تواصل الحضارة المصرية القديمة إبهار العالم، ولا سيما علم التحنيط الذي تُعَد أسراره من عبقريات المصري القديم، فبالإضافة إلى الألغاز المتعلقة بتقنيات المواد المستخدمة والوصفات الكيميائية المتبعة، أضيف اليوم لغز جديد، حول التأريخ الحقيقي والدقيق لبدء قيام المصريين القدماء بعمليات تحنيط جثث الموتى.

دراسة جديدة أجراها علماء من مختلف التخصصات بجامعة ماكويرى بأستراليا، حللوا خلالها مومياء مصرية ترجع إلى عصور ما قبل الأسرات (من حوالي 3700 إلى 3500 قبل الميلاد)، وكانت محفوظة بمتحف تورينو بإيطاليا منذ عام 1901.

تقدم نتائج هذه الدراسة دليلًا قويًّا على أن التحنيط كان موجودًا قبل 1500 عام، أي قبل ما هو متعارف عليه تاريخيًّا. تقول "جانا جونز" -أستاذ الآثار بجامعة ماكويرى بأستراليا، والباحث الرئيسى بالدراسة- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إنه كان يُعتقد في السابق أن هذه المومياء كانت محنطة طبيعيًّا بسبب عوامل الجفاف وحرارة الجو فى مقابر الجبلين بمصر الوسطى، والتي يرجح أن يكون قد عُثر على المومياء فيها.

وتضيف: "تخبرنا المعلومات الجديدة أن المصريين القدماء الذين عاشوا في حقبة ما قبل التاريخ لديهم بالفعل معرفة بعمليات التحنيط اللازمة للحفاظ على الجسد، وأنهم مارسوا نظامًا لمعتقد ديني متطور حول الآخرة".

 وتوضح "جانا" أنها تُجري هذه الأبحاث منذ عام 2014، ولكن المشكلة أنه لم يكن لديهم أجسام كاملة- فقط شظايا صغيرة من الكتان في المتاحف البريطانية.

"كانت قطع القماش هي الدليل الوحيد الباقي على الجثث، ومن خلال التعاون مع الكيميائي الأثري "رون أولدفيلد"، حددنا وجود راتنجات في الأغلفة الكتانية، ولكن لم يكن لدينا أي عينات أخرى لتوسيع هذا العمل".

العقيدة الأساسية للتحنيط
ووفقًا للدراسة فإن العقيدة الأساسية للتحنيط المصري القديم هي الحفاظ على جسد مثالي حتى يتمكن من الدخول إلى الحياة الأخرى ككيان كامل. فإذا كان تمساح قد عض من ساقه، فستحل محلها ساق خشبية.
وعمومًا، لم تخضع الأجساد الملفوفة في مواقع ما قبل التاريخ لرقابة شديدة عند التنقيب؛ لأنه في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كان الاهتمام بالقطع الأثرية مثل الحلى والأدوات والتماثيل، علاوةً على ذلك، لم يكن هناك أي سبب للاعتقاد بأن المصريين في حقبة ما قبل التاريخ كانوا يستخدمون أي بلسم للحفاظ على موتاهم.
وكان الإيطاليون مثل البريطانيين يجرون الحفريات الخاصة بهم لملء متحف الآثار المصرية في تورينو. ولعل أشهر عالم آثار هو "إرنستو شياباريللي"، مدير المتحف بين عامي 1895 و1928.
ذهب "شياباريللي" في عدد من البعثات إلى مصر للتنقيب وشراء المومياوات والمصنوعات اليدوية من تجار الآثار، بما في ذلك آثار ما قبل التاريخ ومنها المومياء الحالية التي تم تحديدها باسم "تورينو 293، ويتوقع أن يكون قد جرى شراؤها في الحقبة الزمنية بين عامي 1900 و1901. وهي تُعَد واحدةً فقط من 20 مومياء يعود تاريخها إلى هذه الحقبة (3600 قبل الميلاد) في المتاحف الدولية.

وعلى الرغم من وجود عدد قليل من السجلات المكتوبة حول مصدر الجسم، إلا أن منطقة جبلين في مصر الوسطى هي المصدر الأكثر احتمالًا.

خطة البحث

في عام 2014، حصلت "جونز" على منحة بحث من جامعة ماكويري لإجراء دراسة جنائية لمومياء تورينو هذه. عملت "جونز" مع فريق دولي من مختلف التخصصات. تقول: "أخذنا عينات دقيقة من النسيج والجلد للتحليل البيوكيميائي، بالكربون المشع، قمنا بتحليل النسيج والحمض النووي للبكتيريا المسببة للأمراض".

وتضيف: كان من المعروف أن المومياء تخضع للحفظ في المتحف، مما يعني أن التلوث كان في حده الأدنى، مما جعلها موضوعًا مثاليًّا للبحث العلمي، ولكنها كانت هشةً وضعيفةً للغاية.

كشف التحليل الكيميائي للبقايا على الأغلفة النسيجية من الجذع والرسغ باستخدام تقنية تُعرف باسم قياس الطيف الكروماتوجرافي للغاز وجود زيوت نباتية أو دهون حيوانية وصمغ، وكذلك راتنج صنوبري ومستخلص لنبات عطري.

ومن المعروف أن الراتنجات ومستخلصات النباتات العطرية هما المكونان الرئيسيان المضادان للجراثيم اللذان كانا يصدان الحشرات ويحفظان الأنسجة الرخوة للمومياوات تحتها. لذا كانت بالفعل "وصفة" ربما جرى تطبيقها من خلال غمس الكتان في الخليط الذائب ثم لفه.

وفقًا للدراسة فإن تأريخ الكربون المشع للكتان أعطى مجموعة من التواريخ في الحقبة بين حوالي 3700-3500 قبل الميلاد. وتشترك العينات كلها في تكنولوجيا الغزل المبكرة نفسها التي لوحظت في الكتان المصري بين حوالي 5000 عام قبل الميلاد و3600 قبل الميلاد.

تؤكد جونز: "جنبًا إلى جنب مع بحثنا السابق، تخبرنا المعلومات المأخوذة من هذه المومياء الكاملة بأن المصريين قبل التاريخ كانوا بالفعل على علم بالعمليات اللازمة للحفاظ على الجسم، وكذلك كان لديهم نظام لمعتقد ديني تم تطويره بالفعل حول الآخرة. كما كانت لديهم إمكانية الوصول إلى راتنجات من شرق البحر المتوسط، مما يشير إلى التجارة لمسافات طويلة.

وتشدد على استخدام هذه المكونات المماثلة في المدافن التي تبعد مسافة 200 كم، واستمر استخدامها بالنِّسَب نفسها من قِبَل الكهنة الفراعنة عندما كانت مهاراتهم في ذروتها بعد حوالي 2500 سنة.

الإشارات الأولى

تقول الباحثة "رانيا محمد"، أخصائية ترميم المومياوات بوزارة الآثار المصرية: إن التحنيط يُعَد من العلامات البارزة والمضيئة فى تاريخ الحضارة المصرية القديمة، وقد برع المصريون القدماء فى عمليات التحنيط التي أخذت زمنًا طويلًا لتتطور حتى وصلت إلى أوج تقدمها فى عصر الدولة الحديثة.

وتضيف رانيا أنه خلافًا للواقع فإن المعروف تاريخيًّا أن التحنيط بدأ منذ عصر الأسرة الرابعة، ولكنها من خلال رسالة الماجستير والدكتوراة الخاصتين بها وجدت أن الإشارات الأولى لعملية التحنيط كانت موجودةً منذ عصر ما قبل الأسرات؛ إذ وُجدت بعض مواد التحنيط على الهياكل العظمية والبقايا الآدمية من هذا العصر، ومن أمثلة هذه المواد ملح النطرون الذي استُخدم فيما بعد فى عملية التحنيط.

ولقد مر هذا الأسلوب من التحنيط بالعديد من المراحل منذ عصر ما قبل الأسرات حتى بداية الأسرة الأولى، إذ قصد المصريون في عهد هذه الأسرة الحفاظ على أجسادهم، وأقدم أمثلة لتلك الطريقة في أبيدوس، التي عثر فيها عالم الآثار "بتري" على أذرع فى مقبرة الملك "جر" مع أن اللصوص قد نقلوها من مكانها الأصلي إلا أن نسبتها إلى المقبرة نسبة مؤكدة؛ إذ إن معصمها مزخرف بأربع أساور من طراز عصر الأسرة الأولى بلا نزاع.

وكان لتلك الذراع الملفوفة بالكتان أهمية كبرى؛ إذ إنها أقدم نموذج لنشأة التحنيط، ولكنها لم تقابَل بكثير من الاهتمام من الأوساط الأثرية رغم أنها أقدم قطعة محنطة معروفة، وقد جاءت دراسة جامعة ماكويري لتؤكد هذا الكلام وتثبت بالوسائل العلمية الحديثة أن التحنيط بالإضافة إلى الوصفات الجنائزية الأخرى بدأ بالفعل منذ عصور ما قبل التاريخ، وأخذ فى التطور حتى أصبح عقيدةً مركزيةً للثقافة المصرية القديمة.

يقول باحث المصريات "أحمد صالح"، المدير السابق لمتحف التحنيط بالأقصر: إن دراسة مومياء تورينو التي ترجع إلى حوالي 6000 عام مضت، تُعَد بحق اكتشافًا كبيرًا في تاريخ التحنيط المصري والحضارة المصرية قاطبة؛ إذ تغير الفكر السائد عن اعتبار التحنيط الطبيعي السمةَ الغالبة في عصور ما قبل التاريخ، مثل مومياء جنجر المحفوظة بالمتحف البريطاني.

كما أثبتت هذه الدراسة أن بدايات التحنيط فى مصر ترجع إلى قرابة 4000 سنة قبل الميلاد، وكان تحنيطًا مكتملًا.

وقبل مومياء تورينو فإنه من المعروف أن أول جسد محنط عُثر عليه فى الكوم الأحمر بإدفو، يرجع إلى حوالي 3500 ق.م. وتم تحنيطه باستخدام ثلاث مواد هي ملح النطرون والراتنج ولف الجسد بلفائف الكتان. بينما اكتشف العلماء من خلال الفحص الميكروسكوبي في جسد مومياء تورينو مواد أخرى، لزيوت نباتية ربما تكون زيت سمسم وعطرًا نباتيًّا وصمغًا نباتيًّا عبارة عن سكر طبيعي مستخرج من شجرة الأكاسيا، بالإضافة إلى راتنج من شجرة صنوبر. وفق صالح فإن موضوع التأريخ هو ما يحتاج فقط إلى إعادة دراسة؛ لأن هذه المومياء حالة استثنائية وُجدت فيها هذه المواد في هذا الزمن المبكر.