لعقود طويلة، استحوذت الطريقة التي تغزل بها عناكب "الأرملة السوداء" حريرها العجيب على عقول الباحثين، في ظل ما يتمتع به هذا النوع من الحرير من صفات استثنائية، مثل المتانة الشديدة والخفة الفائقة والصلابة التي جعلته أقوى من الصلب، فضلًا عن قابليته للتحلُّل الحيوي، وهو الحلم الذي اصطدم بالعجز عن اكتشاف الآلية التي تستخدمها عناكب "الأرملة السوداء" لنسجه.

لكن فريقًا من الباحثين في جامعتي "نورث وسترن" و"سان دييجو" الأمريكيتين، تمكَّن مؤخرًا من تعرُّف العملية المعقدة التي تغزل بها عنكبوت الأرملة السوداء حريرها الخارق من خلال تحويل البروتينات إلى ألياف فولاذية قوية.

ويرى الباحثون أن الكشف عن هذه الآلية قد يساعد في صناعة مواد قوية يمكن استخدامها في إنتاج حرير مماثل لما تنتجه عناكب "الأرملة السوداء"؛ لاستعماله مستقبلًا في صناعة "كابلات" التعليق المستخدمة في بناء الجسور، وفي صنع السترات الواقية من الرصاص، وغيرها من المنتجات التي تتطلب مواصفات هذا النوع النادر من الحرير.

وتشير الدراسة، التي نشرتها دورية "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" (PNAS) إلى أن الباحثين "عملوا بالفعل على تجربة العديد من الأساليب لإعداد حرير اصطناعي من خيوط العنكبوت عن طريق التقنيات الحيوية؛ ليضعوا بذلك حدًّا لسلسلة لا تنتهي من التجارب الفاشلة التي استهدفت صناعة حرير بخصائص مماثلة للمادة الطبيعية لحرير الأرملة السوداء".

سر الأرملة السوداء الغربية

أجرى الباحثون دراستهم على عنكبوت الأرملة السوداء الغربية (Latrodectus hesperus)، وهي نوع من العنكبوت تَوطَّنت المناطق الغربية من أمريكا الشمالية، وتتبع جنسًا من العناكب تحت فصيلة الشحاذيات (أكبر فصيلة من العناكب)، وتُعرف بـ"الزوع" أو "العنكبوت الأرملة" (Latrodectus).

ويُعرف من هذا الجنس حتى الآن 32 نوعًا، موزعة في جميع أنحاء العالم، تتضمن: الأرامل السوداء في أمريكا الشمالية (الأرملة السوداء الجنوبية، الأرملة السوداء الغربية، الأرملة السوداء الشمالية)، والأرامل السوداء في أفريقيا، و"عناكب البوتن" button spiders، وحمراء الظهر الأسترالية.

وتختلف هذه الأنواع اختلافًا كبيرًا في الحجم، ولكن في معظم الحالات تكون الإناث داكنة اللون، ويمكن تحديدها بسهولة عن طريق علامة حمراء توجد على بطنها، وتشبه الساعة الرملية.

وتنتج عناكب "الأرملة السوداء" التي تعيش في المناخ المعتدل في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا وأستراليا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، نوعًا من الحرير بخصائص استثنائية، أهمها ضآلة الحجم، وخفة الوزن، والقدرة على امتصاص كمية هائلة من الطاقة بشكل طبيعي.

كما تتمتع الخيوط التي تنتجها عناكب الأرملة السوداء بأنها أكثر مرونةً بثلاث مرات من ألياف "كيفلار" (Kevlar)، وهي علامة تجارية لألياف مصنوعة من "البارا أراميد" تتميز بأنها قوية وخفيفة، وقد طورت شركة "دو بونت" هذه الألياف في عام 1965، وجرى استخدامها تجاريًّا في بدايات 1970 كبديل للفولاذ، وتم اعتمادها في صناعة الدروع الناعمة من قِبَل "سلطات إنفاذ القانون الأمريكية".

إنجاز ثوري

أما فشل التوصل إلى حرير بخصائص مماثلة للمادة الطبيعية في حرير العنكبوت الفريد فيرجع إلى الفهم غير المكتمل لعملية الغزل من بروتين سبيدروين (البروتين الرئيسي في حرير العنكبوت، وهو جزء من عائلة فريدة من البروتينات الهيكلية الكبيرة) إلى الألياف في الجسم الحي؛ بسبب نقص المعرفة بالطبيعة المورفولوجية الحقيقية للهياكل النانوية لبروتين السبيدروين والآليات التي تتحول بها هذه البنى النانوية الدقيقة إلى ألياف حريرية ميكرومترية.

ويُقصد بالطبيعة المورفولوجية الشكل الظاهري الحقيقي، الذي يظهر تحت المجهر للبنى النانوية لبروتين السبيدروين في حالتها الطبيعية.

ومن هنا تأتي أهمية الدراسة الأمريكية الحديثة؛ إذ نجح الباحثون في إماطة اللثام عن الآلية التي تُنتِج بها تلك العناكب ذلك الحرير، فاتِحِين الباب أمام إنتاج حرير عناكب "الأرملة السوداء" صناعيًّا، وفق تصريحات "ناثان سي جيانيسكي" -أستاذ الكيمياء بجامعة نورث وسترن، والمؤلف المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم".

واستخدم الباحثون تقنيتَي تصوير قويتين، هما "مطيافية الرنين المغناطيسي النووي" و"المجهر الإلكتروني"، في تحليل الغدد البروتينية التي تعتمد عليها الأرامل السود في صنع خيوط الحرير.

واكتشفوا أن تلك البروتينات تَكُون في البداية مجموعاتٍ مُركَّبة معقدة من الجزيئات، لها بنية يرجِّحون أنها مفتاح قوة ذلك الحرير وباقي خصائصه، موضحين أن "معرفة صفات هذه "البنى النانوية" تُعَد خطوةً أساسيةً نحو فهْم عملية الغزل لمحاولة محاكاة خصائص الحرير الطبيعية في النظائر الاصطناعية منه.

ووجد الباحثون أن عناكب "الأرملة السوداء" تخلق شبكات حرير فولاذية قوية، وقد تسمح نظرية المُذَيْلَة المعدلة (Modified Micelles Theory) التي كُشف عنها النقاب في الدراسة الأخيرة للعلماء بخلق مواد اصطناعية قوية بالقدر نفسه الذي تنتجه العنكبوت.

يقول "جيانيسكي": "مهما يصف المرء ما لمحاكاة هذه العملية الطبيعية في المختبر من تأثير محتمل في الهندسة والمواد الاصطناعية، فلن يصل إلى حد المبالغة، إنها ببساطة ستكون إنجازًا ثوريًّا؛ لقد تحققنا من وجود جزيئات نانوية من البروتين داخل غدد العناكب التي تصنع منها ألياف حرير العنكبوت، وربما ساعدنا هذا على تقليد تقنية إنتاج حرير العنكبوت واستغلالها في إنتاج الحرير الاصطناعي من العنكبوت في المستقبل القريب"، مضيفًا: "نحتاج إلى معرفة الأجزاء التي نحتاج إلى تقليدها والأجزاء التي يمكن تغييرها لأغراضنا، وهو أمرٌ لا يزال غيرَ واضح".

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول إمكانية استخدام تقنيات التحويل الجيني وتكنولوجيا الجينات لنقل جينات الحرير العنكبوتي إلى الحيوانات المنتجة للحليب مثل الماعز، يقول "جيانيسكي": "لقد تم إنجاز ذلك، والمشكلة التي تواجهنا هي كيفية غزل البروتين في ألياف قوية. وقد يتطلب الأمر مزيدًا من العمل على البروتين من خلال الهندسة الوراثية، إلى جانب استخدام أساليب أفضل للتحكم في المواد على المقياس النانوي".

رقاقات قشرية

ويأمل الباحثون أن تساعد ورقتهم البحثية على إنتاج حرير العناكب على نطاق واسع كما يُنتج النايلون حاليًّا، خاصةً أن أهم المشكلات التي تواجه المهتمين بالأمر هي أنه لا أحد يدري بالضبط ماذا تفعل بروتينات "سبيدروين" داخل غدد الحرير في العنكبوت في أثناء تحوُّلها من جزيئات إلى خيوط.

وقد افترض الباحثون، الذين بحثوا هذه المشكلة في السابق، أن الأشرطة البروتينية تلتف على نفسها، مكونةً كريَّات تُعرف باسم المُذَيْلات (المُذيلة أو الأيون الغروي: هو جسيم مكهرب من مادة شبه غروية)؛ وذلك لأنها تحتوي على أجزاء تنجذب إلى الماء وأجزاء نابذة للماء، ولكن ما من دليل مباشر على صحة النظرية، ولا أحد يعرف الشكل الدقيق لهذه المُذيلات.

ولهذا عمل الفريق الأمريكي على تشريح عناكب الأرملة السوداء بعناية، وتحضير قطيرات من سائل الحرير ببطء وهدوء، وذلك باستخدام عدة أدوات صُممت لهذا الغرض خاصة. وفي النهاية تمكَّنوا من استخلاص عينات يعتقدون أنهم حافظوا فيها على البنية الطبيعية للجزيئات.

وقام الفريق بعد ذلك بتشكيل صور طبقية للعينات؛ للحصول من أول نظرة على الشكل الحقيقي لهذه الحزم من البروتينات الحريرية.

وكانت الأشكال الناتجة أبعد ما تكون عن الكرات البسيطة، فقد اكتشف الفريق أن المذيلات كانت ممتلئة بمئات من "الحزم الصغيرة"، أو "الرقاقات القشرية" التي تشبه الأقراص، ويوجد في كلٍّ منها مجموعة متشابكة من ألياف السبيدروين.

ويعتقد الباحثون أن الضغط المناسب على هذه المجموعات المتشابكة يؤدي إلى امتداد الرقاقات متحولة إلى ألياف تتجمع لتشكِّل الخيط الحريري.

طريق الحرير الخارق

يُذكر أن الخصائص التي يتمتع بها "حرير العنكبوت" طالما دفعت العلماء لمحاولة محاكاة إنتاجه، وكان التحدي الأكبر الذي واجههم التوصُّل إلى جينوم حرير العنكبوت المثالي، وإيجاد طريقة لتجميع بروتين الحرير، واستنباط طريقة لتصنيعه بالأحجام اللازمة.

ففي عام 2007، أعلن باحثون في جامعة كاليفورنيا عن دراسة ذكروا فيها أنهم حددوا جينات الأرملة السوداء الحريرية، وحاولوا حقنها في نباتات الطماطم، بهدف أن توفر بذور الطماطم حرير العنكبوت؛ لأن زراعة العناكب لم تكن خيارًا متاحًا، إذ إن العناكب لا يتعايش بعضها مع بعض بشكل جيد، وتتحول مزرعتها إلى نادٍ للقتال، وتفشل في إنتاج الكميات الضرورية من الحرير في المزارع.

ولهذا دخلت نباتات الطماطم بصورة خاصة، والمحاصيل الزراعية عامة، والبكتيريا، والخميرة، وديدان القز وحتى الماعز كنواقل لتحويل الحرير العنكبوتي الجيلاتيني إلى خيوط صلبة.

ومن بين هذه الكائنات المعدلة وراثيًّا، تبشِّر دودة القز بإمكانات طبيعية محتملة كمنتج حي لحرير العنكبوت بكميات كبيرة؛ لأنها قادرة على غزل حوالي كيلومتر من خيوط الحرير في بضعة أيام، كما أن لها تاريخًا طويلًا في الزراعة الناجحة.

وبعد عقود من المحاولة، نجح الباحثون في "تحوير" دودة قز وراثيًّا لإنتاج خيوط قوية مثل حرير العنكبوت.

كما قدم باحثون ألمان من جامعة "جوليوس ماكسيميليان في فورتسبورج" (JMU) بقيادة "هانيس نيوفيلر" -المحاضِر في معهد التكنولوجيا الحيوية والفيزياء الحيوية- رؤى جديدة لتصنيع حرير العنكبوت الاصطناعي كنموذج أولي، لكن التفاصيل الهيكلية المسؤولة عن خواص المواد على المستوى الجزيئي ما زالت تنتظر الكشف عنها. وتم نشر نتائجهم في مجلة "نيتشر كوميونيكيشن" Nature Communications.

درس "نيوفيلر" وزملاؤه كتل بناء البروتين، واستخدموا الهندسة الوراثية لتعديل البروتين كيميائيًّا باستخدام الأصباغ الفلورية، ما أسهَمَ في زيادة الفهم الجزيئي للبني والخصائص الميكانيكية لحرير العنكبوت.

وافترضت أبحاث سابقة أن بروتينات حرير العنكبوت تنتظر عملية الغزل كالمذيلات الكروية المحورية ذات الحجم النانوي "مزدوجة الألفة" قبل أن يتم تمريرها عبر جهاز الغزل العنكبوتي لتشكيل ألياف الحرير.

ومع ذلك، عندما حاول العلماء تكرار هذه العملية، لم يتمكنوا من تصنيع مواد ذات نقاط قوة وخصائص مماثلة لألياف حرير العنكبوت الأصلية؛ إذ تغزل الأرملة السوداء بعضًا من أقوى الخيوط بين جميع العناكب، وتغزل الجزيئات النانوية إلى خيوطٍ تتمتع بقوة شديدة وقدرة تمدُّد هائلة تفوق قدراتنا التقنية الحالية.

ويبدأ حرير العناكب على شكل خليط بقوام الحساء ما بين السائل والهلام، ثم تدفعه العناكب إلى الخارج، محوِّلةً إياه إلى خيوط خارقة القوة بالاستعانة بعوامل حيوية أخرى، مثل الضغط والحموضة ومواد كيميائية إضافية.

تطبيقات مستقبلية

ويهتم الباحثون بمثل هذه الدراسات على أمل استخدامها في تطبيقات عدة، منها التوصُّل إلى طريقة لتصنيع دروع واقية من حرير العنكبوت، بحيث تكون خفيفة الوزن وقويةً جدًّا ومرنةً للغاية، وهي دروع من شأنها توفير حماية محسنة للجنود وضباط إنفاذ القانون لحماية الجزء العلوي من الجسم من الشظايا والرصاص. وتهتم الدول بشكل عام -وبخاصة أمريكا- بهذه البحوث التقنية المتطورة.

كما يوفر حرير العنكبوت مزيجًا فريدًا من القوة والتمدُّد يجعله جذابًا بشكل خاص للصناعة، سواء في صناعة الطيران، أو النسيج، أو الطب.

يقول "جيانيسكي" لـ"للعلم": "نتوقع أن تكون هناك العديد من التطبيقات المستقبلية لحرير العنكبوت من خلال تطبيقات مرتبطة بالتطور الحالي لتكنولوجيا النانو، وهو أمرٌ ربما استغرق عدة سنوات، لكن يمكن للمرء أن يتخيل حجم التطبيقات العلمية التي توفرها تلك الألياف القوية جدًّا في صناعة الأدوات الدفاعية والجراحية، والمكوِّنات الهيكلية المستخدمة في عمليات التصنيع والهندسة والهندسة المعمارية، إنه وقتٌ مثيرٌ للغاية للعمل على استخدام المواد النانوية، بما يسمح لنا بتغيير العالم نحو الأفضل، وأنا أتطلع إلى المحاولة".