لم يعد من المُستغرب أن نقرأ خبرًا في وسائل الإعلام مفاده أن طالبًا شابًّا قد أبدع نظرية في الفيزياء تفوَّق فيها علي أينشتاين، أو أن باحثًا مغمورًا قد ابتكر جهازًا يعالج كل الأمراض، متفوقًا في ذلك على الأبحاث العالمية والعربية التي لا تزال تحبو ‫‫-بالنسبة له- في هذا المجال. وكثيرًا ما تلقى هذه الأنباء –للأسف- ترحيبًا من غير المتخصصين، بل وأحيانًا من بعض المتخصصين. وهذه الظاهرة، المعروفة بالعلوم الزائفة، منتشرة في جميع أنحاء العالم، إلا أنها ذات صيت في بلادنا؛ بسبب تركيز وسائل الإعلام وأشباه العلماء على تمجيدها وتأصيلها.

للعلم عمومًا منهجية محددة اتفق العلماء عليها؛ لأنهم وجدوا بالتجربة أنها المنهجية الأفضل لازدهار العلوم. ويستطيع الباحث المتخصص الذي تعلم أصول هذه المنهجية أن يتعرف على العلم الزائف فورًا، حتى ولو كان في غير تخصصه، وذلك إذا قَدَّر أن الخبر المذكور خرج عن نطاق هذه المنهجية‫‫. مثلاً من أهم الفروق بين العلم الحقيقي والعلم الزائف اعتماد الأول على التجربة والرصد بصورة ممنهجة لها قواعدها وأصولها. العالِم الحقيقي يدرك جيدًا أنه لا يكفي أن تكون لديه فكرة منطقية أو نظرية رياضية حتي يقول بكل ثقة إنه قد وصل إلى الحقيقة. التجربة المعملية أو الرصدية هي دائمًا المحك والفيصل. واتفق العلماء أيضًا على أن تجربة واحدة لا تكفي. يجب أن يمر كل اكتشاف جديد بمراحل متعددة ومتنوعة، منها على سبيل المثال إعادة التجربة نفسها أكثر من مرة على يد فِرَق بحث مختلفة ، بل إنه في بعض الأحيان، ووفق أهمية الموضوع وحجم الادعاء، تُعاد التجربة مئات المرات باستخدام أجهزة مختلفة أو تقنيات أعلى في دقتها. يلي ذلك تكوين نظرية تشرح الآليات المنطقية والرياضية للواقع الذي تم رصده. وبالإضافة إلى قدرة النظريات على تفسير النتائج السابقة لها، اتفق العلماء أيضًا على أن النظريات الصحيحة يجب أن تكون لها قدرة تنبؤية بنتائج التجارب المستقبلية. بل إنهم يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقومون بتجارب الهدف منها نفي النظرية والعثور على درجات قصورها، فوجب على كل نظرية أن تحتوي بداخلها على القدرة على نفي نفسها. وبمرور الوقت، وزيادة التجارب والأبحاث التي تؤكد النظرية وتبني عليها، ومع عدم وجود أي نتيجة معملية أو رصدية تنفيها، يزداد يقين العلماء بصحة النظرية، وفهمنا للطبيعة يتسع ويزداد، فنكتشف ما هو أعم وأشمل مِما كنا نعرفه سابقًا، ولذلك فإن أي عالِم حقيقي يعلم جيدًا أنه لا وجود لأي حقيقة مطلقة في العلوم، فالعلم ليس إلا سُلَّمًا متصاعدًا من الفهم والتوسع في الفهم.

ويتخلل كل هذه المراحل أساليب نشر كل درجة من درجات هذا الفهم. وهو اليوم ما يسمى بالنشر تحت التحكيم العلمي. فاتُّفِق على أن كل عالِم قام بتجربة صَغُرَت أو كبُرَت، أو صاغ فكرة نظرية جديدة، عليه أن يكتب ورقة بحثية بأسلوب متفق عليه، يشرح تفصيلاً أهدافه وأساليبه، والأجهزة التي استخدمها، والنتائج التي وصل إليها، بطريقة تسمح للقارئ بأن يُعيد البحث أو يقوم بالتجربة بنفسه إن أراد. ويرسل الباحثون تلك الأوراق البحثية إلي المجلات العلمية كلٌّ في تخصصه. يتسلم محررو هذه المجلات، وهم أيضًا من العلماء، هذه الأبحاث، ويقررون تقريرًا مبدئيًّا إذا كانت هذه الأبحاث ملائمة للنشر أم لا. ثم يرسلون الأبحاث إلى مَن يسمى بالمحكِّم العلمي‫‫، وهو عالِم آخر متخصص في نفس تخصص البحث، يتم اختياره عشوائيًّا أو بناءً على تجارب مسبقة. فيقرأ هذا العالِم البحث ويراجعه، ويتأكد من كونه بحثًا مطابقًا لمنهجية العلم، وأن الباحث على دراية بما يفعل، ويُقدِّر أيضًا أهمية الموضوع ومدى أحقيته بالنشر. وعادةً ما يطلب المحكم العلمي شيئًا من المراجعة للبحث، أوإضافة توضيح، وربما يرفض البحث بكامله. وأحيانًا ما يدور حوار بالمراسلة بين الباحث والمحكمين المجهولين لديه، ويتخلل المراسلة تعديلات وإضافات للبحث؛ حتى يتم قبوله ونشره. ولا ينتهي الموضوع هنا، فقد ينشأ بعد النشر حوار علمي بين العلماء حول هذا البحث، وتظهر نتائج جديدة في أوراق بحثية أخرى تمر بنفس المراحل. فيزداد الحوار ويتوسع، ويَكبُر العلم وتنمو المعرفة.

هذه المراحل الكثيرة المتعددة لا تتوقف، ولا نهاية لها، وكلها جزء من المنهجية المتفق عليها لينمو العلم ويصحح نفسه بمرور الوقت. ولا تنجح كل الأفكار في الاتساع والاستمرار، فمنها ما يثبت خطؤه، ومنها ما يُعَدَّل ويعاد تعديله حتى يتقبله الجميع. كل هذا ممَّا لا ندرسه في المدارس والجامعات ، بل هي مرحلة متقدمة من الفهم لا يبدأ الإنسان في استيعابها قبل وصوله إلى مستوى الدكتوراة. أما صاحب العِلم الزائف فهو في الأغلب لا يدرك مدى حجم هذه المراحل وتفصيلها، ويعتمد غالبًا في نشر أفكاره على الإعلام فقط.

لا يظن القارئ أنني أدعي أن نظام المنهجية العلمية هذا نظام مثالي بلا ثغرات. هذا غير صحيح مطلقًا، والأمثلة كثيرة. فكم من مرة نُشر بحث ثبت فيما بعد أن فيه أخطاء، ليس فقط في فرضياته، ولكن في طريقة البحث نفسها. وقد تمُرُّ هذه الأبحاث في نظام التحكيم العلمي وتُقْبَل في كُبرَى المجلات العلمية. ولكن دائمًا ما يظهر لها نقاد ، طال الزمن أو قصُر. ويتجه الناقد الجاد إلى كتابة أبحاث أخرى ترد على هذه الأخطاء وتُنشر في المجلات. ويدور حوار، فإذا كان الخطأ واضحًا فإن مؤلف البحث المغلوط ، إذا كان عالِمًا حقيقيًّا، يكون أول من يعترف بهذا الخطأ، ويكتب بحثًا تصحيحيًّا على سبيل المثال، يوضح فيه خطأه.

وهنا، في هذه النقطة بالتحديد، يظهر لنا فرق آخر بين منهجية العلم والعلم الزائف. العالِم الحقيقي لا يُكابر، بل يعترف بأخطائه. أما صاحب العلم الزائف فليس هدفه الوصول إلى الحقيقة، لكنه غالبًا ما تكون أهدافه إما إعلاء نفسه أمام الناس، أوإعلاء فكرة مسبقة عنده نابعة من وجهة نظر غير علمية (عقائدية مثلاً). ومن هنا من الصعب جدًّا -وقد يكون من المستحيل- أن يتراجع هذا النوع من الناس عن رأيه. لأنه إذا فعل ذلك خسر مُريديه وتراجعت شهرته وتوقف الجميع عن متابعته، أو ربما يحدث ما هو أسوأ، إذا كانت دوافعه عقائدية أو دينية واضطر إلى الرجوع عن خطئه، فقد يعتبر هو هذا ضربة لدينه ولعقيدته، حتي وإن كان هذا غير صحيح. ولذلك قلنا سابقًا وسنظل نقول: لا تخلطوا العلم بالدين؛ لأن في هذا خطورة على الدين وليس على العِلم.

كل هذا لا يدركه رجل الشارع العادي، ونحن لا نلوم عليه، ولكننا نرى أن المسؤول عن انتشار العلم الزائف هو وسائل الإعلام في بحثها المستمر عن الفرقعة الإعلامية، متناسية (‫‫في أغلبها وليس كلها) أن مهمتها الأساسية نشر الوعي والثقافة بين الناس. ولكن للأسف ما يحدث عكس ذلك تمامًا، فينتشر الظلام في المجتمعات، ويختلط الحابل بالنابل، وتضيع أنباء العلم الحقيقي -الموجود بالفعل بكثرة في بلادنا العربية-  في خضم عواصف هذه الأنباء.