوة لم يكن الخيال البشري يتمادى إلى ما لا نهاية، فوعي ولاوعي الإنسان بطبائع الأمور، حتمًا أن تنتهي تلك الأساطير بانفراط القوة ليظهر الضعف ويُفسح للموت الطريق، وغالبًا ما تكون النهايات تراجيدية، فشمشون "الجبار" عندما استدرجته دليلة لحلاقة شعره الذي يمثل تميمة قوته، تهاوى، وبثمالة ما بقي لديه من عافية هدم المعبد على رؤوس خصومه، وعلى رأس نفسه.

ومثله أخيل "بطل الأبطال"، الذي لم تنتبه أمه وهي تغطسه في النهر المقدس ليكتسب المنعة ضد الموت، أن ماء ذاك النهر لم يمس كعبه الذي تحمله منه وهي تغطسه، فكان أن قتله سهم أصاب وتر كعبه، فتهاوى لتمزِّقه السيوف، تمزيقَ ذبيحة في مسلخ! فهل أسطورة دببة الماء استثناء؟

    مطلقًا، ففي 9 يناير 2020، نشر الموقع الإلكتروني لدورية ساينتفك ريبورتس Scientific Reports ورقة بحثية لقسم علم الأحياء بجامعة كوبنهاجن، تخترق أسطورة القوة الخارقة لبطيئات المشية، ومن نقطة ضعف أبسط ما تكون، وأوضح ما تكون، وتمثل قانونًا لحدود القوة، ليس عند هذه الكائنات الخارقة وحدها، بل عند كل حي، خاصةً عند حضراتنا، نحن البشر، سادة الأرض؛ فهذه الكائنات وإن كانت تتحمل الغليان لنصف ساعة في درجة 151 درجة مئوية، إلا أن تعرُّضها لدرجة حرارة أقل من ذلك كثيرًا، ومقدارها 37.1 درجة مئوية، لمدة 24 ساعة، أدى إلى موت نصف أفرادها الخاضعين للبحث، برغم أنهم من نوع "يوكوزونا" Ramazzottius varieornatus، الذي جمعوه من داخل مزاريب كوبنهاجن، ويُعد أكثر أنواع دب الماء صلابةً وأكثرها صمودًا في مواجهة أقسى الشدائد البيئية! أي أن ضغطًا حراريًّا بسيطًا، مع مدة تَعرُّض أطول، ثبت أنه أفعل وأقتل من ضغط كبير في مدة زمنية أقصر!  

     لقد أُعيد نشر مطولات وموجزات عن البحث في عشرات المواقع العلمية والإعلامية العامة، وكان طبيعيًّا أن يلفت الانتباه، ليس فقط إلى نقطة ضعف هذه الكائنات خارقة القوة، ولكن، وكما يمكن أن يتبادر إلى ذهن أي إنسان يشعر بارتفاع درجة حرارة جو الأرض ويصدق حقيقة "الاحتباس الحراري"، يستدعي ما ينتظرنا، بل ما نعيشه نحن البشر، الأضعف بكثير من مقاومة واحتمال هذه الكائنات للضغوط البيئية، والأفقر بكثير من امتلاك دروع وسيوف مواجهتها الخِلقية لغوائل هذه الضغوط، فنتساءل: ما الذي يحدث لنا ونحن عنه غافلون، أو متغافلون، أمام معادلة الموت البطيء المذهلة هذه؟ فإذا كانت بطيئات المشية بكل قواها ستواجه صعوبةً في التعامل مع ارتفاع درجة الحرارة بسبب الاحتباس الحراري، فإننا سنواجه، وربما نواجه الآن، دون أن ننتبه.. كارثة!

نُطهَى ببطء لإطعام الانقراض

     إن درجة الحرارة محدودة الارتفاع التي قتلت هذا الخارق عند التعرُّض لزمن متواصل لم يزد عن 24 ساعة في هذا البحث، تنبئنا بأن تغيُّر المناخ سيكون على البشر أوخم، لأنه لا يتوقف عند رفع درجات الحرارة تدريجيًّا، بل سيزيد من ظروف الجفاف بكل ما يتبعها من نقص للماء والغذاء، وستتأقلم معه دببة الماء لأطول وقت ممكن، ربما لعقود وعقود يدخلون خلالها في سبات ينجيهم حتى يغاثوا بقطرِ الماء، أما نحن البشر فنصير غير موجودين! إذ ترثنا هذه الكائنات شبه المجهرية، ومعها العقارب، وكذلك الصراصير!

     اللغة تبدو قاسية، لكنها بقدر قسوة ما نفعله بأنفسنا نحن البشر، أو السفهاء منا على وجه التحديد، الذين لا يكتفون بإنكار حقيقة الاحترار العالمي وتغيُّر المناخ، بل يُمعنون في إفساد توازنات الحياة الدقيقة على هذا الكوكب، بالغطرسة والطمع اللذَين يتموَّهان وراء لافتات التنمية الزاعقة، التنمية الجشعة، والتنافس الوحشي على الموارد، دون أي اعتبار لحرق رئات الأرض الخضراء، والاعتداء على موائل أمم الأحياء التي تشاركنا في النسج المستدام لشبكة الحياة على هذه الأرض، ولعل هذا الاكتشاف لكعب أخيل الذي يخترق أسطورة بطيئات المشي خارقة القوة بلمسة حر ليوم واحد، يهمس في أسماعنا وأفهامنا مستهجنًا: كأنكم تطهون أولادكم وأحفادكم، على نار هادئة، وعلى مهل، لإطعام الانقراض.