العادات الصحية في أثناء فترة الحمل وانعكاساتها على الأم والجنين قضية تشغل بال العلماء بصفة مستمرة، وفي سبيل التوصل إلى أحدث المعلومات المفيدة في هذا المجال، أعلنت أربع دراسات حديثة نتائجها فيما يتعلق بالمكملات وعادات التغذية والنشاط البدني في المؤتمر الدولي للتغذية الذي عقدته الجمعية الأمريكية للتغذية في الفترة ما بين 7 إلى 10 يونيو الجاري.

يحتوي لبن الرضاعة على خليط فريد من "الميكروبيوتا"، وهي مجموع البكتيريا والفطريات والفيروسات التي تعيش داخل الجسم وتُعد جزءًا من الجهاز المناعي، وتؤدي دورًا مهمًّا في صحة الطفل.

وفي دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة "بوردو" الأمريكية، تم اختبار ما إذا كان النظام الغذائي أو المكملات التي تتناولها الأم في أثناء فترة الحمل تؤثر على "ميكروبيوتا" لبن الرضاعة لدى 771 من الأمهات اللاتي شاركن في الدراسة الجماعية للأطفال.

وأشارت النتائج إلى أن المكملات، وليس أنماط الغذاء، ترتبط بالتغيرات التي تحدث في تركيبة لبن الأم؛ فالأمهات اللاتي تناولن مكملات غذائية تحتوي على زيت السمك أو حمض الفوليك في أثناء الحمل، ظهر لديهن تنوع بكتيري أقل ممن لم يحصلن على هذه المكملات، في حين أن اللاتي تناولن فيتامين سي بانتظام في أثناء الحمل، ارتفع لديهن التنوع البكتيري مقارنة بمَن لم يتناولنه، ويرى الباحثون أهمية عمل مزيد من الاختبارات لتحديد المتغيرات الأخرى التي تؤثر في البيئة البكتيرية للبن الأم.

تقول "رنا شهاب" -طالبة الدكتوراة في قسم علوم التغذية بجامعة بوردو- إن هناك جدلًا حول الآثار المترتبة على تنوع ألفا الميكروبي الأعلى والأدنى، فبينما تربط بعض الدراسات لميكروبيوم الأمعاء بين انخفاض التنوع وبعض الأمراض المحددة مثل السمنة، فإن دراسات أخرى تنفي هذه العلاقة أو تشير إلى عكسها، ولمزيد من التعقيد، ربطت الدراسات الحديثة الاكتفاء بالرضاعة الطبيعية وحدها بتنوع أقل في ميكروبيوم أمعاء الرُّضع، مما يرجح أن انخفاض التنوع عند الرُّضع قد يكون "جيدًا"، وبالتالي، فإن الأمور ليست واضحة بالنسبة لانعكاس تنوع لبن الرضاعة على صحة الأم وصغارها.

تضيف "شهاب" في تصريحات لـ"للعلم": عندما قمنا بتعديل نماذجنا لاستهلاك الفيتامينات المتعددة في أثناء الحمل، لم يعد الارتباط بين مكملات حمض الفوليك وتنوع ميكروبيوتا الحليب قائمًا، وقد شاركنا هذه المعلومة في العرض الذي تم تقديمه عبر الإنترنت في المؤتمر الدولي للتغذية لعام 2021، من ناحية أخرى، فإن فيتامين سي كان باستمرار مرتبطًا بالتنوع الأعلى للميكروبيوم، ووفرة أعلى من بكتيريا الفييلونيلا المفيدة الموجودة في الفم، بالاضافة إلى تناقُص أحد العوامل المُمرضة ممثلًا في بكتيريا ستينوتروفوموناس (Stenotrophomonas).

وتوضح "شهاب" أن نتائج الدراسة تعتبر ذات طبيعة استكشافية، ولهذا يجب النظر إليها كنتائج أولية يأمل الباحثون أن تفيد في التوصل إلى فرضيات مستقبلية ووسائل تدخل، بحيث تتبلور في توصيات بشأن تناول الأم الحامل للمكملات الغذائية.

تأثير سمنة الأمهات على الأطفال

رغم يقين العلماء بأن سمنة الأم تؤثر على صحة أبنائها، إلا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات لفهم تفاوت هذه التأثيرات، وقد قام الباحثون بمركز "بنينجتون" للأبحاث الطبية بدراسة حالة 22 من الأمهات البدينات، بعضهن لديه عوامل خطر للإصابة بـ"متلازمة التمثيل الغذائي"، التي تُعرف أيضًا بـ"متلازمة الأيض"، وتشمل ارتفاع نسبة السكر في الدم أو ارتفاع نسبة الكوليسترول وزيادة الدهون.

وتبيَّن أن مَن لديهن عوامل خطر إضافية تكون معدلات الجلوكوز عندهن أعلى، مقارنةً بالنساء اللاتي لا يعانين من عوامل خطر الإصابة بـ"متلازمة الأيض"، وذلك على الرغم من اكتساب القدر نفسه من الوزن وإجمالي كتلة الدهون في أثناء فترة الحمل.

وتشير الدراسة إلى أن أبناء الأمهات اللاتي يعانين من عوامل الخطر الإضافية للإصابة بـ"متلازمة الأيض" يتسمون بزيادة في الوزن ولديهم كتلة أكبر من الدهون، مقارنةً بالأطفال الذين لم تعانِ أمهاتهم من عوامل الخطر الإضافية.

وترجح هذه النتائج أن السمنة غير الصحية الأيضية تعزز زيادة كتلة الدهون ووزن الطفل عند الولادة، وتحدد هذه النتائج النساء البدينات والمُعرضات لعوامل خطر، بوصفها فئة يمكنها أن تستفيد من إجراءات تدخل في مرحلة ما قبل الولادة.

تقول "إيميلي دبليو فلاناجان -باحثة ما بعد الدكتوراة في مختبر الغدد الصماء وصحة النساء الإنجابية في مركز "بنينجتون"- في تصريحات لـ"للعلم": تعلمنا أن التدخلات لخفض وزن الجنين عند الولادة بالنسبة للأمهات البدينات لم تكن فعالة، واستنادًا إلى هذه النتائج، نعتقد أن التدخلات التي يمكن أن تُعدل البيئة الأيضية للأم، بصرف النظر عن وزن الجنين، تعتبر ضروريةً للتأثير بصورة إيجابية على حجم المولود وكتلة الدهون لديه، ولكن مثل هذه التدخلات لم يجرِ تصميمها أو تجربتها بعد.

تضيف "فلاناجان": لاحظنا معدلات عالية من فقدان الطاقة في النشاط البدني لدى النساء اللاتي يعانين من بدانة بسبب اضطراب التمثيل الغذائي، لذا يمكن أن تصبح ممارسة الرياضة في أثناء فترة الحمل آليةً لإحداث تغييرات في البيئة الأيضية للأم، ويمكن أيضًا تعديل النظام الغذائي للأم من أجل تقليل ارتفاع نسبة السكر ونسبة الدهون في الدم.

ويؤكد الباحثون أنه "من المهم تصميم نهج محدد لكل سيدة حامل في بداية الحمل في حالة إصابتها بالبدانة نتيجة اختلال التمثيل الغذائي؛ حتى نخفف من زيادة وزن الجنين عند الولادة ونقلل من احتمالات إصابته بالسمنة، وتصميم هذه النُّهج مطلوب بشدة لتجنُّب انتقال السمنة عبر الأجيال ومنع ظاهرة سمنة الأطفال، وتتفاوت هذه التدخلات ما بين أنماط غذائية وتدريبات رياضية".

النشاط البدني وتغيرات فوق جينية

أظهرت الدراسات أن ممارسة الأم الحامل للنشاط البدني قد تؤثر على صحة أبنائها من خلال "التغيرات فوق الجينية" التي تحدث في المشيمة، ولكن لم يتضح بعد ما إذا كان توقيت هذا النشاط مهمًّا.

وتؤدي التغيرات فوق الجينية -مثل إضافة مجموعة الميثيل إلى الحمض النووي "دي إن إيه"- إلى تعديل معدلات التعبير الجيني دون تغيير الشفرة الجينية، وقد ربطت دراسة أجراها باحثون في "معهد يونيس كينيدي شرايفر الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية" بين النشاط البدني في أثناء الحمل وإضافة مجموعة الميثيل إلى الحمض النووي، مشيرةً إلى أن "ذلك يحتمل أن يكون مرتبطًا بمسارات متعددة، مثل تمثيل الكربوهيدرات، ووظيفة الخلايا، ونمو القلب والأوعية الدموية والجهاز العصبي".

تقول "سيفانج كاثي شاو" -باحثة ما بعد الدكتوراة في المعهد- في تصريحات لـ"للعلم": لا نعرف العواقب المحتملة للتغيرات فوق الجينية، لكننا حددنا عدة مسارات ترتبط بالتمارين الترفيهية للأم، مثل نمو جهاز الدورة الدموية ووظيفته للجنين، ونمو الخلايا، ونمو الجهاز الحركي والعضلات، والتمثيل الغذائي، وبالرغم من محدودية هذه الدراسة واقتصارها على عينة صغيرة، فإننا نتطلع إلى إجراء دراسات مشابهة في مجموعات أكبر و/أو مجتمعات أكبر لو أمكن.

تأثير وقت الطعام على جودة النوم في أثناء الحمل

استنادًا إلى العلاقة المؤكدة بين وقت تناول الطعام والساعة البيولوجية للجسم، قام الباحثون في جامعة "يو سي إس آي" الماليزية بدراسة العلاقة بين النظام الغذائي والساعة البيولوجية -من جهة- وجودة النوم ودورة إنتاج هرمون الميلاتونين (الذي يؤدي دورًا بارزًا في عملية النوم يساعد على التحكم في دورة النوم والاستيقاظ، ويزداد إفرازه في المخ ليلًا وينقص نهارًا) في أثناء فترة الحمل.

قام الباحثون بتقييم وقت تناول الوجبات وعددها والمدة المحددة للطعام خلال اليوم، وكذلك عدم تناول وجبة الإفطار والأكل في وقت متأخر ليلًا لعدد 114 سيدة من الحوامل لأول مرة.

وتبيَّن أن النساء اللاتي انخفضت عدد مرات تناول الطعام لديهن أو استهلكن كميات أقل من الدهون في أثناء العشاء مقارنةً بوجبتي الإفطار والغداء عانين أكثر من النوم السيئ.

وأظهرت الدراسة أن تناول الطعام قبل موعد النوم بوقت قليل ارتبط بارتفاع معدلات الميلاتونين إلى ذروتها بخلاف المعتاد من بلوغ ذروة الميلاتونين في منتصف النوم، وبالتالي، تشير النتائج إلى تغير إيقاع الميلاتونين اليومي في أثناء الحمل، مما يؤدي إلى قلة جودة النوم.

وتنصح "آي ني تيو" -أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة "جيمس كوك" في سنغافورة، والمشاركة في الدراسة- النساء الحوامل بتعدد الوجبات (أكثر من ثلاث وجبات يوميًّا) للتأكد من حصولهن –هن وأجنتهن- على التغذية الكافية التي تتمثل في الحصول على سعرات حرارية إضافية على المعدل الطبيعي للمرأة.

تقول "تيو" في تصريحات لـ"للعلم": من المهم ضمان التوزيع الأمثل للمغذيات الكبرى مثل الكربوهيدرات (45%-65% من الطاقة)، والبروتين (10%-35% من الطاقة)، والدهون (20%- 35% من الطاقة)، خاصةً في وجبتي الإفطار والعشاء لتعزيز النوم الجيد، ولا تزال الدراسات حول العلاقة بين المغذيات الكبرى والنوم محدودة ونتائجها متفاوتة، ولهذا يجب عمل مزيد من الدراسات حول مكونات الدهون التي يتم استهلاكها في كل وجبة (دهون مشبعة، دهون غير مشبعة ودهون متحولة) وعدم الاكتفاء بإجمالي كمية الدهون.

تضيف "تيو": ارتبط تناول الطعام في وقت قريب من موعد النوم بمزيد من الخلل بين (بلوغ إنتاج هرمون الميلاتونين أقصى حد له) ووقت منتصف النوم، وبالإضافة إلى دور هذا الهرمون في تحسين النوم، فإنه يعتبر مؤشرًا مهمًّا للدورة البيولوجية للجسم (الساعة الداخلية داخل المخ على مدار 24 ساعة)، والمواءمة بين النوم وإيقاع إفراز الميلاتونين يمكن أن تعزز انتظام الساعة البيولوجية والجوانب المختلفة للصحة الجسدية والعقلية، لذا، من المستحسن للمرأة الحامل تجنُّب تناول وجبة قبل النوم بثلاث ساعات على الأقل.

وتؤكد "تيو" أنه وفقًا لدراسات سابقة، يرتبط النوم السيئ بعواقب سلبية بالنسبة للأم وأيضًا للجنين الذي قد يتعرض لولادة مبكرة، ويعاني من النمو البطيء داخل الرحم، مضيفةً أن "سوء نوعية النوم في أثناء الحمل يرتبط أيضًا بمعاناة الأم من اضطرابات نفسية مثل القلق والتوتر والاكتئاب، يمكن أن تؤثر بدورها على نمو الجنين".

*هذه الدراسات تم تقييمها واختيارها من قبل لجنة من الخبراء قبل عرضها في المؤتمر الدولي للتغذية، ولكنها تعتبر تمهيدية حتى يتم الانتهاء من مراجعتها.