هي أرض ليست كالأرض التي نعيش عليها الآن، فعندما انفصلت القارة الأم القديمة البانجيا منذ حوالي 250 مليون عام إلى القارة الجنوبية الجندوانا والقارة الشمالية أوريسيا، تدفقت المياه بين القارتين الجديدتين لتولد محيطًا شاسعًا سُمي علميًّا بالمحيط التيثي، غطى التيثي أجزاءً كبيرةً من القارة الإفريقية التي تنتمي بدورها إلى قارة الجندوانا الجنوبية، في ذلك الوقت، كانت الديناصورات هي التي تهيمن على اليابسة، أما البحار فكانت تجوبها الوحوش العملاقة، وأسماك القرش الضخمة، وكثير من الرخويات والهائمات المائية، تجمعات حيوية تختلف كثيرًاعن تلك التي تحيا بيننا الآن.

وفي نهايات العصر الطباشيري، أي منذ قرابة 85 مليون عام، كانت مصر لا تزال قابعةً تحت مياه المحيط التيثي القديم تمثل الجزء الجنوبي منه، ولا يظهر منها على السطح سوى بعض الألسنة والجزر، كانت مصر، حينذاك، تقع على بُعد سبع درجات فقط شمال خط الاستواء، فماذا عن المناخ في تلك الفترة؟

في دراسة جديدة، تمكَّن الباحث المصري أحمد منصور، مدرس الحفريات الدقيقة وجيوكيمياء الرسوبيات بجامعة المنيا المصرية، عبر تعاوُن دولي مع فريق من المتخصصين من جامعات مصرية ونمساوية وأمريكية، من إيجاد القيم المحددة لدرجات الحرارة قديمًا في عدة أزمنة متتابعة، يقول "منصور" الذي يُعرف عنه ولعُه بتتبُّع المناخ القديم عبر دراساته البحثية، "لم تتوقف نتائج البحث عند حدود الإجابة عن الأسئلة محل الدراسة، بل إنها تفتح أبوابًا عدةً للإجابة عن تساؤلات تطرحها نتائج ودراسات سابقة".

ويتابع: قادتني نتائج دراستي البحثية السابقة، التي كانت تؤكد وجود بيئة غنية بالأكسجين في منطقة جنوب التيثي بعكس تلك السائدة في وسط المحيط، حيث كان هناك اضمحلالٌ ملحوظٌ لقيم غاز الأكسجين، ما جعلني أتساءل: ما الذي جعل منطقة جنوب البحر التيثي غنيةً بالأكسجين هكذا؟

من أين أتى الأكسجين؟

يقول "منصور": "من خلال تزاوُج مثمر بين علمَي الفيزياء والجيولوجيا، تمكَّن علماء المحيطات من عمل محاكاة بين المحيطات القديمة والمناخ السائد في الأزمنة الجيولوجية المختلفة، أظهرت أن متوسط درجة الحرارة في المحيط التيثي في زمن الكونياسيان، أي منذ حوالي 86 مليون عام تقريبًا، كانت تصل إلى 28-30 درجة مئوية".

ويضيف: "وجدنا أن شدة التيارات في المنطقة تخطت 8 سفيردروب، وهذا دليلٌ واضحٌ على قوة التيارات المحيطية في ذلك الوقت، وعلى أن عمود المياه في جنوب المحيط التيثي نشط جدًّا، ما أدى بدوره إلى زيادة نسبة الأكسجين، على عكس ما حدث في وسط التيثي".

ويقيس علماء المحيطات شدة التيارات بوحدة يطلق عليها سفيردروب (Sverdrup)، فإذا قلنا على سبيل المثال إن شدة التيار في المحيط 1 سفيردروب فهذا يعني أن هناك مكعبًا من الماء بعرض1 كم وطول 1كم وارتفاع 1كم يتدفق في الثانية الواحدة، وتُستخدم هذه الوحدة لقياس المعدل الحجمي لانتقال تيارات المحيطات.

ويوضح "منصور" أن "مصر في بدايات زمن الكونياسيان، أي منذ حوالي 90 مليون سنة تقريبًا، كانت تغطيها المياه، ووصل عمق المياه وقتها إلى 50-100 متر، وبعد دخول زمن الكامبانيان (84 مليون سنة تقريبًا)، زاد غمر المحيط التيثي، وأصبحت مصر تحت قاع مياه مفتوحة زاد عمقها ليصل إلى 150 - 200 متر".

استطاع "منصور" وزملاؤه فك شفرات المناخ القديم، وحركة المحيطات في ذلك الحين، من خلال عينات صخرية جاءت من بئر عميقة للبترول في حقل أبو الغراديق التابع لشركة بدر الدين.

مكامن بترولية شاهدة على مناخ الأرض

 في مكامن البترول التي توجد على أعماق سحيقة، تكمن أسرار الأرض القديمة، فلم تكن الجبال وحدها أو ما يظهر لنا على السطح الخارجي هو الشاهد الوحيد على أحداث الأرض القديمة، فبواطن الأرض تحمل هي الأخرى خبايا الماضي السحيق، يقول الجيولوجي محمد ثروت -مدير إدراة الاستكشاف في شركة بدر الدين للبترول، وغير المشارك في البحث- في تصريحاته لـ"للعلم": "نحفر في حقل أبو الغراديق إلى أعماق تصل إلى أربعة آلاف متر تحت مستوى سطح البحر، بينما استُخرجت عينات الدراسة من بئر للبترول (BED 2-3) على عمق يصل إلى قرابة 2000 متر تحت مستوى سطح البحر"، ويضيف: "كانت تلك المنطقة قديمًا قاعًا للمحيط التيثي، ويُظهر القطاع قيد الدراسة تداخلاتٍ من الحجر الجيري والأحجار الفتاتية مثل الطين".

وتوضح نجوى إبراهيم -أستاذ الحفريات الدقيقة بجامعة الزقازيق، وغير المشاركة في الدراسة- في حديثها لـ"للعلم": "عينات الدراسة ترجع إلى العصر الطباشيري العلوي (منذ حوالي 100 إلى 66 مليون سنة تقريبًا)، وفي ذلك الحين كان هناك تقدُّمٌ للبحر الذي وصل إلى جنوب مصر في بعض الأحيان، وكانت الرواسب عميقةً في المناطق المنخفضة وضحلةً في المناطق المرتفعة، سواء الرسوبيات الناعمة (رواسب الكربونات من الحجر الجيري والدولوميت والطباشير) مع المياه العميقة أو الرسوبيات الرملية الخشنة في المياه الأكثر ضحالة".

اختلفت طرق الدراسة والنتيجة واحدة

كل الطرق تؤدي إلى روما، لكن كم طريقًا يدعم نتائج الدراسة؟

تقول "إبراهيم": "تميزت الدراسة بتنوع الطرق المستخدمة للوصول إلى النتائج، وتُعد الدراسة تحليلًا عالي الدقة لما حدث في طيات الماضي السحيق".

حلل الباحثون معادن الطين المختلفة في زمني الكونياسيان والسانتونيان، ووجدوا زيادةً في نسبة معادن الإسمكتايت (أحد معادن الطين) ونقصًا في معدلات الكاولينايات (أحد معادن الطين أيضًا)، ويستدل علماء الجيولوجيا في دراساتهم على ارتفاع درجة الحرارة بوجود هذه المعادن، وتواصلت معادن الإسمكتايت في زيادة مطردة لتصل إلى معدلات أكبر في زمن السانتونيان في انعكاس لزيادة درجات الحرارة وتحوُّل المناخ من طبيعته الدفيئة التي تتأرجح بين الجفاف والرطوبة إلى مناخ استوائي شديد الحرارة والجفاف.

وجاءت نتائج تحليلات النظائر المستقرة للأكسجين والكربون لتؤيد ما آلت إليه حفريات طحالب السوطيات البحرية ومعادن الطين، فدلت تلك النظائر على سيادة المناخ الجاف، مما أدى إلى ضعف التعرية، وبالتالي قلة المواد القارية المنقولة إلى البحر، يدلل "منصور" على ذلك بقوله: "إن قلة حفريات حبوب اللقاح المستخرجة من الرواسب وزيادة الكربونات، دليلٌ واضحٌ على ضعف التعرية القارية وزيادة درجات الحرارة"؛ فحبوب اللقاح تنتجها الأشجار والنباتات على اليابسة، وباستطاعة الرياح أو الأمطار أن تنقلها بسهولة إلى مياه البحر، أما في حالات الجفاف الشديد فلا يتم تحريك ساكن على الأرض، ويضيف: "لم نكتفِ بدراسة القطاع المستخرج من حقل أبو الغراديق، بل امتدت الدراسة للمقارنة بين القطاعات الجيولوجية من العمر نفسه من مناطق في دول مثل إيطاليا وإسبانيا والصين (هضبة التبت)، من أجل تخطي النتائج المحلية والحصول على أخرى إقليمية".

تقلبات مناخية واحتباسات حرارية قديمة

سادت التقلبات المناخية فترة الطباشيري، كما تقول "إبراهيم"، "المناخ الدافئ هو السمت العام لفترة الطباشيري العلوي؛ فقد احتوت رواسبه على فورامينيفيرا بلانكتون (Globotruncana) (كائنات وحيدة الخلية تعيش هائمةً في المياه) وحفريات كبيرة مثل الأمونايت (كائنات لافقارية عاشت في المحيطات القديمة في عصر الديناصورات)، ما يشير إلى شيوع مناخ دافئ في هذه الأوقات".

واستطاع باحثو الدراسة التوصل إلى درجات الحرارة في المياه والهواء، يقول "منصور": "في نهاية عمر الكونياسيان كانت درجات الحرارة متقاربةً مع تلك التي نعيشها اليوم، فقد ساد المنطقة جوٌّ دافئ من الاحتباس الحراري (worm greenhouse)، إذ وصلت درجة حرارة المياه إلى 30-28 درجة مئوية بينما كانت حرارة الهواء 34-36 درجة"، أمّا عن بدايات عمر السانتونيان، فيقول "منصور": "إنه زمن القيظ (hot greenhouse)؛ إذ اشتدت درجات الحرارة لتصل في المياه إلى 34-36 درجة مئوية، وفي الهواء إلى 38 درجة مئوية"، ويضيف: "قلَّت معدلات الأكسجين في تلك الفترة، وتضاعفت أنواع الكائنات البحرية التي تعيش في البيئة الحارة مرتين، مثل طحالب السوطيات البحرية".

لم تستمر درجات الحرارة تلك فترات طويلة، فبعد انتهاء زمن السانتونيان وبداية زمن الكامبانيان، ساد مناخ لطيف أجواء الأرض بحرًا وجوًّا فيما يُعرف بـ(cool greenhouse)، واستمرت التقلبات المناخية في فترة الطباشيري إلى أن انتهى بكارثة مدوية أدت إلى انقراض 75% من الكائنات التي تحيا على الأرض.

وأخيرًا، يبدو أن ظاهرة الاحتباس الحراري ليست جديدةً على كوكب الأرض؛ إذ تفيد الشواهد وفق الدراسة التي بين أيدينا أن يد الإنسان ليست هي المتهم الوحيد في هذه الظاهرة، فقد جُبلت الأرض على التغيُّر الدائم في المناخ، وليس علينا سوى أن نحافظ قدر ما نستطيع عليها تجنبًا للكوارث غير الطبيعية؛ إذ نحن أول مَن يُصاب ويتضرر من جَرَّاء حدوثها.